الحوار المتمدن - موبايل


الأم والمراهق المتمرد

عبد العالي بكوشي

2020 / 12 / 30
حقوق الاطفال والشبيبة


في ظل الانفتاح الثقافي الواسع، وتعدد سبل التواصل الاجتماعي وتنوعها، وما تفرضه من تغيرات اجتماعية وثقافية، وفي ظل استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير بالانسلاخ من القيم الأصيلة والمثل العليا، وامتثال القيم الدخيلة والثقافة الهجينة بحجة مواكبة سير الحضارة الواهية، وفي ظل إعادة صياغة العلاقات الأسرية وقواعد التواصل والأولويات بين أفراد الأسرة على نحو يتناقض مع الدور الأساسي لها، في ظل هذه الظروف مجتمعة تولدت لدينا ظاهرة ((المراهق المتمرد)).

تعد مرحلة المراهقة - الاقتراب من الحلم– من أهم المراحل العمرية وأخطرها، حيث تتنازعها مرحلتان: الطفولة، والبلوغ، ولكل منهما أثر واضح في شخصية المراهق، مما يوجب علينا التعامل بأنماط مختلفة ومتجانسة، وأقصد بالتجانس عدم التعارض والتناقض، لأن التعامل بأنماط متعارضة يؤدي إلى اضطراب المفاهيم، وضبابية المعايير، فلا يستطيع المراهق الوقوف على ما يتقبله الآخرون منه، وما يرفضونه، وما يفقدهم الوضوح والمصداقية في التعامل، وبالتالي فقدان الاقتناع بآرائهم، فيرفض المراهق طاعتهم ولا يتقبل نصيحتهم، وهو ما يعرف ((بالتمرد)).

سلوك الفرد في مرحلة المراهقة ليس سوى نتاج غرس تعهده الوالدان والمجتمع
وقد يقع على الأم في هذه المرحلة العبء الأكبر ن المسئولية باعتبار المراهقة امتداداً للطفولة المبكرة أو انبثاقاً عنها، وفي مرحلة الطفولة تكون الأم هي الأقرب للأبناء من الأب، فهي القائمة على أمورهم المختلفة، والملازمة لهم في أكثر أوقاتهم، وهي الملاذ الآمن الذي يلجا إليه الطفل ويثق بقدرتها على حمايته ورعايته وإشباع حاجاته.

وبالعودة إلى الدور الرائد للمرأة المسلمة في صياغة التاريخ الإسلامي الزاخر بالانتصارات، نجد أنها قد احتلت هذا الدور بما قدمته من الجهود العظيمة والتضحيات الجسيمة، وعلى رأسها تعد اللبنة الأولى في بناء المجتمع بالرعاية والحماية، والقيام على ما يصلحها ويرتقي بها، وذلك بامتثالها خير امتثال قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: ((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته والأمير راع والرجل راع على أهل بيته والمرأة راعية على بيت زوجها وولده فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع، على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع ومسؤول عن رعيته)).

فقد أدركت الأم المسلمة على مدى العصور الماضية الأمانة والمسؤولية العظمى التي كلفت بها باعتبارها راعية على بيت زوجها وولده، وأدركت ما يترتب على إضاعة هذه الأمانة من عقاب حذر منه النبي –صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح بقوله: ((ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة))، فأحسنت النصح للزوج، والرعاية للولد، والصيانة للعرض، والتدبير للمال، حتى استحقت أن تكون خير قدوة للأبناء، فنالت ثقتهم وتقديرهم واحترامهم، فإذا أمرت أو نهت امتثل الأبناء لأمرها ونهيها بنفوس راضية، وقلوب مطمئنة، ليقينهم أنها لا تأمرهم بأمر إلا وفيه الخير، ولا تنهاهم عن أمر إلا وفيه الشر، ومن هذا المنطلق رأينا سفيان بن سعيد الثوري –رضي الله عنه- أمير المؤمنين في الحديث، يتوجه لطلب العلم في سن مبكرة بتوجيه ورعاية من أمه التي أدركت ما لديه من الفطنة والذكاء، وحسن الفهم والحفظ، فأرشدته إلى طلب العلم، وأعانته عليه بالمال، فقالت له: ((اذهب فاطلب العلم وأنا أكفيك بمغزلي))، فكانت تعمل بالغزل لتوفر له نفقة التعلم.
وها هو الإمام مالك بن أنس –رضي الله عنه- يترك ما أحب امتثالاً لرأي أمه وإرشادها، قال رضي الله عنه : ((نشأت وأنا غلام , فأعجبني الأخذ عن المغنين , فقالت أمي : يا بني, إن المغني إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت إلي غنائه , فدع الغناء و اطلب الفقه، فتركت المغنين و اتبعت الفقهاء , فبلغ الله بي ما ترى)).

من هنا ندرك أن التربية الصالحة التي تؤتي أكلها كل حين، نحتاج إلى العديد من الأسس والقواعد والمهارات، فالرأي الصائب وحده قد لا يكون كافياً، بل يحتاج إلى ما يدعمه من حسن التواصل، والحجة والبرهان، أو المعونة بالعمل، فوالدة المحدث سفيان الثوري –رضي الله عنه- لم تكتف بتوجيه ابنها إلى طلب العلم، بل كفلت له ما يعينه عليه وهو الدعم المادي، ووالدة الإمام مالك –رضي الله عنه- لم تكتف بإملاء رأيها عليه، بل عززت هذا الرأي بما يدعمه من الحجة، فما كان منه سوى الامتثال والرضى.

فبالرغم من أن العديد من الآباء ينظرون إلى تمرد المراهق باعتباره وليد عمر معين م ا إن يصل إ ليه الابن حتى يصاب به في تفكيره وسلوكه، إلا أن الحقيقة خلاف ذلك
ومن القواعد اللازمة للتربة الصالحة التأسيس التربوي السليم منذ الطفولة، وعدم الاكتفاء بالتوجيه والنصح في فترة المراهقة، فبالرغم من أن العديد من الآباء ينظرون إلى تمرد المراهق باعتباره وليد عمر معين ما إن يصل إليه الابن حتى يصاب به في تفكيره وسلوكه، إلا أن الحقيقة خلاف ذلك، فالسبب الرئيس لهذا التمرد يكمن في عدم حصول الفرد على التربية السليمة في مرحلة الطفولة، فسلوك الفرد في مرحلة المراهقة ليس سوى نتاج غرس تعهده الوالدان والمجتمع بالرعاية أو الإساءة سنين طويلة، والتربية السليمة تنشأ مع الرضاع، وتستمر حتى الرشد، وما بعده، ما دام الأبوان قادرين عليها، والتربية بهذه الصورة تحصن الفرد بالقوة المناسبة التي تؤهله للصمود أمام أقوى التحديات.

فها هي المربية الجزائرية تجعل الفرنسيين –بقوتهم الجبارة بالعدد والعتاد- يقفون عاجزين أمام قوة وإرادة الشعب الجزائري، حتى لجئوا إلى الاستعانة بأحد أستاذة الاجتماع في فرنسا، ليرشدهم على وسيلة للقضاء على المقاومة الجزائرية الشرسة، فأرشدهم إلى النيل من فكر المرأة الجزائرية وثقافتها الإسلامية، بتأكيده أن المرأة هي السبب الرئيس في المقاومة، وإن من المهم إفسادها لأن هذا الإفساد هو الكفيل بعرقلة إرادة الشعب الجزائري ومقاومته.

لقد عمل أعداء الدين بهذه النصيحة، فحاولوا إشغال المرأة بما لا يسمن ولا يغني من جوع، أرادوا لها أن تقف نداً للزوج، بعد أن كانت عوناً له، وأن تتجاهل المسؤولية العظيمة الواقعة على عاتقها، والأمانة الكبيرة الموكولة إليها، أرادوا لها التخلي عن واجباتها تجاه زوجها وأبنائها وبيتها، وانشغالها بسفاسف الأمور، ما يجعلها تفقد مكانتها التي كانت تحظى بها على مدى أزمنة بعيدة، وتتضاءل قيمتها في أعين أفراد أسرتها، فلم يعد لها الحق بالأمر والنهي، لأن الأمر والنهي للراعي الأمين القائم على مصلحة من استرعى عليهم، أرادوا لها أن تكون لها الحق بالإرشاد والتوجيه والنصح، لأن فاقد الشيء لا يعطيه. لكن محاولاتهم وإن نجحت على حد ما إلا أنهم لم يحققوا أهدافهم، فظلت المرأة المسلمة عالية الرأس شامخة تواجه الأعداء بها اجتياح المبادئ والقيم والمثل العليا.

هناك عدة أسباب ساهمت في تمرد المراهق، منها:
1- ضعف الحوار البناء بين المراهق وأفراد أسرته، مما يتسبب في اتساع الهوة وضعف قنوات التواصل بينهم، فالمراهق يحتاج الفرصة للتعبير عن نفسه واهتماماته ومشاعره التي قد يعجز نفسه عن الإلمام بها في هذه المرحلة، بسبب ما تحمله من تغيرات جسمية ونفسية واجتماعية، فالحوار البناء مع أفراد الأسرة يمد المراهق بالدفء العاطفي والروحي، والإشباع الاجتماعي، مما يحول دون لجوئه لغير أسرته من رفقاء الشارع، كما أن الحوار البناء يفسر المواقف التي تتخذها الأسرة إزاء الأخطاء التي قد يرتكبها المراهق، مما يساعده في التعرف إلى سلبياته، وسبل تجاوزها، وتقبل العقوبة على أخطائه دون الشعور بالظلم والقهر والكبت.

2- عدم إعطاء المراهق مساحة كافية من الاستقلالية، ففي الوقت الذي يشعر فيه انه قادر على الاستقلال بالعديد من القرارات التي تخصه، يرى الوالدان أنه غير مؤهل لهذه الاستقلالية، لما ينقصه من الخبرة والتجارب الكافية، مما يولد لديه الرغبة في التحدي لإثبات قدراته، فيقابل بالتعنيف والتوبيخ، ويرد بالتمرد الذي قد يتجاوز الأسرة للمجتمع وقيمة وثقافته، والأجدر بنا كآباء مسئولين الإيمان بقدرات المراهق على اتخاذ عدد من القرارات، ومساعدته لاكتساب الخبرة اللازمة بصورة بعيدة عن التسلط أو الإملاء أو التصغير من شأنه، بإتباع الأساليب التي تمنحه الثقة بقدراته وتشعره بأنه صاحب القرار، أو شريك رئيس في اتخاذه، وبالتالي في تحمل نتائجه.

3- عدم إعطاء المراهق القدر الكافي من التقدير والاحترام والرعاية الاجتماعية والعاطفية، فالمراهق شديد الحساسية لأي نقد خاصة إذا كان هذا النقد أمام الآخرين، لذلك يجب الإعلاء من شانه في السر والعلن، مما يجعله يقدر قيمة ذاته، فيحفظها من الامتهان والابتذال والإساءة، فإذا أحب نفسه وقدرها كرمها وعز عليه الإساءة غليها من قِبَله أو من قِبَل غيره، فيلتزم مكارم الأخلاق والشيم و الأفعال، يقول في ذلك الإمام الشيخ سيد قطب – رحمه الله- في رثاء أمه: ((لقد كنت تصوريني لنفسي كأنما أنا نسيج فريد منذ كنت في المهد صبياً، وكنت تحدثيني عن آمالك التي شهد مولدها مولدي، فيتسرب في خاطري أني عظيم، وأنني مطالب بتكاليف هذه العظمة)).

4- تحميل المراهق مسؤولية تزيد عن طاقته وإمكاناته، ففي الوقت الذي نجد بعض الأسر تعامل ابنها المراهق معاملة الطفل المدلل، بحيث لا يتحمل أدنى مسؤولية، مما يخلق لديه الاتكالية والضعف والفراغ الذي قد يصل به إلى الانحراف، نجد أسراً أخرى تثقل على المراهق بما لا يطيقه، مما يتيح له البحث عن اهتماماته وذاته وشخصيته، في خضم المسؤوليات الملقاة على عاتقه، فيشعر بالظلم الذي قد يصل به إلى حمل مشاعر البغض لأسرته .

المصدر :
موقع كيفية : https://kayfiah.com/ ، تصفح بتاريخ 20 ديسمبر 2020








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المشاهد الأولى لاعتقال الشيخ كمال الخطيب


.. مراسلة فرانس24: -ليلة من الجحيم في شمال غزة والأونروا ترفض ف


.. Brazilian Activists Protest the Largest Beef Producer in the




.. حملة للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين السياسيين في المغرب


.. الأمم المتحدة تطمئن.. الاقتصاد سيتحسن | #غرفة_الأخبار