الحوار المتمدن - موبايل


الخيال والعالم: تداخل النص والمعنى في شعر والاس ستيفنز

حكمت الحاج

2020 / 12 / 31
الادب والفن


__________________
عادة ما نستضيف أو نستقدم عَلَمَاً مَا، من ثقافة أخرى، على ثقافتنا، إمّا لأنّه يقدّم إجابة أو عدّة أجوبة على تساؤلات ملحة تخضع للشرط التاريخي، وإمّا لأنّه يساهم في طرح سؤال أو عدة أسئلة لم تزل تطرح بإلحاح وجدية في الوقت نفسه. وفي الغالب يكون ذلك الإسم العَلَمُ أو الشخصية، هو أحد المساهمين في الطرح في إطار ثقافته هو. وفي كلتا الحالتين فإنّ الإسم الذي يستقدم (وفي بعض الأحيان يكون اتجاها او مدرسة أو نظرية أو جماعة) إنّما هو خاضع لنفس الإشكالية المتحكمة في ثقافتا على الدوام، ألا وهي إشكالية «الذات والآخر». وعندما يكون الحديث عن شاعر بحجم وقيمة "والاس ستيفنز" فإنّ الأمر فيه بعض الإضافات، من ذلك أنّه من ضمن تلك الكوكبة من الأسماء التي هي الآن في طور إعادة الإهتمام إليها، هذا إن لم يكن هو في طور تسليط الضوء الأول عليها أصلا، لأنّ البعض من الأسماء والإتجاهات لم تأخذ حقها كاملا حتى ضمن حاضنتها الأصلية، أقصد ثقافتها وتراثها. ويعود ذلك إلى عدّة عوامل، تاريخية وإيديولوجية وسياسية، لا مجال الآن للتطرق إليها فنحن نسمع بين آونة وأخرى، ما يشبه اكتشافا أو تقديما لهذا الإسم أو لذلك فهذا هو "جون ماكوري" في كتابه عن "الوجودية" مثلا، يقول أنّ الفلسفة الوجودية لم تدرس لحد الآن على أنّها فلسفة بل كل ما هنالك هو الإسم الذي صار على كل لسان وكل ما هنالك هو سير وحيوات أقطاب هذه الفلسفة، ثمّ نوادر وطرائف عنهم ثمّ اختلاط كل ذلك بالسياسة، خاصة قضية الجزائر ومعسكرات الإعتقال، والستالينية، أمّا الدرس الفلسفي والتقويم التاريخي فإنّهما لم يتما بعد، ويقول أنّ كتابه هذا هو بمثابة مدخل إلى دراسة الفكر الوجودي من حيث هو "فلسفة".
يعمل التفكير الأوروبي (الغربي عموما) على إعادة النظر في المعطيات الأولى لمناطق العبور والإنعطاف الخاصة بالتطورات الروحية والمادية المتعلقة بالحضارة والثقافة وتمثلاتها وتكويناتها، عبر التدوين والمشافهة والإبصار. وفي كل حقبة يلقى ضوء جديد على شخص أو نص، عبر قطائعه وامتداداته، في حفرياته وركامياته وهو، أي التفكير الأوروبي (الغربي) في كل هذا وذاك، إنّما ينطلق من نفسه وإلى نفسه، غير مهتم بما هم عليه أولائك الذين يجلسون في الأركان البعيدة، الذين بنتظرون بفارغ الصبر، نوعا من الفروع المقتطعة من الغابة الوارفة الظلال، العميقة الغور، لكي يعمدوا إلى استنباتها وتطعيمها. هكذا يفعلون الآن مع "والاس ستيفنز" كما فعلوا من قبل مع "هولدرلين" و"هوفمنستال" و"كيريجارد" كذلك مع "نيتشة" و"فرويد" و"ماركس" إنهم الآن يعيدون إلقاء الإهتمام عليه لما فاتهم من إلقائه، ويعيدون قراءته لما فاتهم من قراءته، لعلهم يفهمون أكثر ولعلهم يكشفون من الأسرار أكثر.
ونحن نزعم في هذا الصدد وضمن هذا السياق أنّ هنالك نقاط تلاق وتقاطع وتواز، ما بين "والاس ستيفنز"، الشاعر والمنظر والإنسان، وبين الشعرية العربية الراهنة، وبالتحديد عند الموجات المتأخرة في راهن الشعر العربي الجديد، وستكون هذه المقالة (كما مثيلاتها فيما بعد عن "كمنجز" و"الآن غينسبرغ" و"جيل الخنافس") هي بداية اكتشاف لشاعر قدم الكثير والمهم في إطار ثقافته هو، ومن المؤمل أن يقدم الكثير والمهم أيضا لشعرائنا الآن.
كان "والاس ستيفنز" يعمل في شركة تأمين. وهذا يعني أنه كان شاعرا ورجل أعمال في وقت معا. وربما كان هذا مستغربا، لأنّ الشعراء ورجال الأعمال قلما يتفقون. وسواء أكان ذلك الإزدواج يبعث على القلق أو على الإنسجام، فإنّ شاعرنا كان يعزل بشكل ناجح بين النقيضين، فلا يخلط أبدا بين الشعر والعمل. وعندما سأله محررو معجم "الأسماء الأعلام" المعروف تحت إسم "من هو الذي" عن نوع عمله أجابهم قائلا: إنه التأمين. ولم يكن أحد من زملائه في العمل يتصوّر أن "والاس" يكتب الشعر، كانوا يسمونه في العمل بصيغة التحبب "والي" ولم يكونوا على دراية مطلقا بأنّه هو نفسه ذلك الشاعر المرموق.
أصدر ستيفنز كتابه الشعري الأول بعنوان «هارمونيوم» عام 1923 وكان تأثّره واضحاً فيه بالرمزية. بعد ذلك توقف عن كتابة الشعر لمدة عشرة أعوام. وبحلول عام 1935 عاد بانطلاقة جديدة، ونشر ثلاثة دواوين دفعة واحدة، غير أن القراءات النقدية لشعره كانت متضاربة، فلم يَرُق هذا الشعر لكثير من النقّاد. وبالرغم من نشره كتابَين عُدَّا لاحقاً من أهم ما كُتب في تيار الحداثة آنذاك، أحدهما كان «ملاحظات خيال متعال»، فإنه لم ينل ما يستحقّ من حفاوة إلا في أخريات أيامه وما قبل وفاته بقليل، عندما نشر كتابه «قصائد مختارة» والذي نال عليه «جائزة بوليتزر» للشعر للعام 1955.
إن شعر ستيفنز يظلّ تطبيقا مستمرّاً لتفاعلات تلك العلاقة ما بين الحقيقة وما يمكن للإنسان أن يصنع من هذه الحقيقة بعقله، أي الخيال. وثمة ما يدعو أيضاً إلى تسمية العديد من قصائده بالشعر الميتافيزيقي، (وكنا قد عقدنا في فصل سابق من كتابنا هذا مقارنة بينه وبين الشاعر الميتافيزيقي العظيم جون دون) لأن هالة الغموض والشخصيات القريبة البعيدة المتخمة بالمعرفة لا تكاد تفارق الكثير من شعره، وكذلك التسمية الفلسفية للمسمّيات وكيف يمكن لهذا العالم أن يلتقي بطرق متعدّدة.
إنّ هذا الإزدواج كان يتسبّب في نشوء صراع حاد وكلي لدى شاعرنا. ولكن المسألة لم تكن كذلك، بل كانت المشكلة تكمن في العلاقة بين طرفي ذلك الإزدواج، وفي كون تلك العلاقة هي علاقة سلم وتبادل، إذ كان "ستيفنز" يقول: "حين يتصل الشاعر بعمل ما، أو بوظيفة، فإنّ ذلك يضفي عليه طابعا مميزا". وكان مثله الأعلى هو ما يسميه بـ"الإنسان الشامل" أي الإنسان ذي الجوانب المتعدّدة في شخصيته، تماما مثل "بنيامين فرانكلين" ذلك لأنه جمع بين العمل والفلسفة والشعر والموسيقى ولقد قال "ستيقنز": "إنّ المال هو نوع من الشعر، كلاهما يجمع ويصنع" وأضاف إلى ذلك قوله: "إنّ الذي يستطيع أن يشتري اللوحات الفنية، لهو أقدر وأصوب في الحكم عليها، من الذي لا يستطيع شيئا سوى التحدث عنها". وبالنسبة إلى "ستيفنز" فإنّ المدينة الفاضلة يتربع على عرشها ذلك الذي يستطيع أن يقيم العلاقات بين المتضادات والمتناقضات، بين الفكر النظري والمال، بين الفن والحياة، بين الحقيقة الواقعية والمعجزة الغيبية. هذه العلاقات تربط بين عالمين موجودين، أحدهما كان "ستيفنز" يدعوه "الواقع" والثاني كان يدعوه "الخيال". ويقول إنّ عالم الخيال هو كعالم الواقع، ملموس وواقعي. أمّا تداخل هذين العالمين، بالتالي، فإنّه هو النسق المهيمن على شعره وطريقته. الناس يواجهون دائمًا طبيعة لامبالية، مع استيقان بالموت، وشعور بالتفسخ الأخلاقي وسيطرة القيم المادية على حياتهم. وفي رأي ستيفنز فأنه لا ينقذهم من هذا الموقف المأساوي المحتمل إلا استعمال الخيال الذي في مقدوره إضفاء معنى على فوضى الواقع، واكتشاف الجمال في الطبيعة ووضع حد للتفكير في الموت.
ولقد أصبحت لفظة "تداخل" علامة فارقة على منهج شعره وعلى تميزه، وهنا نتقدم بمقترح لقراءة لفظة "تداخل" التي تدل على الأسلوبية الشعرية لدى "ستيفنز" على أنّها تعني "التعشيق" ذلك الإصطلاح الذي وضعناه منذ العام 1993 لوصف جانب من التجربة الشعرية العربية الراهنة وخاصة عند شعراء قصيدة النثر، الذين ينتهجون طريقة المزج بين عالمي الواقع والخيال، عبر تعشيق دلالي بين جملتين شعريتين، إحداهما جملة يومية تتعلق بالأشياء، والأخرى جملة ذهنية تأملية تتعلق بالكلمات. وقد استنفذ "ستيفنز" بإتقان كل ممكنات هذه الطريقة عبر مسيرته الأدبية ممّا حدا بنا إلى اعتبار أنّ مراجعة سيرة شاعر مثله، وبيان نقاط تلاقيه وتقاطعه مع الشعر الجديد في العالم العربي، هي عملية نقدية وجمالية لا تخلو من فائدة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. صباح العربية | محاولات لإنعاش السينما السودانية


.. صباح العربية | فنانون ومسرحيون فرنسيون يقدمون أعمالهم لموظفي


.. صباح العربية | التشكيلية اللبنانية كرستيل بشارة تمزج بين الت




.. بزاف – برشا – باهي كلمات باللهجات المغاربية.. ما أصلها باللغ


.. شاهد: عروض مسرحية وموسيقية عند الطلب تصلك حتى باب البيت في إ