الحوار المتمدن - موبايل


ثقافياً.. فكرياً.. معرفياً

علاء هادي الحطاب

2021 / 1 / 5
مواضيع وابحاث سياسية


عندما قال ابو الطيب المتنبي "أَعَزُّ مَكَانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ
وَخَيْرُ جَلِيْسٍ في الزَّمانِ كِتابُ"
كان يعي ما يقوله لاهل زمانه ومن يأتي بعدهم، اذ ان تطور الامم وتقدمها في كل شيء مرهون بثقافة ابنائها وتميزهم فكريا ومعرفيا وليس "بعضلاتهم ولا اجسادهم" فهذا العالم ستيفن ويليام هوكينج الذي ولد معاقاً جسديا وعاش حياته على كرسي متحرك لا يقوى على ما يقوم به الاخرون يُعد من أبرز علماء الفيزياء، كل ذلك بفضل قدراته المعرفية لا الجسدية.
منذ اربعينيات القرن الماضي وحتى تسعينياته كان الشباب في المقاهي يتبارون فيما بينهم شعرا ونثرا.. ادبا وثقافةً، كان طالب الاعدادية يملك همّ قضية معينة ( امة - دولة - حزب - ايديولوجية وغيرها) يبحث ويقرأ وينظّر فيها ويدافع من اجلها فكريا ومعرفيا وكانت مقاهينا تعج بحوارات وخلافات فكرية ومعرفية فضلا عن الشباب الجامعي الذي كان قائدا ومحركا فكريا ومعرفيا للاحداث، فكل حراك لحدث في البلاد كان يقابله حراك فكري ومعرفي، وهذا ديدن الامم الحضارية التي تبحث في واقعها وتستشرف مستقبلها.
اما اليوم ومع الاسف فان ما تقدم بدأ يضمر ولا اقول انتهى بل مساحته قلت لدرجة ان الحراك الفكري والمعرفي بات في اروقة ضيقة جدا، تنحسر فقط على المشتغلين بها لا غيرهم، وباتت ثقافة "الطشة" هي السائدة والرائجة بل وحتى المربحة ماديا ومعنويا، فالمشاهير اليوم في بلادنا هم اصحاب "الطشات" لا أصحاب الفكر والعقول، لذا نجد ان من ينشر مقطعاً فيديوياً يتحدث فيه عن وجبة طعام بطريقة ساخرة يتابعه ويتفاعل معه الآلاف، وكذلك من ينشر عبارة عن "الكلاوات" بل وحتى "الغائط"، بينما من ينشر مقطعا فديويا لموضوع معرفي وفكري وثقافي لا يجد من يتابعه فضلا عمن يعرفه سوى المشتغلين بهذا الحقل المعرفي، حتى ان شارع المتنبي المعروف بطبيعة رواده ومرتاديه تحول اليوم الى "سوق هرج ومرج" اخر اهتمامات كثير منهم المعرفة والثقافة والفكر.
في اوروبا حتى اليوم مع وجود الهواتف الذكية والالعاب وغيرها تجد العشرات من مرتادي المقاهي والحدائق العامة وحتى وسائط النقل العام يحملون معهم كتبهم يستثمرون وقتهم بالمطالعة والمعرفة ولا تزال القراءة ضمن اولوياتهم اليومية، بينما ينشغل شبابنا بالعاب البوبجي وغيرها.
لست متشائما بالقول اننا نعاني من انهيار ثقافي ومعرفي.. كلا .. بل لا يزال لها مكان بين طبقات مهمة في مجتمعنا، لكننا حتما في تراجع، وتراجع كبير، ليس بحجم امة وحضارة كالعراق الذي اذ ما ذُكر اسمه ارتبط بالمعرفة والفكر والثقافة.
احد مسببات تراجعنا هو تراجع مستوى القراءة ومن ثم الثقافة والفكر والمعرفة في صفوف شبابنا وعامة مجتمعنا، فضلا عما اوردناه في مقالات سابقة (سياسيا واقتصاديا).
اذا اردنا ان ننهض من كبواتنا جميعها فعلينا ان ننهض بواقعنا الفكري والثقافي، نعم هناك معارض كتبية لدور نشر كثيرة، لكنها لم تنعكس ايجابا علينا كمجتمع وامة، ومعالجة ذلك ليس منوطا فقط بالدولة التي لها الدالة الاساس في ذلك من خلال اعطاء الثقافة والفكر والمعرفة اهتماما خاصا، اذ اننا لو اشتغلنا على مجتمعنا فكريا ومعرفيا لاصبح الامر سهلا وميسورا على راسمي ومنفذي السياسات العامة في البلاد انفاذها وتطبيقها، وهنا للاسرة دور وللمدرسة والجامعة كذلك، باعتبارهما مؤسسات التنشئة الاهم ومن بعد ذلك الانتقال الى المنظمات والاتحادات والنقابات كل في مجال اختصاصه وعمله وتحويل المبادرات الى مساحات اشتغال دائمة لا تنتهي بمجرد الانتهاء منها كمبادرة .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حب مستحيل في -2020-.. مواجهة مصيرية من أجل -350 جرام-.. وصرا


.. التحكيم المصري يثير الجدل قبل لقاء القمة


.. سد النهضة.. أزمة تصل إلى طريق مسدود | #من_القاهرة




.. كواليس التحضير لموكب المومياوات الملكية | #من_القاهرة


.. أوتوغراف” هالاند ... مشكلة بهدف نبيل