الحوار المتمدن - موبايل


رؤيتان ابراهيميتان: بدئية وختاميه راهنه؟/2

عبدالامير الركابي

2021 / 1 / 5
مواضيع وابحاث سياسية


عبدالاميرالركابي
كتب على العراق/ ارض الرافدين، بعد الدورتين التاريخيتين اللتين مرتا عليه، ان يعيش الدورة الثالثة الراهنه من نشوئه، باعتبارها دورة كوكبيه، ولايتعلق الامر لهذه الجهة بما قد يخطر على البال بخصوص الكيانات الأحادية المختلفة، وتشكلها في دول ضمن اشتراطات بذاتها، فالذي نتحدث عنه كيان ازدواج امبراطوري تحولي بنية وكينونة، وهو المجتمعية الأولى الافتتاحية التي بها يؤرخ للظاهرة المجتمعية، باعتبارها ظاهرة ايله الى مابعدها، منطوية على أسباب تحولها، وتحول مادتها الكائن البشري الى "عقل".
ابتداء يتشكل الكيان الازدواجي ذاتيا من داخله، ويكون وقتها معبرا عن مكنونات المجتمعية الأرضية في الجوهر، مع اسبقيته التكوينيه، وتبلوره الاستباقي الابتدائي، فلا تنتهي دورته الأولى، الا بعد ان يكون قد رسم الملامح التفاعليه المجتمعية، الامر الذي يحصل عمليا وواقعا ضمن وداخل حدوده، أولا بتبلور المجتمعية التي لاتتجسد ارضويا، ولاتنتج سلطات منفصلة من داخلها، ومن ثم بهبوط اشكال المجتمعيات الأحادية النازلة من الشمال وهي مكونه ضمن اشتراطات الاحادية المجتمعية، الامر الذي يعود هنا تاريخيا الى الإمبراطورية الاكدية، التي معها وعندها تبدا اليات الصراعية بين المستويين المجتمعيين، ليتحوران عبرمعا، ومن خلال الصراع الذي تفرضة استحالة الأحادية، وعدم امكانيه هيمنه الاطار الأعلى، يقابله في الوقت ذاته عدم انطواء المستوى الأسفل على الأسباب اللازمة للتجسد الارضوي الكياني المستقل للتعذر كينونة، مايولد من وقتها قانون "الاستبدال" و "الانتقاص"، حيث المستوى الأسفل مضطر للتعبير عن نفسه من خلال اطر ليست هي الحاكمه، بل باعتبارها ضرورة صورية لما لايمكن تجسده، مقابل التكوين الأعلى الذي يميل الى التشكل الامبراطوري من دون حلم السيطرة الأحادية، فيتخذ صيغة "الإمبراطورية / المدينه العظمى" المحصنه اشد تحصين والمعسكرة من داخلها، المكتفية بذاتها، والتي تمارس حلب الريع اذا اضطرت، بالغزو الداخلي، والهرب الى خلف اسوارها وقلاعها، بينما تذهب للبحث مضطرة لاحتلاب الريع من خارج الحدود، تخفيفا ل، وتحاشيا للاصدام مع عالم المنتجين الأسفل غير القابل للاخضاع، وهو مايكرس آليات الكيانيه الإمبراطورية ويحعلها شرطا.
بدلا عن التغلغل المجتمعي عبر السيطرة والاخضاع، تميل الدولة الإمبراطورية/ المدينه الاحادية الأعلى، الى محاولة التلاؤم والتاقلم مع القيم المجتمعية السفلى، وتملقها، وحتى لمصادرتها ان امكن، وصولا لصيغة ما من صيغ التوحيد المفهومي، وبالاجمال المقاربة المفهومية التي تفقدها خاصيتها الأحادية الأصل، كما الحال الشرائعي البابلي الحامورابي، او بغداد الكوسموبوليته اقواميا ومذاهبيا، وكل ذلك من ديناميات الكيانيه الازدواجية يجعلها بالاجمال، وبما هي نموذج كيانيه فريد مغاير تكوينا وطبيعة للكيانيه الأحادية، واقل صلادة منها، ومتميزا بالهشاشة والدقة والحساسية البنائية، الأقرب للهشاشة غير القابلة لتحمل أي ضغط مضاف من خارجها، خصوصا حين يأتي من قوى وجهات وامبراطوريات أحادية اصلد بنية وتكوينا، بمايجعل كيانيه الازدواج عرضة للفناء، او للغياب والانقطاع الذي حل على البلاد لمرتين، هذا ويتوافق مع دقة البنيه الكيانية الرخوة، طبيعتها الانتاجوية البنائية ضمن اشتراطات مجافية بيئيا كليا، لدرجة العيش على حافة الفناء، مايجعل البناء هنا بغاية الحساسية والرفعة التكنولوجية، وماتتطلبة من خاصيات غير عادية من توزعات الشبكة الاورائية والنواظم والسواقي، عدا عن حالة الاستنفار الدائم، واليقظة فوق العادة، والتوزع السكاني الضامن للمراقبة الاستثنائية لحواف الأنهار الخطرة، والغادرة، القابلة في اية لحظة لان تنفجر وتغرق الزرع والمدن بالفيضانات، مايجعل من احتمالات انهيار البنية الحضارية امرا واردا عند أي اختلال في المبتنى الكياني، فتخرج وقتها الأمور عن الطاقة البشرية، ولايعود بمقدور المنتجين صد غائلة الخراب الذي يتحول وقتها الى قانون متعد لك طاقة بشرية.
والعراق فوق هذا، معرض لخصبة وسط محيط من الجبال الجرداء والصحاري ـ وادي النيل المعزول المحمي بيئيا صحراويا ـ لسيول السلالات والأمم والامبراطوريات الشرقية كعنصر إضافي من عناصر فعل قانون العيش على حافة الفناء، بما يجعل من "جنون الحدود" هنا خاصية إضافية ملازمة للعملية الإنتاجية والكيانيه، من الممكن ان يحولها الى مصدر افنائي، تعجز البنيه عن تحملة اذا فاق طاقتها على حمل العبء المتعدد الوجوه انتاجيا، واحترابيا، كما حدث أيام الغزو الفارسي، وادى الى تعطيل الاليات التاريخيه واوقفها، لهشاشة البنيه الكيانيه من ناحية، إزاء الصلادة العبودية الامبراطورية الفارسية، والموقع الحساس الذي دخلت منه من جهة الشرق، كما بسبب محدودية وصغر مساحة سومر وقتها، واقتصارها على مدى محدود لايتعدى نصف ارض السواد جنوبا، ان لم يكن اقل من ذلك( لم يحدث ان جرت مقارنة المنجز الرافديني البدئي، من هذه الناحية، أي المساحة الضئيلة المحدودة للغاية ل"الدرة المجتمعية"، مقارنة على سبيل المثال بالعملاق المصري ومنجزه)، وهو مالم يكن ممكنا حدوثة اثناء الانقطاع الثاني، الذي تولد عن الغزو المغولي كاضافة الى العوامل الذاتيه، في وقت كان العراق فيه يعد اكثر من ثلاثين مليون نسمه، ووصل حتى في قعر الانهياربعد بضعة قرون منه، الى اكثر من مليونين ونصف المليون، الامر المختلف كليا بالقياس للدورة الأولى التي استوجبت واستدعت حضور الاحترابية الابراهيميه الجزيرية، لتعيد ايقاظ الاليات الرافدينيه، وتحييها، مطلقة دورة ثانيه امبراطورية كبرى.
ثمة جانب لايمكن ابدا تجاهله او التغاضي عنه بما يخص الكيانيه الرافدينيه السومرية ابتداء، يتعلق بما يمكن ان نطلق عليه مفهوم "الحمائية الكونية للنمط الهش"(1) فحين وجد، او تقرر من قبل الغائية الكونية، والعقل البيئي، الوصول الى المجتمعية الازدواجية التحولية، لم يكن غائبا مااعتور كينونتها، واشتراطاات وجودها بالصيغة التي كان ينبغي ان توجد عليها، من دون توفير الأسباب الضرورية واللازمه لحمايتها، وضمان استمراريتها وسط التفاعليه المجتمعية المتعدية للموضع بذاته،، الامر الظاهر في وجود كيانيه اللادولة الأحادية الصحراوية الاحترابية، الموكولة لاقتصاد الغزو، ومايولده ويترافق معه من نوع احترابيه استثنائية فائقة، ملاصقا له، على الطرف الثاني الغربي من الإمبراطورية الفارسية العبودية الشرقية، وماتناوب الموقعان عليه من، افنائية مارسها الحضور الفارسي، وتحريرية شرطها ابراهيمي رافديني، اضطلع بها الثاني، ولايقف هذا العنصر من عناصر الكينونه الرافدينيه، عند ماجرى وقتها من تحرير جزيري ابراهيمي للاليات الرافدينيه، مع رفدها بالمادة البشرية، الامر الذي سنتعرف على شكل مختلف منه، وعلى مساهمه مهمه مغفلة في منع احتمالية افناء أخرى طرات على العراق في العصرالحديث.
يرسخ في العقل الانسايواني بفعل الزمن ونوع الاعتياش الكياني، مفهوم الكيانيه المحدودة بحدودها، والذاتيه الكينونة المستقلة، الامر الذي يظل مستمرا مادامت الأحادية المفهوميه والواقعية الحياتيه غالبة، والمضمر المجتمعي غائب، فيحتفي ابان ذلك، ولا يرد على الخاطر مفهوم من نوع الكيانيه التي كمالها في تفاعليتها الاشمل، وصولا الى الأكثر شمولامنها، كما حال الكيانيه الرافدينيه، ومايترتب عليها، وعلى نوع حضورها ممايسمى بالحضاري، المميز والاقتتاحي، حتى مع جزئيته، ونزعه واثصائه للمنجز الأهم الكوني الابراهيمي، الرؤية الكونيه التحولية الأولى، بانتظار الرؤية النهائية الاكمالية، ومايترتب على، ويلازم الدورة الراهنه الثالثة من التاريخ الازدواجي الرافديني العراقي الحديث، حيث ينتهي المسار التشكلي الى مايقرب من الافنائية الثانيه.
ووقتها أي اليوم، يلوح في الأفق ملمح الزمن المجتمعي الثاني، وفي حين تكون اوربا ابتداء ومع ثورتها الصناعية قد ذهبت الى الإيحاء بمايغري بالديمومه المجتمعية، وبتوفر المخارج غير البيئيىة اليدوية الاولى، فانها تحضر على الصعيد الكوكبي، حضورا مناقضا لماتوحي به، باسم " التقدم"، و "الحضارة" على مستوى الكوكب، مكرسة دون وعي منها، قانونا يتعداها ويخرج بها وبنموذجها من التداول، الامر الذي تدل عليه ابتداء حالة انتقال المركزية الغربية الى مجتمع مفقس خارج رحم التاريخ، يولد فوق القارة المكتشفة حديثا، قبل ان يتمكن العقل البشري من مقاربة ماهو كامن في الصيرورة التاريخيه البنيوية الكيانيه الرافدينيه، من قانون تحولي ومن بدء تبلور الفصل الأخير من قانون الانتهاء المجتمعي.
اليوم تذهب المجتمعات البشرية الى النهاية، ولايعود هنالك مايسمح لها بالذهاب ابعد مما بلغته الى اليوم على مستوىى التشكل والاليات المتجهه اطرادا، الى التوقف، لابل التي توقفت بعد تباطؤ ابتدا ابان القرن العشرين، وكانت من مظاهرة اقتراب اوربا من الانهيار الشامل، لولا حضور الولايات المتحدة الامريكية، ودخولها المعادلة الصراعية، الامر الذي ينتهي اليوم وبعد انتهاء الانشطارية الاوربية المصنعية بغياب روسيا عن مسرح القطبية، ووصول الولايات المتحدة لحظة المواجهة الفاصلة مع الذاتيه، وتعذرها القاتل المتوقع له منذ عام 2008 التفاقم المستمر، وتردي اشكال الممارسات المستعارة على مستوى النظام المنقول من اوربا وطورها المصنعي، باسم الليبرالية.
المجتمعات انتهت كظاهرة وتوقفت، والكيانيه التحولية اليوم على وشك الإفصاح عن ذاتيها، التي هي ذاتيه العالم والمجتمعات المتحولة، بمايعني، ان العالم من هنا فصاعدا صار بانتظار الرؤية الابراهيميه الثانيه، الرافدينيه، الرؤية الابراهيمية العلّية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذاالمفهوم يستوجب توقفا خاصا لاهميته غير العادية على المستويين التاريخي والمفهومي، مع راهنيته غير العادية، وهم ماسنخصص له مقالا بعنوان "العراق خيار الله على الأرض؟!!!!".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. أزمة كورونا تحد من زوار مهرجان أزهار الكرز بواشنطن


.. مؤتمر صحفي لوزير خارجية العراق وأمين عام الجامعة العربية


.. أديس أبابا ترجح استئناف المفاوضات نهاية الأسبوع المقبل




.. واشنطن وطهران.. أبرز العقوبات


.. قمة مصرية تونسية في القاهرة اليوم