الحوار المتمدن - موبايل


الهوية الدينية الليبية وتهديد الجالية السعودية.. للمركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية

فتحي سالم أبوزخار

2021 / 1 / 10
مواضيع وابحاث سياسية


هوية الإنسان الليبي تشكلها الجغرافيا التي يتمرغ عليها ويعيش ضمن محيطها وتنسجها أيضاً خيوط تاريخ الأرض التي يسكنها ويعمرها. من ضمن خيوط التاريخ الهوية الدينية التي تغرس تأثيراتها في العادات والتقاليد المرتبطة بالمأكل والمشرب والملبس والمناسبات الاجتماعية والأمثال الشعبية. فـ "تانيت" آلهة الخصوبة تزين أقدام العرائس الليبية بالحناء وقرون كبش آمون يتباها بها أهالينا على زوايا جدران بيوتنا القديمة وانتقلت هذه القرون لتزين وتبارك مقدمة سيارات الدفع الرباعي الصحراوية، مع استمرارية تعلق جداتنا برسم علامة الصليب على العجين وهن الموحدات بالله عز وجل. مع استمرارية جميع تلك الطقوس إلا أنه لم تؤثر في أيماننا كشعب ليبي موحد بالله وطغى توحيدنا لرب العزة كأساس لهويتنا الدينية وأستمر تبركنا بقراءة القرآن وختمه.

الهوية الدينية الليبية متنوعة دينياً وأيضاً مذهبياً منذ نشأت ليبيا القديمة (شمال أفريقيا) واستمرت في تشكل ورسم وجه ليبيا الجديدة. إلا أنه سعى عدد من المواليين لإيطاليا الفاشية باستمرارية بعض العائلات الليبية ممارسة سياسة مسح ملامح الهوية بعد ميلاد ليبيا الجديدة، وخاصة من تجنسوا في تلك الفترة بالجنسية السعودية. تلك الشخصيات الليبية ناصبت العداء للدولة العثمانية وتعلقت بأستار المملكة السعودية الناشئة ومع أن تلك الشخصيات كانت جزء من حكومة المملكة إلا أنها لم تبلغ الملك بالمؤامرة الانقلابية التي تحاك ضده بل باركت انقلاب الدكتاتور معمر القذافي. فدعمت سياسة طرد يهود ليبيا بحجج واهية وتنسيق غير مفهوم وواضح بين بعض العملاء في الحكومة المباركة لانقلاب سبتمبر الأسود في 1969. كما وأن العداء الذي أظهره القذافي للمسيحية واليهودية في تصرفاته غير المفهومة، فحول الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بميدان الجزائر إلى مسجد بعدما كانت مسجدا أصلا حسب بعض الروايات وأعتبره نصراً للإسلام! وحاول مسح معالم اليهودية بقرى بمدينة يفرن بعد اعتماد مخطط عمراني للمدينة يمسح تقريبا جميع المعالم التاريخية بما فيها اليهودية بيفرن وقرية الكاتب أحدى تلك القرى التي بها كنيس يرجح بأن يكون أول كنيس لليهود بشمال أفريقيا. ومذهبياً تم محاربة المذهب الإباضي بمصادرة ومنع تداول كتبه، وسجن شيوخه على سبيل المثال الشيخ علي يحي معمر ود.عمر النامي.

ما يثير الشك والجدل كيف للقذافي الذي أثيرت تكراراً ومراراً علاقته باليهودية وبدولة إسرائيل أن يحارب المعالم اليهودية والمسيحية في ليبيا؟ وهو الذي يُذكره كاردينال مدينة ميلانو الإيطالية في عام 1972م من خلال رسالة باللغة الايطالية ترجمها للعربية السفير خليفة عبد المجيد المنتصر " بالدماء اليهودية والمسيحية التي تجري في عروقه" يرى الكاتب بأن الدكتاتور معمر ربما كان يسير في سياق توجه بعض الصهاينة الذين لا يريدون أن تخرج اليهودية عن الأرض التي بني عليها مشروع إسرائيل ويكفي أن متقلب المزاج وبشوفينيته ونرجسيته قد يخلط الأوراق بشكل غير قابل للتفسير. وربما أقنع بعض من داعميه في 2011 م بالوقوف مع انتفاضة الشعب الليبي!


تسللت سياسة السعودية المحتشمة إلى ليبيا مع بداية ميلادها الحديث ولكن بعد عهد القذافي اقتحمت عقول البسطاء بعد إعلان القذافي الحرب والإغلاق التام على الدين الإسلامي وسجن كل من اشتم فيه رائحة التوجه الديني الإسلامي: تبليغ ، صوفية، إباضية، إخوان، تحرير، وسلفية الشيخ محمد البشتي رحمه الله وغيرهم ثم بدأ التنفيس عنهم-أي أصحاب التوجه الإسلامي، من خلال دغدغة المشاعر الدينية وترويجها لتعطيل العقل بالتوجه السلفي السعودي الذي ينسجم مع عامة الناس البسطاء من المسلمين حيث لا إجهاد للعقل ولا تعب في التفكير يقابله تشدد مفرط وجمود على نصوص الحديث وأتباع أعمى لفتاوى المذهب الحنبلي، ورضوخ تام للحاكم المستبد وقد كان من اتباع السلفية الساعدي أبن القذافي الذي سعى بإدعاء السلفية تثبيت أركان حكم والده واستقطاب السلفين البسطاء في ليبيا وتوظيفهم من بعد في الحرب ضد أحرار فبراير، ومن هنا بدأ تشكل الجالية السعودية في ليبيا.

ترى المملكة السعودية في المذهب السلفي أنه الحافظ لهيبتها والمُشرعن لها بالسيطرة على خزنة جباية ضرائب أداء الحج والعمرة وجمع أموال المسلمين القاصدين التقرب لله بالحج والعمرة. وتعمل السعودية بحماية نفسها من خلال سياسة يرى الكاتب تعتمد على ثلاثة ركائز رئيسة:
أولآً: توفير الأموال:
• الترويج بشكل دعاية وعلاقات عامة للحج والعمرة بحيث أصبحت وكالات الحج والعمرة تنافس وكالات السفر والسياحة بل جعلت الكثير منهم يخصصون جانب من نشاطهم للحج والعمرة بل بتنا نسمع عن حجوزات "خمسة نجوم" للحج والعمرة!!!! وهذا التمويل يوظف لجانبين:

o الصرف على تثبيث أركان الحكم بقوة المال الذي تشتري به السلاح والرجال.
o الإغداف على دول مجلس الأمن الخمسة فلقد رأينا كيف دفعت فواتير الفاغنر خدمة لروسيا وكيف دفعت لترامب حوالي 400 مليار بعد زيارته لها والرقص بالسيف مع أمرائها.

ثانياً: تجنيد أنصار المذهب السلفي:
كما أسلفنا بالإضافة إلى الأموال من الحج والعمرة تعتمد المملكة السعودية على بناء حزام واقي لها بالداخل من خلال التنظيم المذهبي المدخلي والذي يعتمد، بالإضافة إلى تجميد العقل، تجريم وتحريم الخروج على ولي الأمر والقبول بظلم الحاكم ودكتاتوريته واستبداده. فاتباع المذهب المدخلي السلفي بالداخل حزام أمان لحكم آل سعود بالداخل وهو في الخارج أيضاً مصدر معلومات وسيطرة على سياسات دول تخشى أن تقام بها ديموقراطية وحرية وحكم رشيد، وربما يكونوا أيضاً بمثابة جيش احتياط يمكن استدعائه لو لزم الأمر وهددت اركان الحكم في السعودية وباتت المملكة مهددة بثورة شعبية؟!

ثالثاً: محاربة الديمقراطية ودعم الدكتاتوريات:
من الواضح أن سياسة السعودية توافقت وتناغمت مع دولة إسرائيل في رفض أي ديمقراطية بالشرق الأوسط ، ووصل الأمر إلى شمال أفريقيا، وباتت رعاية الاستبداد أهم مرتكزات التوافق بينهما. ونرى بأن السعودية تلعب الدور الذي لا تريد إسرائيل أن تعلن عنه، وهي الدولة الديمقراطية، وهو العداء ضد الديمقراطية فتمارسه السعودية نيابة عنها بكل فخر هذا الدور المشين كما رأينا في تدمير اليمن ومساعدة مجرم الحرب الداعشي حفتر في ليبيا ومساعدة تثبيت الدكتاتوريات في دول أخرى مثل سوريا والبحرين.

ماذا بعد الفشل في دعم حفتر وتمويل فاغنر ووو؟
السعودية اليوم فشلت فشلاً ذريعاً في مشروعها الاستبدادي في ليبيا وإن كان شكلياً مازال قائما هذا المشروع بتعويق الاستقرار ونقص الخدمات وزعزعة الأمن في ليبيا. هناك زيارات غير مطمئنة للسعودية من قبل بعض المسؤولين في ليبيا وهذا يثير مخاوف بل استمرارية أحد من قد يحسب من أنصارها، حسب رأي الشارع الطرابلسي، وهو على رأس هيئة الأوقاف السيد/ العباني السلفي المدخلي المرفوض من شريحة واسعة من شيوخ وعلماء ليبيا وقد حضر الكاتب بعض اللقاءات لشيوخ وأعيان ليبيا التي توجت بطلب للحكومة بعزل العباني من منصبه دون أي استجابة! ويظل السبب في بطن الحكومة.
مسح المعالم الدينية مارسته المملكة السعودية وقد كان للكاتب فرصة لزيارة المدينة المنورة ضمن شعائر العمرة بعد المشاركة بمؤتمرين علميين بالرياض الأول في 24-26/سبتمبر / 2001 م والثاني 12-15(يناير) 2008 م.
لاحظ الكاتب في الزيارة الثانية طغيان المباني والعمارات الشاهقة التي مسحت مساحة واسعة من المدينة القديمة للمدينة المنورة التي شعر بها زيارته الأولى للمدينة، ولم يجد هذا الشعور بمكة، وهو يتمشى بأزقتها الضيقة بأن حذاؤه يلامس الأرض التي كانت تلامسها أقدام سيدنا المصطفى صل الله عليه وسلم وصحابته بل كانت القشعريرة تحاصرنا وترافقنا ربما بأرواح أجسادهم وكأنها حاضرة وغابت تلك التجليات بعدما استبدلت بعمارات شاهقة وطرق معبدة على طريقة بناء المدن الأمريكية الحديثة!!!!

استهداف التاريخ الديني لليبيا:
تهيئة الأرضية للمذهب السلفي المدخلي التكفيري يحتاج تغييب الذاكرة الدينية في ليبيا وذلك من خلال مسح المساجد العتيقة من على وجه الأرض الليبية والعبث بإدارة الأوقاف وربما هذا السبب وراء الإنذار الأخير للسيد د. محمد الجراري مدير مركز المخطوطات والوثائق التاريخية من الأوقاف بمغادرة مقر المركز والتعجيل بترك المكان بعد توجيه خطاب بتاريخ 4 يناير 2021 بالخضوع لحكم صادر عن محكمة الاستئناف بطرابلس بشأن تبعية الأرض المقام عليها المركز للأوقاف.
بالطبع لو سألنا السيد/ محمد العباني هل من الدين والمنطق أن تضيع في مهب الريح 27 مليون وثيقة، على حد تعبير صحيفة المرصد الليبية!!!، لأجل استرجاع قطة أرض والأوقاف تملك آلاف المباني ، دون الحديث عن المساجد التي سويت بها الأرض ولم تحرك ساكن،؟ أليس هذا استهداف لتاريخنا الديني؟ لكانت الإجابة الدين لا يؤخذ بالعقل!!!

تحول التهمة من السعودية إلى تركيا!!!
في خبر بصحيفة المرصد الليبية، المؤيدة لغزو طرابلس ، تذكر الصحيفة من يومين تحت عنوان.. خزنة ليبيا في مهب الريح .. 27 مليون وثيقة ليبية تاريخية في طريقها للوقوع بيد تركيا.. تذكر الصحيفة بأن وكالة التعاون والتنسيق التركية الإنسانية (تيكا) -التي تصفها المرصد بأنها "ذراع المخابرات التركية لتحقيق حلم أردوغان العثماني" - هي سبب " وقوف ظل تركي أمام تحريك الدعوى في العام 2012 ومتابعتها عبر شخصيات من التيار الإسلامي الموالية لأنقرة ومنه شخصيات متنفذه في هيئة الأوقاف وكاتبها التي يتزعمها محمد العباني"
ما ذُكر غير مقنع للكاتب وذلك للأسباب التالية:
• أولاً يوجد تناقض فكري بين المذهب العقلاني لتركيا (أبو حنيفة) والسلفي المدخلي السعودي الرافض للعقل .
• ثانياً إذا كان السيد محمد العباني سلفي مدخلي فمن باب أولى أن يرعى مصالح السعودية في ليبيا ولن يعقل أن يتحول بقدرة قادر إلى مناصر لتركيا.
• ثالثاً: ذكرت صحيفة المركز إعلان تيكا "في أكتوبر 2019 عن رعايتها لزيارة وفد من المهندسين الاتراك لإجراء "دراسة لترميم الآثار العثمانية" والاتفاق مع مصلحة الآثار على تدريب كوادر ليبيا في هذا الشأن" وهذا لا يتوافق مع، بل يتناقض مع ، ما يُذكر بأن تركيا تسعى لوضع يدها على أرشيف المركز.
• تاريخياً السعودية تحالفت ضد الدول العثمانية وحاربتها وساهمت في تهديم أركانها فهل يعقل ما يكتب بصحيفة المرصد بأن "تيكا" وحسب زعمهم بأنها "ذراع المخابرات التركية لتحقيق حلم أردوغان العثماني" أكرر العثماني أيعقل هذا؟!
الخاتمة:
الواضح أن هناك وعي بحجم المشكلة التي قد تتعرض لها الوثائق التاريخية وقد أمر النائب العام بوضع حراسة على المركز بحيث يتحفظ عليه إلى البث في الموضوع، كما وأن مجموعة من أحرار ليبيا تواصلوا مع استيفاني ومندوبنا في اليونسكو د.حافظ الولة لحماية المركز وكذلك مع معالي وزير التعليم المفوض د. محمد العماري والشارع الطرابلسي يتظاهر اليوم 9 يناير ضد هذه الجريمة حفظا لتاريخ ليبيا.. عاشت ليبيا حرة .. تدر ليبيا تادرفت








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ...جولة إيمانويل ماكرون الخليجية .. لعبة توازن سياسية - ا


.. ما هي أبرز محطات العلاقات الإماراتية الفرنسية؟


.. ماكرون يبدأ زيارة للإمارات ضمن جولته الخليجية




.. جورج قرداحي يؤكد أنه سيعلن استقالته من الحكومة اللبنانية الي


.. متحور كورونا الجديد أوميكرون يواصل زحفه ويخترق بلدان عدة