الحوار المتمدن - موبايل


لا تنظر للقمر

سعود سالم
كاتب وفنان تشكيلي

(Saoud Salem)

2021 / 1 / 12
الادب والفن


إذا كان الكلام له دلالة، فلا شك أن للكتابة دلالة، فالكتابة جزء من كوكب اللغة، واللغة هي عالم الدلالة. ولكن الشعر لا ينتمي للغة، لأنه يرفض الدلالة، ولايسمع، ولا يهتم سوى برنين الحروف، وصدى الأصوات وتردد الكلمات، وظلال الأشياء، وبريق الظلال، وسحر الإيحاء. والكل للشعر ضحية.
فالشاعر هو الإنسان الذي يرفض إستعمال اللغة، بمعنى اللغة في وظيفتها البدائية المتعلقة بالتواصل ونقل الدلالة من إنسان إلى آخر، بل يستعمل اللغة كمساحة جغرافية للخلق وإبداع المستحيل، كأرض أو كإقليم تدور فيه معركة الحياة. إنه يسكن اللغة ويتنفس اللغة وفي شرايينه تجري الحروف والكلمات ولا يستطيع أن يقاوم السيل العارم الذي يتقاذفه من محطة لأخرى. كله لغة، جسدا وعقلا، لحما ودما، قلبا ولسانا وفكرا وخيالا. وكل تفاصيل حياته ما هي إلا مادة لغوية، أدنى حادثة مرت به منذ بداية الحياة تتخذ أهمية في السرد العام للأسطورة التي يشيدها طابقا بعد طابق، وفصلا بعد فصل وينسج تفاصيلها خيطا بعد خيط. فالشاعر هو من يخلق حياته وتفاصيلها وتضاريسها بالكلمات، ويشيد قصورا من المعاني والعلاقات، بواسطة اللغة، حيث الكلمات هي أحجار البناء، وحيث الخيال هو الخارطة الوحيدة المفتوحة أمامه على طاولة عمله.
فمن يريد أن يستيقظ، ويرى الشمس وبريق النهار وصفاء الفكرة وضوء العقل، ويرى العالم يتحرك ويحيا حقيقة من خلال العالم ومن خلال تجربة من يعيش ويعي هذا العالم، من يريد رؤية الأشياء كما هي، وليس كنص أو كسرد لغوي أو فني، عليه أن ينظر إلى روعة العالم المضاء بالقمر ولا ينظر للقمر.

لا نشير للقمر لأنه جميل
القمر جميل لأننا نشير إليه.
وألا ننسى بأن السبابة التي تشير إلى القمر هي أكثر جمالا من القمر.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. اللغة والتفكير - واقعنا بين الأسئلة والأجوبة


.. المسنة التي تدعي أنها الأم الحقيقية للفنانتين صفاء وهناء تقل


.. أدب الطفل: ما جدوى الكتابة إن غابت ثقافة القراءة؟




.. كيف عمل نظام أسد على تهميش شعراء سوريا على مدى أكثر من 50 عا


.. فيلم Soul لا ينصح به للأطفال.. في برنامج بلال خانة