الحوار المتمدن - موبايل


ما حقيقة العلمانية والدولة العلمانية؟

عادل عبد الزهرة شبيب

2021 / 1 / 14
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم


تعد العَلمانية من اكثر الموضوعات المثيرة للجدل في العالم العربي وتحيط بها دائما الأوهام والأساطير والأكاذيب. ويمكن القول ان هناك مفهومان حولها هما : العلمانية ( بكسر العين ) و العَلمانية ( بفتح العين ) . فالعلمانية ( بكسر العين ) من علم وتعني اتخاذ المعرفة العلمية الآتية من العلوم الطبيعية ( الرياضيات , الفيزياء , الكيمياء , البيولوجيا ... الخ ) مقياسا لتفسير كامل امور الحياة والكون والتاريخ وما قبل وما بعد الحياة , اي انها لا تقبل بأي تفسير غيبي لأي فكرة او موضوع بل تصر على التفسير العلمي . كما انها تتبنى الفصل بين السلطة الزمنية والسلطة الدينية الذي يجب ان يتأسس على فصل تام بين الدين والسياسة من حيث اختلاف طبيعة المعرفة الدينية عن طبيعة المعرفة العملية التي تحدد العلاقات المدنية فيما بين البشر .
اما العَلمانية ( بفتح العين ) فهي مشتقة من ( عالَم )( بفتح اللام ) اي تختص بشكل اساسي بالعالم والوجود البشري فيه ولا علاقة لها بالغيبيات والماورائيات المطروحة دينيا .
تعود العلمانية في جذورها الى الفلسفة اليونانية القديمة لفلاسفة يونانيين أمثال ( ابيقور ) , غير انها خرجت بمفهومها الحديث خلال عصر التنوير الأوربي على يد عدد من المفكرين امثال ( توماس جيفرسون ) و ( فولتير ) وغيرهما . والعلمانية نتاج تطور المجتمعات منذ القرن الخامس عشر , واول من استخدم هذا المصطلح المفكر الانجليزي ( جورج هوليوك ) عام 1851 وكان يقصد به الفصل بين السلطتين الزمنية والروحية واستقلال الملك عن الكنيسة . كما يرى الفيلسوف الإنجليزي ( جون لوك ) بأن العلمانية هي الفصل بين الحكومة والدين والفصل بين السلطات . وكان يرى ان وظيفة الدولة هي رعاية مصالح المواطنين الدنيوية , اما الدين فيسعى الى خلاص النفوس في الآخرة واراد بذلك ان ينقذ الدين من تلاعب السلطة به واستخدامه لأغراضها , ورأى ان انحياز الدولة لدين معين يشجع على النفاق والتدين الشكلي , فضلا عن انه يهدد وحدة الدولة والتعايش السلمي بين المواطنين . ويرى آخرون ان الدولة ينبغي الا ترتبط بأي معتقد ديني معين بشكل رسمي وانما يجب ان تكون الدولة على الحياد في علاقاتها بكل المكونات دينية او غيرها .
فالعلمانية اذن هي الفصل بين مؤسسات الدولة والمؤسسات الدينية بحيث الا تفرض المؤسسة الدينية قوانينها على الدولة باسم الدين , ولكن مع ذلك على الجميع ممارسة حقوقهم الدينية وبشكل كامل ولكن بعيدا عن مؤسسات الدولة . والعلمانية هي منظومة متكاملة تطورت بفعل الثورة البرجوازية في فرنسا من خلال الشعارات التي رفعت آنذاك والمتمثلة بـ ( الحرية , المساواة , الأخوة ) , ولا تعني العلمانية كما يصورها البعض استبعاد الدين عن الحياة العامة , ولا تعني تقييد الحريات الدينية بل تعني حياد الدولة ومؤسساتها تجاه الأديان والعقائد المختلفة حتى تضمن المساواة الكاملة بين مواطنيها بصرف النظر عن اعتقاداتهم, وقد تطورت مفاهيم جديدة وحقوق عديدة لتصبح منظومة متكاملة وشاملة تدخل في صلب العلمانية الا وهي المواطنة , الحرية , , حقوق الانسان , العقلانية , المساواة , حكم القانون , التنوير , الديمقراطية , دولة المؤسسات . ويمكن ان نعرف الدولة العلمانية بأنها تلك الدولة التي تقوم بالفصل بين مختلف السلطات وتخضع كل المؤسسات السياسية والمالية والعلمية والدينية للقانون المدني على ان تضمن على وجه الخصوص المساواة الكلية بين كل الأديان وغيرها .
العلمانية هي نتاج الابداع الانساني الذي توصلت اليه البشرية , ولغرض وضع حد للصراعات الدينية والحروب الدينية ابتدع الفكر البشري العلمانية كمخرج من دوامة الصراعات الدينية ودعت الى فصل الدين عن الدولة السياسية. ولكن لماذا يقف رجال الدين جميعا على مختلف اتجاهاتهم المرجعية ضد العلمانية ؟ ولماذا يكيلون لها مختلف النعوت ويجعلونها مرادفا للألحاد والانحلال الخلقي والفسق ؟ ولماذا يعتبرون العلمانية ضد الدين بل كفرا يجب محاربته ؟ هل لأن العلمانية تهدد الأديان وبالأخص الدين الاسلامي كما يزعمون ؟ أم لأن العلمانية هي نتاج غربي ؟ وهل يمكن تطبيق العلمانية في الغرب ولا يمكن تطبيقها في الشرق ؟ وهل العلمانية ستفسد المجتمع ام ستصلحه ؟ هناك حرب غير عادلة على العلمانية يقوم بها من تتضرر مصالحه بتطبيقها .
اما فيما يتعلق بالسمات الأساسية للعلمانية فقد حددها الاستاذ مجدي خليل في كتاباته بخمسة عشر مبدأ وهي كما يأتي :
1) الفصل بين السياسي والديني وبين الروحي والزمني وبين العام والخاص .
2) حرية التدين .
3) التسامح الديني وحرية التنقل بين الأديان .
4) حرية النقد الديني .
5) إعمال حرية العقل أي لا سيطرة على العقل الا العقل ذاته كما يقول الفيلسوف ( كانت ).
6) نسبية المعرفة اي لا حقيقة مطلقة .
7) حياد الدولة تجاه كل الأديان .
8) التشريع البشري .
9) الحكم البشري .
10) عدم وجود سلطة للزعماء الدينيين على القرار السياسي للدولة .
11) لا تتخذ الدولة دينا معينا ولا تفرضه على الآخرين .
12) ليس من اختصاص الدولة ان تدخل الناس الجنة بل تحمي الفرد وتحقق له الرفاهية .
13) حماية حقوق الأقليات الدينية من طغيان الأغلبية الدينية.
14) الدين علاقة خاصة بين الأنسان وربه .
15) العلمانية ضد الدولة الدينية وليس ضد الدين .
اذن في العلمانية لا تمارس الدولة اي سلطة دينية كما ان المراجع الدينية لا تمارس اي سلطة سياسية بمعنى الفصل بين الزمني والروحي بين الدولة والدين , كما ان الدولة العلمانية ليست دولة لا دينية بل هي دولة لا طائفية , فالدولة العلمانية الديمقراطية لا تنكر الدين بل هي الدولة التي لا تميز دينا على دين آخر ولا تقدم ابناء طائفة معينة على ابناء طائفة اخرى , ولا تخص بعض وظائف الدولة بأبناء طبقة بعينها دون سائر الوظائف .
لقد تمت محاربة العلمانية والدولة العلمانية من قبل البعض , فلغرض مواجهة توسع وانتشار الماركسية والأحزاب الشيوعية تمت استثارة غرائز الفئات الشعبية من خلال الاساءة الى الماركسية والشيوعية وربطها بالإلحاد . وتأسيسا على ذلك صدرت الفتاوى ونشرت الكتب التي تتهم الماركسية , وجرى استخدام الجوامع للتحريض انطلاقا من ذلك , والخطاب المعمم هنا يقوم على ان (( الشيوعية تساوي الالحاد )) وان ماركس يقول (( الدين افيون الشعوب )) هذه الأسطوانة المشروخة التي تكررت آلاف المرات دون ان تجري العودة الى نص ماركس ذاته حيث جرى اقتطاع هذه العبارة من النص الكامل لماركس مما اثر على تغير معناها كمن يقول ( لا تقربوا الصلاة ) دون ان تكمل العبارة كاملة وهي ( لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى ) حيث المعنى مختلف بين العبارتين, وهذا ما جرى لنص ماركس والذي تم اقتطاع عبارة الدين افيون الشعوب منه حيث اقتبست هذه العبارة من مقدمة ماركس لمؤلف مساهمة في نقد فلسفة الحق عند هيغل الذي بدأ بكتابته عام 1843 ولكنه لم ينشر الا بعد وفاته . وترجمة نص الاقتباس الكامل كالتالي :(( الدين زفرة الانسان المسحوق روح عالم لا قلب له كما انه روح الظروف الاجتماعية التي طرد منها الروح , انه افيون الشعب )), ولم تلاقي هذه الفقرة الكاملة اهتماما كبيرا وغالبا لا تقتبس الا جزئيا .. ان التعاسة الدينية هي في شطر منها تعبير عن التعاسة الواقعية , الدين زفرة الانسان المسحوق , روح عالم لا قلب له كما انه روح الظروف الاجتماعية التي طرد منها الروح انه افيون الشعب . حيث اعتقد ماركس ان للدين بعض الوظائف العملية في المجتمع تشبه وظيفة الأفيون بالنسبة للمريض او المصاب حيث انه يقلل من معاناة الناس المباشرة ويزودهم بأوهام طيبة ولكنه ايضا يقلل من طاقتهم واستعدادهم لمواجهة الحياة الجائرة عديمة القلب والروح التي اجبرتهم الرأسمالية ان يعيشوها .
وفيما يتعلق بموقف الحزب الشيوعي العراقي من العلمانية والدولة العلمانية فإنه اكد في برنامجه على تصفية مظاهر التمييز والنزعات الشوفينية والتعصب القومي والديني والمذهبي التي افرزها النظام الدكتاتوري وحروبه وفاقمتها سياسة الاحتلال وقوى الارهاب والسياسات الخاطئة التي انتهجتها القوى المتنفذة في اعادة بناء مؤسسات الدولة والعمل على توطيد واستكمال البناء الديمقراطي وترسيخه بما يضمن اقامة دولة القانون والمؤسسات الدستورية والفصل بين السلطات وتفعيل مبدأ المواطنة ومساواة المواطنين امام القانون .
ويهدف الحزب الشيوعي العراقي الى اقامة الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية , دولة المواطنة والمؤسسات والقانون حيث يعمل الحزب على اقامة نظام ديمقراطي اتحادي اساسه التعددية الفكرية والسياسية والفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة واحترام حقوق الانسان وضمان الحريات الشخصية والعامة واعتماد مبدأ تكافؤ الفرص وتأمين العدالة الاجتماعية وبناء دولة القانون والمؤسسات الدولة الديمقراطية العصرية , وهذا ما تحققه الدولة العلمانية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إستمرار الإحتجاجات بمنطقة كورنيش المزرعة في #لبنان


.. مدينة بريطانية تزود كاميراتها بذكاء اصطناعي يرصد مخالفة رمي


.. الكاظمي: مستعدون لدور الوسيط لتهدئة التوترات بالمنطقة




.. كيف اختفت الطائرات العراقية في أجواء إيران قبل 30 عاما


.. الربيع أيقظها من السبات!