الحوار المتمدن - موبايل


لماذا لا يمكن الاعتماد على الديمقراطيين في مواجهة التطرف اليميني؟

كورديليا حسين

2021 / 1 / 15
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم


ترجمة كورديليا حسين

يمثل اقتحام مبنى الكونجرس الأمريكي من قِبَلِ حشود اليمين المتطرف المؤيدة لترامب نتيجةً متوقَّعة لحالة الاستقطاب السياسي التي تتطوَّر منذ عقود. وسواء أكان من المفترض أن تمثِّل تلك الخطوة انقلابًا أم لا فقد كانت خطوةً مثيرة للشفقة؛ حيث إن بضعة الآلاف التي تجمهرت خارج مبنى الكونجرس الأمريكي لا تعد تهديدًا حقيقيًّا للحكومة الأمريكية. فالأمر سيتطلَّب حشودًا غفيرة في الكثير والكثير من المدن الأمريكية ليُحدث أثرًا يُذكَر، وعليه فإن تلك المجموعة لم تكن بأيِّ شكلٍ قادرةً على تولِّي مقاليد الحكم.

والأهم هو أن الطبقة الأمريكية الحاكمة لم تعد في صفِّ ترامب. الكثير من الشركات الأمريكية الكبرى قد تخلَّت عن مساندته خلال الصيف المنصرم نتيجة التحركات الجماهيرية الواسعة لحركة حياة السود مهمة بعد مقتل جورج فلويد. وقد تصاعدت تلك المعارضة بعد إصدار رابطة المصنِّعين الوطنية (NAM) بيانًا خلال الاحتجاجات تدعو فيه إلى تفعيل التعديل الدستوري الخامس والعشرين لإقالة ترامب من منصبه كرئيسٍ للولايات المتحدة. لكن تلك الرابطة الضخمة، التي تضمُّ تحت مظلتها معظم الشركات المصنِّعة الكبرى في الولايات المتحدة، لم تكن تريد أن يؤثر الثأر الشخصي لترامب على الأرباح التي تجنيها. ولذلك فإن أصحاب الشركات يريدون باين رئيسًا متوسِّمين فيه قدرته على إعادة الاستقرار إلى البلاد لأجل حماية أهداف الإمبراطورية الأمريكية.

يقف هذا أيضًا وراء الانقسامات العديدة في صفوف الحزب الجمهوري؛ بين أولئك المؤيدين لدعم ترشح ترامب للرئاسة في 2024، وأولئك الذين ينصبُّ اهتمامهم على المشروع الأكبر لحماية الرأسمالية.

لكن كلَّ ذلك كان انعكاسًا للقوة المتزايدة لليمين المتطرف في أمريكا وحول العالم. فعلى الرغم من طرد الحشود التي رفعت شعارات ترامب خارج مبنى الكونجرس الأمريكي في نهاية المطاف، يرى معظم اليمين المتطرف في ذلك الاقتحام انتصارًا واضحًا. حين تحدَّث زعيم حركة “الثلاثة بالمائة – III%ers”، كريس هيل، إلى صحيفة لوس أنجلوس تايمز، وصف تلك الخطوة بالطلقة الافتتاحية في مستهلِّ حربٍ أهلية، وأضاف:” اليوم ستبدأ الثورة الثانية”.

لقد وجدت هذه المجموعات في السنوات الأخيرة جمهورًا جديدًا لأفكارها البغيضة والخطيرة. إذ أدَّت الحرب والأزمة الاقتصادية والاضطرابات التي تعانيها النيوليبرالية إلى تعزيز قواعدهم. وتاريخيًا، كانت الجماعات الفاشية ما بعد الحرب العالمية الثانية صغيرةً ومعزولةً على هامش المجتمع، ثم اكتسبت جمهورًا صاغيًا فيما بعد خلال الأزمات. ولأن الرأسمالية الآن تتراوح من أزمةٍ لأخرى، يمثِّل ذلك لهم أرضيةً خصبة لتجنيد المزيد من الأتباع.

لم يبدأ الأمر بتولِّي ترامب السلطة ولن ينتهي برحيله، فذلك الغضب الذي عبَّرَ عنه الكثيرون من مؤيدي ترامب ما هو إلا عارضٌ لمشاكل وقضايا أوسع. فقد خلقت المظالم والتفاوتات الاقتصادية الواسعة يأسًا وكراهيةً استطاع اليمين المتطرف بمهارةٍ التقاطها لبناء قاعدة جماهيرية له. وجاءت جائحة كورونا لتسرِّع من هذه العملية بما تسبِّبه من بؤسٍ اقتصادي ولامساواة متفاقمة.

يُضاف إلى ذلك أن وباء العنصرية المستوطن في الولايات المتحدة يساعد اليمين المتطرف في بناء قواه. وقد رأينا المثال الأوضح على ذلك أثناء أعمال الشغب في مبنى الكونجرس الأمريكي حيث أعطتهم الشرطة الحرية لاقتحام المبنى -بل وشجَّعَتهم على ذلك. وقد علَّقت مؤسِّسة حركة حياة السود مهمة في تورونتو، ساندي هادسن، على ذلك خلال مداخلةٍ لها على تلفزيون CTV الكندي، قائلة: “إن القمع الشديد الذي يتعرَّض له المجتمع الأسود في أمريكا من قبل هيئات إنفاذ القانون لا يمكن أن يكون أوضح من الآن. وإنه أمرٌ لا يمكن تصديقه أن يتمكَّن أفرادٌ مسلَّحون من الاقتراب من مبنى الكونجرس الأمريكي (ناهيك عن اقتحامه)”.

كلُّ من شارك في أيِّ احتجاجٍ بالعاصمة الأمريكية يعرف جيدًا أن أفراد الشرطة هناك مُتمرِّسون في إنهاء الاحتجاجات والحفاظ على “النظام”. لذا فإن اقتحام مبنى الكونغرس لم يكن ليحدث دون قرارٍ واعٍ من قِبَلِ عناصر الأمن بترك المجال مفتوحًا أمام الحشود المؤيِّدة لترامب.

تداعيات
استأنف أعضاء الكونجرس من كلا الحزبين -الديمقراطي والجمهوري- جلستهم البرلمانية لفرز أصوات المجمَّع الانتخابي، بمجرد تأمين المبنى، مستهلِّين حديثهم بخطبٍ طويلة تشيد بنزاهة الحكومة الأمريكية واستقامة دستورها. إن احتياج هذه الهيئة البرجوازية إلى الحفاظ على شعورٍ بالديمومة والاستمرارية وسط الفوضى يعبِّر عن الخوف الذي ينتاب الكثير من النيوليبراليين من انتشار التطرف لدى كتلٍ من المواطنين. لم يتوحَّد الحزبان الأمريكيان سويًا هكذا مثلما حين اعتمدا ميزانية البنتاجون البالغة 750 مليار دولار منذ حوالي أسبوعين.

سيستخدم الحزبان هذا الحدث كوسيلةٍ لتأمين حكمهما. فقد استغلت وسائل الإعلام والعديد من أعضاء الكونجرس هذه الفرصة للتنديد بما يرونه وجهين لعملة واحدة -التطرف اليميني والتجذير اليساري. ويشير إصرارهم على وصف الحشود التي ترفع شعار “لنجعل أمريكا عظيمةً مجدَّدًا” بالأناركيين إلى أنهم سوف يبذلون قصارى جهدهم لتطويع هذه الأحداث من أجل المزيد من تقييد حرية المعارضة لكل من لا يدعم بقاء الوضع الراهن كما هو.

بايدن يتسلم الدفَّة
في خضم الفوضى التي وقعت لم يحز فوز الديمقراطيين على مقاعد الشيوخ في ولاية جورجيا، في ذلك اليوم نفسه، بالانتباه المستحق. يمنحهم هذا الفوز سيطرةً على مجلسيّ النواب والشيوخ بالإضافة إلى الرئاسة. وعليه فإن الآمال ستعلّق عليهم في مساعدة الملايين من الأمريكيين الذين يعانون من الفقر والأزمات الصحية وعمليات الإخلاء (1). وفي ظلِّ ذلك، لم يُظهِر بايدن دليلًا يجعلنا نتوقَّع أنه يخطط لتلبية أيٍّ من تلك التوقعات، فهو يختار للمناصب الوزارية الأشخاص البارزين في الشركات الأمريكية، ويقدِّم عطاءاتٍ لوول ستريت على حساب الطبقة العاملة، تمامًا كما اعتاد طوال حياته. وعليه فإن حركة الاستقطاب في المجتمع الأمريكي لن تتوقف، ولكنها ستضع المزيد من الناس أمام حقيقة أن ذلك النظام السياسي مصنوع من أجل التيار اليميني فقط.

يحتاج اليسار في تلك اللحظة الحرجة إلى طرح بديل واضح للحزبيين التقليديين إذا أراد حقًا إيقاف صعود اليمين المتطرف. ينطبق ذلك الأمر على الولايات المتحدة كما في أيِّ دولةٍ أخرى في العالم. وكما قالت عضوة مجلس سياتل، الاشتراكية كاشاما ساوانت: “نحتاج إلى بناء حركة جماهيرية واسعة من أجل مشروع الرعاية الطبية للجميع، ومن أجل اتفاقية بيئية جديدة، وسيطرة ديمقراطية حقيقية على جهاز الشرطة. ويجب على النقابات والاشتراكيين والعمال النضال من أجل تحقيق ذلك”.

لم يبدأ صعود اليمين المتطرف بتسلُّم ترامب مقاليد الحكم ولن ينتهي برحيله عن المنصب، ولن تقف آثار تلك الفترة عند أيِّ خطٍّ أحمر. ولن نستطيع التخلص من هؤلاء الناس ومن أفكارهم البغيضة إلا بالتخلص من النظام الذي ينتشرون بفضله.

هوامش:
(1) تشير بعض الإحصائيات الأمريكية إلى أنه سيتوجَّب على نحو 40 مليون مواطن أمريكي إخلاء مساكنهم خلال الأشهر القليلة القادمة نظرًا لتعذُّر دفع الأقساط الشهرية في خضم جائحة كورونا.

* المقال مترجم عن موقع الاشتراكيين الأمميين – كندا








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - الادانة للجميع
محمد البدري ( 2021 / 1 / 16 - 12:48 )
هذا المقال يعتبر تكملة لمقالك السابق عن فترة ترامب، وينتهي المقال بجملة:
ولن نستطيع التخلص من هؤلاء الناس ومن أفكارهم البغيضة إلا بالتخلص من النظام الذي ينتشرون بفضله.
كيف؟ وجميع القوي الاخري من الضعف والهزال لا ينكره احد

اخر الافلام

.. “زومريت داووت” تروى قصتها داخل معتقلات الإيغور وكيف قتل النظ


.. بيرو.. أمل ضحايا “التعقيم القسري” في التعويض


.. بايدن سيعمل مع الكورنغرس لتعديل قانون الحرب على الإرهاب | #ر




.. لماذا اقدمت المغرب على تجميد اتصالاتها مع ألمانيا؟


.. الدول الإفريقية من الدول الأقل حظا في استلام اللقاحات | #حوا