الحوار المتمدن - موبايل


عراق في مهب الريح

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

2021 / 1 / 17
مواضيع وابحاث سياسية


خلال النصف الأول من القرن الماضي وما قبله، كانت الحروب لا تنطفئ حتى تشتعل من جديد بين دول أوروبية تجمعها صلة الجوار المباشر مثل ألمانيا وفرنسا وانجلترا. ثم أصبح ذلك العنف المتبادل الممتدة لقرون طويلة شيئاً من الماضي بعد الحرب العالمية الثانية، ليتحول إلى تعاون وتنافس سلمي على كافة الأصعدة. هذا التنافس قد يحتد أحياناً لدرجة السخونة، لكنه في جميع الأحوال لا يصل إلى درجة الغليان والحرب كما جرت عادة هذه الدول في الماضي. لقد تخطت أوروبا الغربية مرحلة المراهقة الحضارية وتجني اليوم ثمار التمدن والحداثة وما بعدهما. كما في كل العلاقات الإنسانية، دائماً القرب المكاني والجغرافي يحمل في طياته من الايجابيات قدر ما يحمل من السلبيات، حتى داخل أفراد الأسرة الواحدة، من أب واحد ومن نفس الأم، وذلك لتداخل وتشابك المصالح- ولأنانية الإنسان. هذا طبيعي ومتوقع.

ما ليس طبيعياً ولا متوقعاً أن يستمر المرء، أو الدولة، يعيش في عصر ما بعد الحداثة بنفس منطق التفكير التقليدي المنقرض، متوهماً أنه بذلك يواكب العصر ويبني دولة حديثة. كعادة كل الدول حول العالم في الماضي التقليدي المنقرض، كانت العراق في الأمس القريب في حرب ضارية ضد جارتها إلى الشرق، إيران. قلبها، خضع العراق نفسه لقرون طويلة للاحتلال من جارته من الشمال، تركيا. وإلى الجنوب الغربي، احتل العرب العراق مطلع الخلافة الإسلامية، ليعاود العراق احتلال الجزيرة نفسها ومهد الرسالة إبان حكم الخلافة العباسية. هكذا كانت تجري الأمور بين كر وفر، سلام وحرب، تعاون وخصام. ومن كل ذلك، وكان لابد منه، تشكلت وحدة اللغة والدين والثقافة، وتشابك العلاقات الاجتماعية والاثنية وخلافه. كل ذلك كان يجري في عالم الأمس التقليدي، عبر العالم كافة وليس في العراق أو المنطقة العربية حصراً.

ثم هبط الأمريكيون من الفضاء، وأطاحوا بصدام ونظامه. وقتها راهنت على عنصر الوقت، على الأكثر عدة سنوات وربما عشرة من القلاقل والفوضى ثم تستتب الأمور ويهتدي العراق إلى الطريق الصحيح ويملك مصيره بيده وينطلق. مرت عشرة، ثم عشرة، والعراق أمام العشرة الثالثة والبصيص لا يلوح. حكومة تذهب، وأخرى تأتي، والتشكيلة الأساسية هي كما هي لا تتغير، معروفة. طوائف، وكلها لها حشد. منها حشود مسلحة، وأخرى تحتج في الميدان، ولكل حشد مرجعية ثابتة لا تتغير. الصدر يقتحم السياسة، يشكل جيشاً خاصاً، ينسحب من السياسة، يحل الجيش، يترك البلاد كلها، يعود ثانية ليشتغل بالسياسة، يشكل حشداً، بلا نهاية. الصدر مجرد تشبيه، العراق كله صدور، يشتغلون سياسة، ينسحبون ثم يعودون، بلا نهاية، لكنهم هم كما هم ثابتون لا يتغيرون. بركة سياسية مغلقة من جميع الجوانب، لا تدخلها أي مياه جديدة، أسنت مياهها وتعفنت. لا جديد في سياسة العراق، من أين يأتي الجديد والجميع متمرس بهذا الشكل. لا مرونة إطلاقاً، لا تجاوز للحدود، لا التقاء في أرض وسط، أو على حل وسط، لا مساومات ولا مفاوضات. كل ما هناك قسمة، وتراضي على القسمة، كل بقسمته.

كان لدينا في الماضي لبنان واحد نخبته السياسية متمترسة منذ أمد وراء خطوطها وتقسيماتها الطائفية. اليوم لبنان بلد مفلس، لا جديد لديه وعلى وشك الانهيار رغم كثرة سياسييه القدامى المخضرمين، لكنهم لا يتغيرون، مجرد يبدلون الكراسي فيما بينهم. وهل تتدفق سياسات جديدة، حلول خلاقة ومبتكرة لمشاكل مستجدة، من ذات العقول القديمة الشائخة؟! لا دماء جديدة تضخ في الجسد السياسي اللبناني، ومن ثم الوهن والشلل والإفلاس الحالي. للأسف، العراق لا يتعظ ويمضي في طريق شبيه بالطريق اللبناني.

لأسباب مختلفة، الضياع يهدد اليوم بلدين عربيين من ذوي الإرث الحضاري التليد والمجيد عبر آلاف السنين أمام أعين أبنائهما- العراق وسوريا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الجيش العراقي يطلق عملية للقضاء على بقايا تنظيم الدولة بمحاف


.. الحوثيون: نفذنا عملية كبيرة باتجاه السعودية باستخدام صـاروخ


.. لأول مرة في تاريخ البلاد المعاصر.. سفينة حربية روسية تصل بور




.. التعري وسيلة لجذب الزبائن!


.. احتدام الأزمة السياسية في أرمينيا وباشينيان يدعو أنصاره للخر