الحوار المتمدن - موبايل


الصهيونية وتحويل الدين لأيديولوجية قتل

محمد عمارة تقي الدين

2021 / 1 / 17
القضية الفلسطينية


"العربي الجيد هو العربي الميت" تلك قناعة تضرب بجذورها عميقاً في الوجدان الصهيوني وتنتشر بين سكانه بشكل كبير كمقولة تأسيسية، ومن ثم تنتقل للفعل والممارسة، ولعل أبرز تجلياتها على الواقع ما رأيناه ونراه منذ قيام الكيان الصهيوني وحتى الآن من ممارسات إجرامية وبشعة ولا إنسانية تجاه العرب والفلسطينيين.
وفي هذه المقالة ستجري المحاولة على تفكيك ظاهرة العنف الصهيوني والمتأسس على قراءة سياسية ومتشددة للدين اليهودي، فقد تمكن ذلك الفصيل عبر تلك القراءة السياسية والمتشددة للدين اليهودي من تحويله لأيديولوجية للعنف عبر استدعاء نصوص دينية تاريخية حربية وانتزاعها من واقعها وسياقها ومن ثم إسقاطها على الواقع المعاصر، وهو العنف الذي تمكنت من خلاله الحركة الصهيونية من تفريغ الأراضي الفلسطينية من أهلها تهجيرًا وقتلًا ومن ثم أقامت دولة الكيان الصهيوني، فالأيديولوجية الصهيونية هي إستراتيجية عنف بامتياز فهي قائمة على متتالية من خطوتين: الأولى: (الإزاحة) أي التخلص من أصحاب الأرض (الفلسطينيين) تهجيرًا وقتلًا، والثانية: (الإحلال) أي إحلال آخرين (الصهاينة) محل الفلسطينيين ومن ثم استيطان الأرض.
لقد تم الدفع بتلك الأيديولوجية إلى حدها الأقصى عبر إضفاء عدد من المسوغات الدينية عليها، ومن ثم تبدو في ذهن كثير من أتباعها وكأنها أمر إلهي يتحتم على الجميع الامتثال والإذعان التام له، فالحرب أصبحت حالة نهائية ولا بديل عنها في مخيلتهم إذ من خلالها وحدها ستتحقق الوعود التوراتية بأرض إسرائيل كاملة.
فالنمط الإدراكي المسيطر على الكيان الصهيوني نحو الآخر عمومًا ونحو العرب بشكل خاص، تأسيسًا على تلك القراءة المتشددة للدين، هو باعتبارها نفايات بشرية يجب التخلص منها، والحروب هي سُنَّة الله في خلقه وذلك وفقًا لقراءتهم للنصوص الدينية، فها هو أحد النصوص يقول: (لا سلام قال الرب للأشرار) وبالقطع فالعرب لديهم هم أكثر الأشرار شرًا، لقد تم ذلك عبر انتزاع النص الديني من سياقه التاريخي وإسقاطه على الواقع المعاصر، ومن ثم يردد المتشددون اليهود دائمًا المقولة السابقة أن:"العربي الجيد هو العربي الميت"باعتباره امتدادًا لأعداء اليهود التاريخيين ومن ثم فالاستجابة الشرطية الوحيدة لوجوده هي قتله!
فاليهودي المتطرف المعاصر يقرأ هذه النصوص على ضوء أيديولوجيته التي تكونت مسبقًا ومن ثم يسقطها على واقعه، فعلى سبيل المثال تتجه فتاوى التشدد اليهودي لشيطنة الفلسطينيين باعتبارهم أحفاد العماليق وهم الأعداء التاريخيون الذي دعت التوراة لإبادتهم مؤكدين أن لكل عصر عملاقه، وهي من شأنها الدفع نحو مزيد من القتل للعرب والمزيد من إحلال يهود مكانهم عبر إضفاء تبريرات دينية على تلك الممارسات الإجرامية.
حتى الوصايا العشر الواردة في سفر الخروج والتي يعتبرها كثيرون واحدة من أيقونات التسامح الديني والإنساني فقد حرفها المتشددون تأويلًا فجعلوها مقصورة عليهم فقط، فقد ورد بها:"لا تقتل، لا تسرق، لاتزن، لا تشهد شهادة زور، لا تشته بيت قريبك،لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تحلف باسم إلهك باطلًا، لا تشته امرأة قريبك، ولا عبده، ولا أمته، ولا ثوره، ولا شيئًا مما لقريبك، أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض".
إذ أصبحت تعني لدي اليمين الصهيوني المتطرف، وفقًا للتوظيف العنصري للنص،لا تقتل اليهودي غير أن دم غير اليهودي مباح،لا تسرق اليهودي غير أن مال غير اليهودي هو حل لك، لا تزن بامرأة يهودية غير أن عرض غير اليهودية ليس حرام عليك، وهكذا.
في مقابل تأويل نصوص التسامح الديني وليّ عنقها لتتخذ مسار العنف، في مقابل ذلك تم استدعاء نصوص دينية تصف واقع تاريخي مر وانقضى وانقضت معه كل معطياته وصراعاته لتصبح هذه النصوص داخل أيديولوجية العنف الصهيوني وكأنها أمر إلهي يخاطب الواقع الراهن،وكما تم التعامل مع الأعداء التاريخيين قتلًا وإبادة يتحتم التعامل بالمثل مع أعداء اليوم.
ففي العهد القديم كتاب اليهودية المقدس، استقطعت الصهيونية والتيارات اليهودية المتشددة تلك الفقرات وعزلتها عن سياقها: "هكذا يقول رب الجنود: الآن اذهب واضرب عماليق، وحرموا كل ما له ولا تعف عنهم بل اقتل رجلًا وامرأة، طفلا ورضيعًا، بقرًا وغنما، جملًا وحمارًا" ، "كل من وُجِد يُطعن، وكل من انحاش يسقط بالسيف،وتحطم أطفالهم أمام عيونهم، وتنهب بيوتهم وتفضح نساؤهم " ، "حين تقترب من ...اضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها، فتغنمها لنفسك " ، "فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال. وكل امرأة عَرَفت رجلًا بمضاجعة ذكر اقتلوها" .
لقد وظّفت الحركة الصهيونية هذه النصوص الدينية من أجل الخلاص من الفلسطينيين ليتحقق مشروعهم الاستعماري الاستيطاني وذلك عبر اقتطاعها من سياقها التاريخي ومن ثم إسقاطها على الواقع الراهن فيصبح الفرد الصهيوني وكأنه مأمور من قبل الله بإبادة الفلسطينيين.
وتعد منظمة كاخ الإرهابية واحدة من تجليات هذه الأفكار الدينية المتطرفة على الواقع الصهيوني، وهي المنظمة التي أسسها الحاخام المتطرف "مائير كاهانا" عام 1972م، وتؤمن بالعنف باعتباره الوسيلة الوحيدة لتحقيق أهدافها التي تتمركز حول ضرورة طرد العرب من أرضهم والتوسع في عمليات الاستيطان استعدادا لإقامة إسرائيل الكبرى.
وشعار الحركة يجمع بين التوراة والسيف، أي بالعنف المتأسس على قناعات دينية ستتحقق الآمال في إقامة دولة إسرائيل الكبرى، والتي تمتد لديهم من النيل إلى الفرات،وعلى هذا الأساس، وانطلاقًا من تلك الرؤية يرى كاهانا أن دولة إسرائيل ليست مجرد كيان سياسي، بل هي كيان ديني تحقق بمشيئة الرب، لذلك لا توجد قوة في هذا العالم- وكما يدعى – تستطيع تدميرها أو منعها من التوسع، فالتاريخ في رأيه يسير وفقًا لخطة مرسومة ومحددة سلفًا ستتحقق في نهايتها دولة إسرائيل الكبرى.
يؤكد كاهانا، في كتابه "شوكة في عيونكم"، أنه يتحتم الترحيل الفوري للعرب من أرض إسرائيل " لأنه ليس هناك إمكانية للتعايش السلمي بين الطرفين , فهم في نظره " قنبلة موقوتة " وسوف تنفجر في وجه اليهود في أية لحظة ، كذلك فهو يؤكد على أن طرد العرب هو عمل مقدس وواجب ديني، فيقول: " إن فكرة إبعاد العرب من إسرائيل ليست مجرد نظره شخصية، وبالطبع ليست نظرة سياسية، بل نظرة يهودية تعتمد على تعاليم دين التوراة.. إن طرد كل عربي هو واجب ديني" ، ومن دون شك فهي أفكار عنصرية موغلة في عنصريتها ولا تحتاج لشرح أو تعليق.
ومما يجدر ذكره هنا أن أحد أحفاد الحاخام مائير كاهانا وهو مئير إتنجر ، يعد واحدًا من غلاة المتطرفين في إسرائيل في الوقت الحالي،إذ يدعو للعنف ويشرعنه كوسيلة لتحقيق غايتين بحسب زعمه: الأولى وهي الخلاص من العرب والثانية وهي إسقاط الحكم الإسرائيلي الحالي الذي يرى أنه حكم علماني كافر، ومن ثم إقامة إسرائيل التوراتية على أنقاضه.
وقد تم القبض عليه إثر اتهامه في قضية إحراق عائلة الدوابشة الفلسطينية في عام 2016م، إذ مات أربعة أفراد من الأسرة حرقًا منهم طفل عمره عام ونصف، ويجسد إتنجر مجمل رؤيته الدينية وقناعاته العقائدية المتمركزة حول أحقية المتطرفين اليهود بالأرض وبالتالي شرعية إبادة كل من عليها من غير اليهود، ومن ثم يدعو إتنجر الذي يسير على نهج جده كاهانا لإقامة حكم يهودي وخلافة يهودية خالصة على منهاج التوراة مما دفع البعض لإطلاق لقب (أمير داعش إسرائيل) عليه .
وفي التحليل الأخير تبقى كلمة مفادها: أن ما يرتكبه الصهاينة من أعمال إجرامية ضد الفلسطينيين، هي في كثير منها ذات دوافع دينية تأسست على قراءات خاطئة وتعسفية ومقتطعة ومجحفة للنصوص الدينية، إذ تنطلق من تفسير حرفي ومنحرف لكثير من تلك النصوص، والخطأ في ذلك أنه يبدأ من أيديولوجيا فكرية ما متجهًا إلى النص ليبحث عما يعضد أيديولوجيته تلك، فاليهودي المتطرف المعاصر يقرأ هذه النصوص على ضوء أيديولوجيته التي تكونت مسبقًا ومن ثم يسقطها على واقعه، ومن ثم يبدو الاستعمار الاستيطاني بكل بشاعاته وكأنه أمر ديني يتحتم الامتثال له بل ويتحتم الذهاب فيه إلى حده الأقصى لتفريغ الأرض تمامًا من أهلها.
والجدير بالذكر أن هذا التيار الديني المتطرف يزداد قوة بمرور الوقت على المسارين: الكمي(أي تزايد أعداد المنتمين له) والكيفي (أي نزوعه نحو أقصى التشدد) ، فالنمط الديني المتصاعد داخل الكيان الصهيوني هو النمط الراديكالي المتشدد والداعي إلى الحلول النهائية عبر إبادة الآخر، وهو أمر يبعث على القلق في ظل اقتراب سيطرتهم كاملاً على مفاصل الدولة وبخاصة الجيش، فيكفي أن نعلم أن أكثر من نصف الضباط في الوحدات القتالية في الجيش من أتباع التيار الديني الصهيوني المتشدد، بل وداخل أجهزته الأكثر حساسية وأهمية، فقد أوردت صحيفة هآرتس في عام 2014م أن ثلاثة مواقع من أهم أربعة مواقع في جهاز الشاباك(جهاز الأمن العام الصهيوني) يسيطر عليها عسكريون متدينون، أضف على ذلك سيطرته على مفاصل الحياة السياسية عبر الأحزاب الدينية الممثلة له.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي