الحوار المتمدن - موبايل


الدمج التاريخي-الثقافي عند الخوارزمي

مالك ابوعليا
(Malik Abu Alia)

2021 / 1 / 17
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية


كاتب المقالة: الماركسي السوفييتي محمد سيف الدينوفيتش عظيموف*

ترجمة مالك أبوعليا

في عام 1983 تم احياء ذكرى مرور 1200 عاماً على وفاة أبو عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي تقديراً لتأثيره العميق في تاريخ الحضارة الانسانية.
ومن أشهر انجازاته التطويرات الكُبرى التي قام بها في مجالات الحساب والجبر. تم نقل النظام العشري الهندي، من خلال أعماله، الى أوروبا. ويأتي اسم "الجبر" نفسه، من عنوان أحد مؤلفاته (الجبر والمقابلة).
الى جانب مساهماته الرائعة في مجال الرياضيات، تزودنا حياة وأعمال الخوارزمي بنظرةٍ أوسع الى جوانب تشكّل الحضارة الانسانية وتقدمها. يتسم تاريخ الحضارة الانسانية بعمليات انتقال الشعوب والأفكار من منطقة الى أُخرى. نشأت مراكز الحضارة وازدهرت وانهارت، لأسبابٍ تاريخية، في أجزاء مُختلفة من العالم. ولكن بالرغم من اختفاء هذه المراكز نفسها، الا أن انجازاتها لم تختفِ. بدلاً من ذلك، تم اعتماد هذه الاسهامات كجزء من المعرفة الانسانية وتطورها في مراكز وظروفٍ جديدة.
احد الأمثلة البارزة على تلك العملية هو مدرسة بغداد العلمية في القرن التاسع عشر، هناك حيث ظهرت أعمال الخوارزمي. هُنا أجرى البحث العلمي في جزءٍ كبيرٍ منه أشخاص من خراسان الكُبرى وآسيا الوسطى، أي ما وراء النهر على الروافد الدُنيا من آمو داريا، والمنطقة المعروفة الآن باسم أفغانستان. كان لهذه المنطقة تقاليد علمية وثقافية قديمة كان الخليفة العباسي المأمون (حكم من عام 813-833) يُدركها جيداً عندما حكم المنطقة من مدينة مارف شرق خورستان. كان المأمون، عندما أصبح خليفةً وبعد ذلك، عندما نقل مقر خلافته الى بغداد، قد جذب الى عاصمته الوَرَثة البارزين للتقاليد العلمية والثقافية لخراسان الكبرى.
كان تركيز العمل الأكاديمي الذي تم تنفيذه في بغداد، بناءاً على التقليد الذي شجعه الساسانيون، هو ترجمة الأبحاث الطبية والفلكية والرياضية من اليونانية والسريانية والفارسية الوسطى (اللغة البهلوية القديمة) والسنسكريتية الى العربية، والتي كانت تتطور بسرعة لتصبح لغة العلم في جميع أنحاء أراضي الخلافة.
كانت نتيجة هذا العمل بدايةً لعملية استيعاب مُكثّفة ودمج انجازات الحضارات المُختلفة، وبالتالي صعود سريع للعلم والثقافة في الشرقين الأدنى والأوسط.
كان كتاب الخوارزمي (الجبر والمُقابلة) نتاجاً لهذا الدمج والتوليف المتطور. ليس من قبيل المصادفة، أن يكون الرجال من آسيا الوسطى وأفغانستان وايران في طليعة عملية نقل واثراء التقاليد العلمية الهلنستية والسنسكريتية، هذا التوليف الذي ظهر نتيجة تفاعل الثقافة اليونانية بثقافة الأراضي والشعوب التي غزاها الاسكندر، مما كان له الأثر الكبير في آسيا الوسطى. هذا التأثير ملحوظ بشكلٍ واضح في المعالم الفنية والمعمارية للحضارات الهلنستية مثل البارثيين Parthian والكوشانيين Kushan والغاندرهان Gandharan.
كانت خوارزم أحدى أهم المراكز الحضارية الرئيسية ما قبل الغزوات العربية، حيث لم تكن الثقافة اليونانية في مجالات العلوم والفلسفة معروفةً وحسب، بل كانت متكاملةً جيداً بحلول وقت الغزوات العربية.
تكشف الحفريات في مدينة الاسكندرية الهلنستية (آي خانوم) على الضفة اليُسرى لنهر بانج Panj حيث يلتحم مع نهر اوكساس Oxus بوضوح عن هذا الدمج للثقافة اليونانية. كما تم الكشف عن قصورٍ يونانية ومدرج في مدينة كاباديان في جمهورية طاجيكستان السوفييتية الاشتراكية. يُمكن للمرء أن يستنتج أن أفكار وتقاليد اليونان القديمة كانت متجذرة بعمق في آسيا الوسطى، مما أدى بدوره الى تشكيل الثقافة الهلنستية السنسكريتية الشرقية.
في نهاية القرن الخامس الميلادي، ظهرت موجة جديدة من الثقافة الهلنستية انتشرت في ايران وآسيا الوسطى هندما هاجر العلماء والفلاسفة النسطوريين الى تلك المنطقة هاربين من اضطهاد رجال الدين البيزنطيين في الشرق الأدنى. استقر النساطرة في مراكز النشاط الفكري وعملوا على رفع مستوى النقاش العلمي. على سبيل المثال، عندما أغلق الامبراطور جستنيان Justinian الأكاديمية في أثينا، لجأ جميع موظفيها الى ايران الساسانية وانضموا الى أكاديمية جنديسابور Gundeshapur. كان لهذه الأكاديمية ثلاثة كُليات: كلية فلكية لها مرصد خاص، وكلية رياضية، وكلية طبية بعياداتها الخاصة. تمت هنا ترجمة النصوص اليونانية والسريانية الى الفارسية الوسطى، بما في ذلك أعمال غالينوس ومقتطفات من ابقراط واطروحات أرسطو عن المنطق. لم يكن من قبيل المصادفة اذاً أن تتم ترجمة غالينوس لاحقاً في بغداد الى العربية من قِبَل طبيب من أكاديمية جنديسابور.
وبالمثل، ربط استيعاب التقليد السنسكريتي الهندي العلماء من ايران وآسيا الوسطى وأفغانستان ببعضهم. يُشكّل البرامكة الذين كان أسلافهم الكهنة الرئيسيين لمعبد نوبهار Nawbahar البوذي في بلخ (في أفغانستان الحالية) احدى حلقات هذه المعرفة. لم تكن المعابد البوذية مراكز عبادة دينية فقط. لقد نقلوا المعارف الزمنية وخاصةً العلم الطبي والفلكي أيضاً. بدأ يحيى بن خالد، أحد أبرز أحفاد البرامكة، بعد أن صار وزيراً قوياً للخليفة هارون، بعملية الترجمة المنهجية للنصوص السنسكريتية الى العربية وتجهيز البعثات العلمية للذهاب الى الهند والتعرّف على المُنجزات العلمية الهندية.
وهكذا اتسم عصر الخوارزمي بتركيب ودمج ثقافي مكثّف للثقافتين الشرقية والغربية، حيث كان الدور الذي لعبه الخوارزمي نفسه في هذه العملية معروفاً بشكلٍ خاص. بفضل عمله، أصبح الحساب القائم على مقياس عشري صفري، وهو اختراع بارز للهنود، مُلكاً للانسانية جمعاء.
كان للمركز الأكاديمي في بغداد دوراً فعّالاً في تطور حضارة القرون الوسطى لشعوب آسيا الوسطى وأفغانستان وايران وشجّعَ على اعادة ازدهار تقاليد تلك المناطق الثقافية. شهدت مناطق مثل بخارى وسمرقند وخوارزم ومارف وبلخ، التي كانت مراكز فكرية قبل الغزو العربي، تجديداً فكرياً. بخاراى هي مثال حي بشكلٍ خاص. ازدهر العلم والأدب والفنون والحِرَف اليدوية بشكلٍ عام في القرنين العاشر والحادي عشر، وهذا دليل على اندماج الثقافات المُختلفة. هذا التجديد الفكري هو دليل لا يقبل الجدل على حيوية التقاليد الثقافية والاستمرارية التاريخية المُقابلة لها في التطور الثقافي للانسانية.
خلال هذا الوقت بالذات، انتشرت أفكار أرسطو على نطاقٍ واسع بفضل أعمال الفارابي وابن سينا. الفلسفة اليونانية نفسها لم تنشأ في فراغ. هناك أدلة أنه كان هناك فارسيين وحُكماء مصرين وبابليين من بين مُعلمي فيثاغوروس ، وأنه كان على دراية بأدب الحكمة الهندي. دَرَس هيراقليطس وأفلاطون أيضاً الاسهامات الفكرية لشعوب الشرق ومرروها الى الغرب بهذا الشكل الجديد. ان أي قائمة بالمُنجزات الفكرية لشعوب الشرق التي حفّزت تطور الحضارة الأوروبية ستشمل حتماً، من بين الكثير من الأمور، علم الحساب والجبر للخوارزمي وكيمياء الرازي وطب وفسلفة ابن سينا وعلم المثلثات لنصير الدين الطوسي.
لذلك، يجب أن يُنظَر الى تاريخ الحضارة الانسانية على انها كُل موحّد لا تتعارض فيه الحضارات المتنوعة مع بعضها البعض، بل تتفاعل معاً.

* محمد سيف الدينوفيتش عظيموف 1920-1996 فيلسوف طاجيكي سوفييتي وعالم ثقافة ومُستشرق ماركسي مُتخصص في الانطولوجيا والابستمولوجيا. تخرّج عام 1941 من الجامعة الأوزبكية وشارك في الحرب الوطنية العُظمى ضد النازية. انتسب للحزب الشيوعي عام 1945. منذ عام 1946-1952 نائباً لقسم لينين أباد في المعهد التربوي وعضواً في معهد ستالين أباد البوليتيكنيكي في الأعوام 1956-1962. صار عظيموف في الأعوام 1962-1965 وزيراً للتعليم الشعبي لجمهورية طاجيكستان السوفييتية وسكرتيراً للجنة المركزية للحزب الشيوعي الطاجيكي ونائب رئيس مجلس الوزراء في نفس الجمهورية. ونائب رئيس مجلس السوفييت الأعلى 1970-1989 ونائب في مجلس القوميات في الدورة السابعة في الأعوام من 1966-1970. وكان رئيساً لجمعية الصداقة بين الشعوب والعلاقات الثقافية الأجنبية.
حصل على جائزتي لينين وجوائز سوفييتية أُخرى.
في 27 تموز عام 1996 أطلق عليه مجهولون النار وهو في طريقه الى العمل. ارتبط هذا الحدث الارهابي المأساوي بتداعيات الحرب الأهلية في طاجيكستان بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
من أهم أعماله: (نشأة وتشكّل الفكر الفلسفي) 1970، (مفهوم المادة ومُشكلة الواقع المادي)-اطروحة في الدكتوراة عام 1971، (ابن سينا وحضارة العالم) 1980، (التقدم التاريخي للدول الاشتراكية) 1987.

ترجمة لمقالة:
M. S. Asimov (1988) Al‐Khwarazmi s historical‐cultural synthesis, Iranian Studies, 21:1-2, 10-13








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاهد: تجدد المواجهات بين الشرطة والمتظاهرين في ولاية مينيسوت


.. مرض شاغاس أو مرض النوم يصيب الفقراء في 36 بلدا أفريقيا


.. الظابط زكريا يونس عرف يوصل للإرهابي قبل تفجير عبوة ناسفة وسط




.. شاهد: الشرطة الأمريكية تفرق بالقوة متظاهرين غاضبين من قتلها


.. فيديو: الشيوعيون يحيون الذكرى 60 لرحلة يوري غاغارين إلى الفض