الحوار المتمدن - موبايل


-الوطنية- الايديلوجية الثلاثينيه الزائفه؟/4

عبدالامير الركابي

2021 / 1 / 17
مواضيع وابحاث سياسية


الامر المقبول الاخذ به اتفاقا مع حكم الاشتراطات الموضوعيه، وماكانت تفرضه في حينه وبالذات من حيث القصور الذاتي، كون الواقع العراقي يرمته لم يكن مؤهلا، ولاقادرا على الحضور "وطنيا" لاسباب تتعلق بدرجة ومستوى تشكله الحديث، فالحدث العشريني الثوري على سبيل المثال، كان حدثا احاديا في مجتمع وكيانيه ازدواج، لم تكتمل، كما لم تكن في وضع يؤهلها للنطق وقتها، ماقد أتاح الفرصة للسطو عليها، وتزوير طبيعتها ومقاصدها، لابل كانت ماتزال بعيده عن مقاربة الثنائية المجتمعية وقت ان حضر الإنكليز، أي ان العراق وقتها وعلى عكس مايرى زكي خيري وامثاله، والذين من صنفه، لم يكن "عراقا كاملا"، وهذا امر طبيعي وبديهي، اتفاقا مع تكوين وينية واليات تشكل هذا الموضع من المواضع والكيانات المجتمعية المعروفة،حيث التشكل يتميز:
أولا بانه يتاسس ابتداء في موضع تركز الاليات المجتمعية، في القسم الأسفل منه في ارض السواد، وان هذا التشكل يظل ناقصا، لحين بدء احتكاكه بالمستوى المجتمعي الأحادي الطابع، الأعلى الذي يميل عادة وبداهة الى النزول الى الأسفل، طامحا الى بسط سلطته، وتسييد نمط موافق لكينونته كنمط حكم من نوع تلك الأحادية المعروفة( على الطريقة الأحادية المصرية النموذجيه الاعرق في صنفها)،حيث الدولة هي افراز مجتمعي مطابق، الامر الذي لا وجود له في ارض الرافدين، ومابين النهرين بالذات، حيث البنيه المجتمعية لاتفرز سلطات منفصلة، في مجتمع هو كيانيه "لادولة" لاتتجسد ارضويا، أي ان الدول النازلة من اعلى، تظل دولا برانيه لم يفرزها المجتمع الجنوبي المشاعي، وهو بناء عليه لن يقبلها حاكمه او متسلطه، لتناقض بنيتها مع مقتضيات كينونته ووجوده، ومن ثم سلامة عمليته الإنتاجية، الامر الذي يخلق آليات ازدواج وصراعيه، محركها استحالة خضوع المجتمعية السفلي، واضطرار الدول العليا التي تعيش داخل مدن محصنه اشد تحصين، ومعسكرة داخليا، للسعى لحلب الريع الزراعي بالغزو الداخلي، بحسب الممكن والمتاح، وهو غير متاح الا نادرا، ومرهق، ان لم يكن مدمرا، بسبب قوة المقاومة من اسفل، واحترابية المجتمع المنتج المشاعي،حيث الاحترابيه جزء أساسي من وسائل الإنتاج، مايولد آليات إعادة تأسيس للدول الهابطة من اعلى، يؤقلمها مع الاشتراطات الصراعية، المتاججة مع الأسفل، فيقربها اطرادامن نوع ماتولده المجتمعية السفلى، دافعا إياها الى استعارة مثله ومنجزه التصوري، بالاضافه لنزعة التخلي عن حلم السيطرة والحكم العادي الأحادي، والاستعاضة عنه بالميل الامبراطوري، أي الميل لتامين الريع من خارج الكيان، تخفيفا لوطاة التصادم الصراعي مع المجتمع الأسفل، وبناء عليه، ضمان ديمومته حيث تصبح الثنائية الازدواجية الاصطراعية، وحدة كيانيه ضمن نموذج بذاته وكينونته.
وثمة خاصية أساسية تميز الكيانيه الازدواجية، تكاد تكون هي الأصل، فالمجتمعية السفلى بحكم طبيعتها لا تطمح عادة وليس من خواصها الامتداد الى الأعلى، بصفتها كما هي، أي انها وان كانت تتاسس وتظهر وتكتمل نموا في الأسفل، الا انها لاتميل، وليس من طبيعتها التكوينيه، الامتداد خارج حدودها، ونطاق بنيتها المطابق لخاصياتها الاستثنائية في ارض السواد، الا ان هذه القاعدة يمكن ان تكسر بشكل من الاشكال، عندما تكون اشتراطات النمو والتشكل ليست ذاتيه بحته، كما حصل ابان الدورة الثانيه، والفتح الجزيري الذي حرر الاليات الرافدينيه المتوقفه، واطلقها، في الوقت الذي رفدها بمادة بشريه، كان ينبغي ان يمر عليها بعض الوقت قبل ان "تتعرق"، فتنتقل من كونها مجموعة آتيه لارض الرافدين من كيانية لادولة أحادية صحراوية، احترابية، محكومة لاقتصاد الغزو، الى بنيه مشاع زراعيه ازدواجية، ماقد هيأ الأسباب، وتحت اشتراطات إعادة صياغة المجموعة البشرية الجزيرية الوافدة، لتتطابق مع اشتراطات البنيه الرافدينيه، لان تظهر استنادا لمحمولات منقولة من منشئها وعقيدتها، وشكل الدول التي توافقها، لظهور دولة داخل المجتمع الجنوبي المتصيّر رافدينيا، ذات طابع احادي احترابي، تمثل بالعباسيين الذين اضطروا للهرب من الكوفة الى الشمال، ( الى الرمادي والهاشمية أولا)، قبل بغداد، سعيا للتحرر من وطاة الانتفاضات المتوالية، واخرها انتفاضة الراوندية، التي وقعت في حينه، وكانت اخر عهد العباسيين بالمجتمع الجنوبي المتشكل، قبل بغداد التي اقاموا فيها وفقا للقانون الازدواجي الأساس، وكما في بابل "المدينه / الإمبراطورية"(1).
وغالبا مايطول امد التشكل الازواجي الامبراطوري، الاانه لم يسبق ان حدث نوع من التدخلية البرانيه التي ميزت الدورة الثالثة الراهنه من تاريخ ارض الرافدين، فكان تشكلها يحدث في الدورتين الماضيتين ضمن ظروف الذاتيه المتحررة من الضغوط ووطاة القوى البرانيه والمجاورة، كما كان الحال في الدورة الأولى البابلية الابراهيميه، والثانيه العباسية القرمطية بين القرنين السابع، والثالث عشر، في الدورة الأولى بفعل السبق والبكورية المجتمعية الرافدينيه، والثانية بسبب الفتح الجزيري الى الشرق والغرب، وماوفره من تحرر من العقبات، او المنافسه الكيانيه والامبراطورية التي غابت وقتها على مدى قرون.
في العصر الحديث، اختلف الامر جوهرا، فكان التشكل الازدواجي الثالث قد ابتدا أصلا بظل الاحتلال، او متوالياته التي كانت مستمرة منذ اختتام الدورة الثانيه بسقوط بغداد عام 1258، ودخول ارض الرافدين حقبة الانقطاع التاريخي الثانيه، التي استمرت حتى القرن السادس عشر من ذات الموقع المعتاد والثابت في ارض سومر التاريخيه، لتنشا من يومه حالة ازدواج من نوع خاص، صار العراق بناء عليها منقسما الى "عراق متشكل حديثا"، و "عراق براني من بقايا الدورة التاريخيه الثانيه"، الثاني تتصدرة عاصمة دورة منهارة، وحكومات برانيه متعاقبة وصولا الى العثمانيين، وكلها حكومات ليست عراقيه (الااذا كان زكي خيري وامثاله يعتقدون بان دولة الخروف الأبيض، او الخروف الأسود "عراقيتان")،تنتهي مع بدءالتشكل الوطني الراهن، ليحل محلها الازدواج الناشيءعن التشكل الجنوبي، بالتزامن مع مجيء العثمانيين، الذين انتهوا بعد ثلاثة قرون تقريبا، الى شبه اعتراف بالواقعه العراقية المتنامية، والمستمرة بالتشكل عبر حقبتي، القبليه، والدينيه الانتظارية، مادفع بهم لازاله حكم المماليك" المنسوب للحداثة كما يعتبر "داود باشا" وفترته المشبهة بفترة محمد علي الالياني في مصر" (2)، واستبداله بحكم صوري مباشر، مستند الى نهج "إصلاحات" مستعار من الغرب ونهضته.
لم يكن للحدث الثوري العشريني ان يكون ناطقا بناء عليه، لان العراق وقتها لم يكن قد اكتمل تشكله بعد، وهي لم تكن "ثورة وطنيه عامه" على الاطلاق بل ثورة العراق الأسفل المتشكل حديثا، والذي كان قد كتب له وللعراق، ان يمر بفترة وطور غير مسبوق، ولم يكن قد عرف مايماثله طيله تاريخه، اعقب الطور العثماني الأخير، مع مجيء الإنكليز واحتلالهم المباشر للعراق ودخول العراق من يومها طورا افنائيا، مركزه ومنطقة فعاليته نفس تلك التي تتوسطها عاصمة الدورة الثانيه المنهارة بغداد.
هكذا تكون قد توفرت الأسباب لظاهرة من نوع تلك التي تدعي تمثيل "الوطنية العراقية"، من منطلق، وعلى أساس قتلها ومحو اثرها، مستغلة لحظة الفراغ الموضوعية، ومرتكزه لعاملين: الأول حضور الغرب وسطوة نموذجه في الوطنيه والكيانيه، والثاني واقعي موضوعي متات من استمرار الفعالية البديهية للاليات الوطنية المضادة للطاريء الاستعماري، فعملية التشكل الوطني، وماتجلت عبره صراعيا بالضد من الهيمنه الاستعمارية، لم تكن لتتوقف في حينه، وان هي لم تتوفر على أسباب النطق المطابق، ماقد اوجد محركات وأسباب دافعه ومحفزة، كانت بالاحرى ذات زخم وقوة فعالية ودفع، واصلت تجليها كحضور بلا نطق، للتعذر الاني، وهو ما ذهبت القوى والمجموعات والأحزاب بالارتكاز لها، والسعي لمصادرتها بادعاء تمثيلها المزور، بما قد جعلها وبسبب قوة الزخم الوطني الحدثي غير الناطق الذي ركبته، وانغمرت فيه، تتصور نفسها، وتدعي متفاخرة، تمثيلها للواقع في الوقت الذي كانت تمارس وطاتها عليه، وتسهم في مصادرته، ومحاولة افنائه لصالح المشروع الغربي الطاريء.
هذا الحال صنع من يومه ظاهرة وتاريخ"الواقع الثوري الوطني الفاعل بلا نطق "، ظل مستمرا الى اليوم، وهو ماتتميز به حاليا حراكات تشرين الثورية لعام 2019 ، التي ستكون اخر اشكال الوطنيه العراقية بصفتها كاحداث خرساء، بينما تتهاوى وتسقط متداعية غي غمرتها بقايا القوى والأفكار الزائفة، وماهو متخلف من سقط متاع منها، وماينتمي لها، ويحاول بلا نجاج يذكر، تجييرها لصالح مفاهيم انتهت وماتت، ولم يعد لها وحود، على المستوى العالمي أولا، كما لم تعد لها من قدرة على الحياة، وبالذات تلك المزورة منها، بعد ان افضت لما افضت له من انهيار وكارثة تاريخيه، يتخبط فيها العراق اليوم، في الوقت الذي تصير فيه لحظة النطق التاريخي المطابق المنتظر منذ سبعة الاف عام، على الأبواب، ووثبة العقل العراقي الكبرى وشيكه.
ماتزال ثورة العشرين، وثورة تموز 1958، لم تعرفا بعد بصفتهما كحدثين تحوليين ضخمين وفاصلين، سابقين على اكتمال التشكل الوطني، جرت عملية مصادرتهما، وطمس وتشويه كينونتهما التاريخية، والسعي الحثيث لتجييرهما لاهداف تناقض طبيعتهما،هما ومعهما تاريخ العراق المستمر من عام 1920 الى اللحظة الراهنه، حيث تشرين 2019، أي بعد قرن بالتمام والكمال، تفتح الباب لاطلالة العشرين الحقيقية المغيبة المشوهه، وحيث وثبة العقل العراقي الكونية الكبرى أي انتهاء زمن "الواقع الوطني الثوري الفاعل بلا نطق" فالنطق اليوم صار هو "الثورة" التي لاثورة من دونه.
ـ يتبع ـ
الوطنيه الزائفة ووثبة العقل العراقي؟/5
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يراجع عبدالعزيز الدوري في "بغداد"/ كتب دائرة المعارف الإسلامية، دار الكتاب اللبناني،مكتبة المدرسة، 1884 وأيضا مساهمة " شترك" في نفس الكتاب.
(2) راجع الدكتورعبد العزيز سليمان نوار/ داود باشا والي بغداد/ دار الكتاب العربي للطباعة والنشر/ المكتبه العربيه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الجيش العراقي يطلق عملية للقضاء على بقايا تنظيم الدولة بمحاف


.. الحوثيون: نفذنا عملية كبيرة باتجاه السعودية باستخدام صـاروخ


.. لأول مرة في تاريخ البلاد المعاصر.. سفينة حربية روسية تصل بور




.. التعري وسيلة لجذب الزبائن!


.. احتدام الأزمة السياسية في أرمينيا وباشينيان يدعو أنصاره للخر