الحوار المتمدن - موبايل


لثد صرت فاسدا ولصا اللهم فاشهد

منذر خدام

2021 / 1 / 17
مواضيع وابحاث سياسية


لقد صرت فاسداً ولصاً
اللهم فاشهد
ان تسمع شخصا يصيح: لقد صرت فاسدا ولصا، في وسط مجموعة من الناس، فإن اول ما يتبادر إلى الذهن أنه يعاني من لوثة في عقلة تفقده قدرته على التفكير السليم. لكن ما إن علمت ان حديثا متشعبا وصاخبا كان يجري حول ما آلت إليه أوضاع السوريين في داخل البلد مع بدء العام العاشر لانتفاضة السوريين ضد النظام الحاكم في بلدهم ينشدون التغيير نحو الأفضل حتى خفت دهشتي. يكاد الحديث حول الأوضاع المعيشية في البلد يطغى على أي حديث آخر فهو أزاح بالفعل جميع المسائل والقضايا التي يمكن أن تشغل التفكير في الحالة العادية. ورغم اتساع نطاق سيطرته على تفكير الناس في الداخل فهو بصورة عامة نقاش غير رصين ولا هادف سوى التنفيس من شدة الاحتقان الذي تراكم في النفوس خلال اليوم او خلال الأيام القريبة الماضية، وذلك لأنه لا يبحث في الأسباب الحقيقية لمعاناتهم، ويكاد يقتصر على المسبات والشتائم على المسؤولين جميعا ما عدى مقام الرئاسة فهو خط أحمر. واللافت أن كون مقام الرئاسة خط أحمر لا يجوز المساس به يدركه الجميع مما يعني ان الجهة التي رسمته وعممته واحدة، وهي ذاتها التي تغض النظر عن حدة مسبات السوريين وشتائمهم للمسؤولين من رئيس الوزراء ونازل، بحيث يشعر المراقب لمواقع التواصل الاجتماعي وما تذخر به من نقد ومسبات واتهامات لهم انه في بلد آخر غير سورية.
بمناسبة العام العاشر لتفجر الأزمة السورية، وعلى غير العادة، سوف أكرس هذه المقالة للكتابة تحديدا عن معاناة السوريين في الداخل وهم يكدحون لتأمين مقومات عيشهم وقليلا ما يفلحون. لقد كتبت الكثير حول أسباب الأزمة، والمراحل التي مرت بها، ودور النظام وبعض أطراف اعدائه(معارضيه) فيها. وشملت الكتابة أيضا الأطراف الدولية التي تدخلت فيها، مما تسبب بتعقيدات إضافية جعل المخرج منها أبعد منالا لأنه يتطلب التوليف بين مصالح دولية لا تقبل التوليف. اليوم وصلت جميع الأطراف المحلية والدولية في الأزمة السورية إلى قناعة بأن الحل العسكري غير ممكن، (ربما لا يزال النظام يراهن عليه ويحاول اقناع روسيا به، وهي بدورها تقول له إن الحل العسكري في مرحلته الراهن يعني الاصطدام بأمريكا وتركيا) وإن مناطق النفوذ الحالية مستقرة، تنتظر الحل السياسي، الذي قد يشهد زخما في حركته، بعض اجراء الانتخابات الرئاسية القادمة وفق القواعد المعمول بها من قبل النظام.
من الصعب جدا تحديد نقطة البداية والانطلاق في توصيف حال السوريين في الداخل، فكل مشكلة او قضية تمثل لصاحبها أولوية. مع ذلك فإن المقومات الضرورية للوجود البيولوجي للكائن السوري وخاصة تلك المتعلقة بطعامه تشكل قاسما مشتركا لغالبية السوريين وبصورة خاصة من أصحاب الدخل المحدود وهم غالبية السوريين. اليوم عندما يقال ان 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر (دولارين في اليوم، أو نحو6000ل.س) فهذا قول صحيح. لنأخذ على سبيل المثال راتب الأستاذ الجامعي (130 ألف ل.س في الشهر، أو نحو 4300 ل.س في اليوم) وهو من اعلى الرواتب في الدولة فإنه يكفيه لإعالة نفسه وفق خط الفقر السابق لنحو 22 يوما. وإذا اخذنا بالحسبان مؤشر الاعالة لهذه الفئة من العاملين الذي لا يقل عن ثلاثة يصير واضحا ان راتبه لا يكفيه لمدة اسبوع واحد. ووقد افترض واضعو خط الفقر ان الدولارين ينبغي أن يغطيان مختلف الحاجات من طعام وملبس ومسكن وتعليم وطبابة ومواصلات وغيرها، مع العلم ان اعداد وجبة واحدة يكلف اليوم ما لا يقل عن ثلاث ألاف ليرة سورية. هذا يعني ان راتب الأستاذ الجامعي لا يكفي فقط لتامين الطعام. في عام 2010 كان راتب الأستاذ الجامعي نحو خمسين ألف ل.س أي ما يعادل نحو ألف دولار أمريكي، وكان يؤمن له حياة كريمة، صار اليوم في عام 2021 يعادل نحو45 دولاراً فقط. في عام 2010 كان سعر المواد الغذائية الضرورية من خضار وفواكه يراوح بين 10 و50 ل.س، اليوم صار يراوح بين 500 و5000 ل.س. لقد ارتفعت الأسعار أكثر من 20ضعفا في حين تضاعفت الرواتب مرة واحدة. فعلى سبيل المثال كان سعر كيلو التوم نحو10 ل.س صار اليوم 6000 ل.س، وكان سعر كيلو البصل نحو 10 ل.س صار اليوم 1000 ل.س، وكان سعر كيلو البندورة نحو15 ل.س صار يراوح اليوم بين 500 و1000 ل.س. كان سعر البيضة نحو 10 ل.س صار اليوم 200 ل.س. كان سعر كيلو اللحمة الحمرة نحو 1000 ل.س صار اليوم 14000ل.س، وقس على ذلك. وإذا اخذنا بالحسبان نفقات التعليم والطبابة وفواتير الماء والكهرباء والهاتف، صار الوضع كارثيا بالنسبة للأستاذ الجامعي فكيف يكون حال من لا يزيد متوسط رواتبهم عن خمسين ألف ل.س. في هذه الظروف الصعبة فإن أغلب السوريين يؤمن ملبسه من البالة (ألبسة مستعملة)، وبعضهم يمارس أكثر من عمل لتأمين دخل إضافي. فقد تجد أستاذا جامعيا او مهندسا لو ضابطا يعمل على سيارة اجرة، أو في بقالية، ومن لديه قطعة أرض زراعية أو حديقة منزل يزرع فيها بعض الخضار والفواكه. لكن هناك عدد كبير من العاملين في أجهزة الدولة ومؤسساتها يمارسون الرشوة بصورة وقحة. اليوم صارت الرشوة وسيلة لتسيير الأعمال، في منطق القائمين عليها، وهي في حقيقتها مصدر لدخل إضافي، او طريق للإثراء غير المشروع بحسب مستوى الأعمال. لا يمكن ان تجري أية معاملة في الدولة، كبيرة كانت او صغيرة بدون رشوة، وإذا لم تقدمها عن طيب خاطر فهم يطالبونك بها. ولا يمكن ان تمر لك أية حمولة على حاجز بدون ان تدفع، وما يتم دفعه يحمله صاحب الحمولة على بضاعته كجزء من التكاليف ليستعيدها في النهاية من المواطن المشتري. كثرت للأسف عصابات السرقة والتشليح والدعارة حتى السجون حولها القائمون عليها إلى شركات استثمارية لحسابهم سواء بحصولهم على جزء مما يرسله الأهل لأبنائهم الموقوفين، او عن طريق تامين اتصال هاتفي مع الأهل بأجرة لا تقل عن خمسة آلاف ل.س.
إن غلاء المعيشة بالقياس إلى الدخول المتدنية أرغمت كثير من الأسر على الاكتفاء بوجبة واحدة، او شطب العديد من المواد الغذائية من قائمة مطبخها، مما انعكس سلبا على صحتها. بحسب ما افاد به طبيب مختص فإن كثير من الحالات المرضية سببها نقص التغذية، او التوترات العصبية المستمرة. لكي تحصل على ربطة خبز تحتاج للانتظار من ساعة إلى ساعتين يوميا على مراكز توزيعها، وتحتاج أحيانا إلى أكثر من خمس ساعات لكي تحصل على مخصص سيارتك من البنزين. أضف إلى ذلك فإن الكهرباء في كثير من المناطق تصل لمدة ساعة ونصف فقط، لتنقطع أربع ساعات ونصف، مما يعني توقف جميع الأدوات الكهربائية عن العمل.
في سياق نقاش حول الأزمة الخانقة التي يعاني منها أغلب السوريين قال أحد المشاركين فيه متصنعا الجدية، إنها خطة للحد من النسل تعتمدها الحكومة. اليوم تراجع كثيرا عدد عقود الزواج، بسبب عدم القدرة على تأمين مسكن وفرشه. إذا كان يمكن تجهيز بيت قبل عام 2010 بنحو مليون ليرة سورية تحتاج اليوم إلى مالا يقل عن عشرة ملايين ليرة سورية. أضف إلى ذلك فقد صارت اغلب الأسر الجديدة تكتفي بولد أو ولدين على الأكثر. وبصورة مازحة لكنها تضمر الجدية والصواب، أضاف قائلا: كنت شخصيا قبل الأزمة اجامع زوجتي مرة على الأقل في اليوم، صرت اجامعها مرة في الأسبوع، واليوم اجامعها كل شهر او شهرين مرة واحدة علما أنني لا زلت شاباً. اجابه مستمعوه " والله وضعت ملح على الجرح، الواحد منا يعود إلى البيت منهك من التعب، ومن مواجهة مشاكل اليوم، لينشغل بهموم ومشاكل اليوم التالي، فهو بالكاد يأكل لقمة، ويضع رأسه على المخدة ليغط في نوم عميق وشخيره يملأ المكان، فلا وقت لديه ليجامع زوجته التي هي الأخرى انستها هموم الأولاد ومشاغل البيت حاجتها للجنس".
والحال هذه لا بد من طرح السؤال: من المسؤول؟ الجواب صار حاضرا على كل لسان حتى لسان أولئك الذين كانوا مؤيدين او لا يزالون وهو النظام ومعارضيه من طينته عملاء الدول الأجنبية. وإذا حاولت ان تخفف من حدة الجواب بالقول إن ما نعانيه هو ضريبة النهج المقاوم والممانع ومحاربة التطرف والإرهاب لم يعد ينفع ذلك. الجوع كافر كما يقول المثل، ليذهب النظام ومعارضته إلى الجحيم، وليأتي من يأتي ليحكمنا، نريد ان نأكل ونلبس ونشعر بكوننا أناس أسوياء يقول لسان حال كثير من السوريين. وبعد هل تتفاجأ بصياح من يقول: لقد صرت فاسدا ولصاً، لأن هؤلاء حقيقة هم المستفيدون من استمرار الأزمة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الجيش العراقي يطلق عملية للقضاء على بقايا تنظيم الدولة بمحاف


.. الحوثيون: نفذنا عملية كبيرة باتجاه السعودية باستخدام صـاروخ


.. لأول مرة في تاريخ البلاد المعاصر.. سفينة حربية روسية تصل بور




.. التعري وسيلة لجذب الزبائن!


.. احتدام الأزمة السياسية في أرمينيا وباشينيان يدعو أنصاره للخر