الحوار المتمدن - موبايل


الوطنية الزائفة ووثبة العقل العراقي؟/5

عبدالامير الركابي

2021 / 1 / 19
مواضيع وابحاث سياسية


نعرض لهذه المسالة من زاويتين رئيسيتين، هما من صلبها، ومما يوافق طبيعتها، الأولى سنتعرض لها في هذه الحلقه، وأخرى تؤجل لحلقة قادمه، وبمايخص الأولى فهي المتاتية من النوع وسياقات التعرفية البشرية، على اعتبار ان مايجري التنويه به، هو حالة تحول وانقلابيه عقلية، لاعلاقة لها بما قبلها مماهو متعارف عليه من منهجيات وسياقات تفكر، وموضوعات، واسس معتقدية، فالوثبة العقلية العراقية المنشودة، تنتمي الى لحظة بدء الا نعتاق البشري من الأحادية المجتمعية، ومن المجتمعية بالعموم، مع الانتقال ل"لالة"، ودخولها كعنصر مستجد من شانه الغاء الرضوخ البشري مجتمعيا لحكم البيئة والطبيعة التي ظلت هي الغالبه في تشكيله نوعا مجتمعيا، وفي جهده وممكنات تصيّرة، كما انها هي ما قد ظل الكائن البشري ينتظره، بينما كانت وظلت تهيمن عليه، وعلى ممكنات عقله، حالة القصور الاستيعابي، والنكوص إزاء مكنون الظاهرة المجتمعية، وصولا الى اعلى وارقى اشكال تجلي الحالة المذكورة المقررة على العقل بعلاقته بالمجتمعية، كما تمثلت منذ القرن الثامن عشر اوربيا مترافقة مع عجز مكان انبثاق "الالة" عن استيعاب ماتنطوي عليه من ممكنات واحتمالات مجتمعية تحولية، وميل العقل هناك الى صياغة اشكال أحادية من مقاربة الحدث الفاصل الانقلابي المستجد .
بمعنى ان العقل سيكون اليوم امام فك قبود الأحادية، والانتقال الى مابعدها، مع مايعنيه ذلك من تفارقية تفاعل، فالكائن البشري "الانسايوان" ليس في وضع، ولم تتهيا له الاشتراطات والأسباب لكي يغادر ماقد درج عليه على مدى الاف السنين من طريقة تفكير واستيعاء، تعود الى الطور ماقبل الالي، والى التوافقية الإنتاجية البيئية، ولابد هنا من ان نتذكر بان العقل ليس معطى جاهزا، وانه حالة تصيّر، تبلغ اليوم نقطة انقلاب حاسم، من دونها يستحيل على العقل التفاعل مع التفكرات المقصودة، والتي هي تعبير الكيانيه الازدواجية التحولية الرافدينيه الأعلى الراهنه، بعد الأولى الابراهيمية النبوية الأدنى، باعتبار الحديث عن البؤرة المؤهله من دن غيرها بنيويا وكينونة، للارتقاء لمستوى الحدث الالي وفك رموزه، ودلالات حضوره التحولي.
ولنسترجع ماكان قد حصل ابان التعبيرية الأولى الابراهيميه، وماقد استغرقتة من وقت قبل ان تتجلى عمليا في الدورات الثلاث الكبرى، ماقد استغرق قرونا مديده، ابتداء من إبراهيم الى محمد، هذا مع العلم ان الايمانيه كانت هي الفاصل في حينه، وهي العامل الحاسم في علاقة العقل بالتعبير التوحيدي، فالانبياء كانوا مسلحين بسلطة الوحي الإلهي، حيث لاجدال، وحيت الاقتناع يمر عبر الايمان والتصديق، الامر الذي لم يعد قائما اليوم، ولاهو من مكونات الابراهيميه الثانيه، العليّة اللانبوية، غير المرتكزة الى الحدس، انما الى العلّة والأسباب، الامر الذي يغير الأولويات الاعتقادية، من التسليم والتصديق، الى المحاجة والفحص مع اختلاف وتباين العدة، والمادة المستعمله في الحالتين.
تحتاج الابراهيمية العليّة التحولية لاجل تحقيق القناعة، الى نوع اخر من التسليم، يتحقق داخل العقل الأحادي بالقناعة التي يمكن ان نطلق عليها، قناعة العجز امام الاعجاز المنطقي العقلي بالتوازي مع نضج الاشتراطات الموضوعي (1)، وهذا بحد ذاته افتراض تشكل استيعابيه عقلية من منطلق التفارق، بين المادة المعروضة، والعدة او المرتكزات المتاحة والممكن استعمالها كعامل استيعاب ومحاكمه، مع مايثيره او يمكن ان يترافق مع ذلك من أسباب ودوافع، من ضمنها المصلحية الشخصية والكيانيه، المانعه او الدافعة للتفاعل المعتاد، هذا اذا لم ناخذ بالاعتبار مفعول المناطقية والجنسيه، والتكوين البنيوي التاريخي، والحالة والموقع الراهن، كل هذا وغيره، من شانه ان يضعنا اليوم امام شروط غير مالوفه، ولاجرى التعرف عليها من قبل، وعلى مدى تاريخ الكائن البشري، سيكون مظهرها الأول الأبرزابتداء، بقاء الأفكار ومنظومة التصورات التعبيرية التحولية الراهنه، خارج النظر او البحث حتى ممن هم بموقع الأقرب من المتصدي ريادة للأفكار المقصوده.(2)
تأخذ وثبة الفكر العراقي الحالي بواعثها من اشترطاتها الاستثنائية، فما هي موكلة به اليوم لايمكن، ولم يكن ممكنا ان يظهر او يتبلور في أي مكان من العالم، وبالذات في اوربا وامريكا، ناهيك عن غيرهما من مراكز الفعل الظاهر على مستوى الكوكب. والامر هنا خاضع لفعل سياقية تاريخيه، هي حصيلة ثلاث دورات من التاريخ، إضافة الى انها نتاج بنيوي ظل غائبا ومبعدا من الظهور خلال الاف السنين، أي اننا نتحدث عن منجز هو ذاتيه (وطن/ كونيه)، خاصة بموضع هذه صفته واصل كينونته، قد ان الأوان لكي ينطق عن ذاته، والامر الذي ننوه به، وكما يبدو، ينسحب أيضا وحكما، سواء على مصدر انتاج التعبير الذاتي كما هو متوقع، وكذلك على صعيد الاستيعاب والتفاعل، فالعراق على الأرجح سيكون البلد الأول في العالم الذي تتسنى له فرصة وإمكانية التعرف على الأفكار الممتنعة ابتداء على العقل"الانسايواني"، لاتصال مانتحدث عنه بكينونته البنيوية التاريخيه، ومن ثم بتراكمات احساسة الواقعي والتاريخي المعاش، حتى وان تعثر مثل هذا الانقلاب المتوقع والاستهلالي على مستوى المعمورة، والذي هو في الوقت نفسه لحظة افتتاح لعودة العراق خيار الله على الأرض، الى قيادة الكوكب الأرضي، مع تغير اشكال وصيغ القيادة نوعيا.
وقتها سيكون الخروج على "الوطنيه الايديلوجيه الحزبيه الثلاثينيه" اول ماسيجري اجتراحه، مع ان هذه قد فقدت حضورها، ووجاهة ماترتكز اليه نموذجا وافكارا، الاان ذلك لن يكون هو، ولالوحده العائق، او العقبة الأكبر امام تبلور الاقناعيىة الانقلابيه التحوليّة، فالجانب الأخطر والعقبة الأكثرصلادة، ستاتي من "الإسلام" بصيغته الجزيرية المتداولة، وبصفته اخر محطات الابراهيميه الأولى الدنيا، الالهامية النبيوية، بما انها الارسخ والأكثر انطباقا مع الممكن ابان زمن اللاتحقق، مع المقتضيات والأسباب التحولية، وشكل التعبير الأول الضروري في زمنه وحينه، مع ماينطوي عليه من تطابقية، مثلها في حينه التحوير الرافديني الابراهيمي الثاني، كما كان تجلى متبلورا في الصيغ العراقية للختام النبوي بعد الجزيري المحمدي، وبالأخص منها "الامامي" وتجليه الأهم "الانتظاري".
ولايجب ان ننظر الى الاقتناعات الحرية بالتصفية والازالة على انها قناعات بالمطلق، من دون إضافة صفة ملازمة لها، باعتبارها قناعات قصور عقلي موضوعي، يمنحها الجانب الأخير نوعا وشكل استجابات، وأنواع ردود أفعال، وشكل محاكمه لابد من احالتها الى مستوىى بذاته من الحمية الاقتناعية الدنيا ومن غلبة الجسدية الارضوية التي هي صفة وخاصية هذا الطور من تاريخ العقل، ومايشكل ميزته وطبيعة فعله وتجليه، وبالاجمال لاينبغي لنا ان نتصور العقل الغالب السائد في الوقت الراهن على انه "العقل"، والا لفقدنا المدخل السليم، والقاعدة الواجبة الاعتماد، ابتداء في معالجة هذه الظاهرة العريقة والمتكلسة.
استل بالمناسبة هذا النص من / ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ / ( فالعراق كما هو معروف، غائب ابدي، وهو لم يسبق ان تجسد في هوية جمعية، وكل من تناوله او فكر فيه اسقط عليه رؤى ومناهج نظر من خارجه، اذا ماقورنت بالياته الفعلية تضاءلت وقصرت عن ان تقارب حقيقته الكبرى، لهذا يظل العراق حاضرا في الغياب، وتبقى الافكار المسقطة فوق ذاته و"هويته" الخفية الكامنه كتجسيد والحاضرة كوجود وفعل، بينما تظل هذه تبدد الأفكار الوافدة عليه وتبعدها، والاهم انها تفضحها في نهاية المطاف. ان كيانا ذا طبيعة "كونيه" متجاوزه لمنظورات الوطنيه الجزئية او مفاهيم الرؤية الاسلاميه المنتكسة او المساواتيه الاشتراكية " المستعارة" في الحاضر قد لاينتصر بمعنى التجسد الواعي على مدى تاريخ طويل استغرق عشرات القرون، بانتظار لحظة عبقرية كبرى، ماان تتحقق حتى ينقلب تاريخ العالم برمته، ويعود ليدور دورته الأخرى "من جديد")(3) وانقلاب هذه صفته من المستحيل حصوله ناهيك عن اكتمال أسبابه بين لحظة وأخرى.
ومامنا نريد من بداية حديثنا ان نكرس فكرة الانتقالية الكبرى، فمن غير الجائز والحالة هذه ان لاتخطر لنا مسالة " الانتقالية"بحد ذاتها، أي طبيعة الانقلابات المجتمعية حتى التحولية النوعية منها باعتبارها حصيلة غالبا ما يسبقها طور انتقال تتداخل فيه الصفات واللحظات بين ماض آيل للزوال وللاختفاء، ومستقبل وشيك التبلور والحضور، هذا من دون نسيان مدى طول فترات الانتقال او قصرها الموكول الى نوع ومستوى الانتقاليه نوعا، فهل مانقصده هو انقلاب مجتمعي او عقلي تفكري، ام الاثنين معا وبالتزامن والتداخل؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سنعالج هذه الناحية في الحلقة المقبله.
(2)عاش كتابي "ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ"/ دار الانتشار العربي / بيروت 2008 قرابة 12 عاما منذ صدوره الى اليوم، من دون ان يحظى باية التفاته او تنوية، او أي ذكر من أي نوع كان غير تلك التي كتبها صديقي الأردني الراحل غدرا، ناهض حتر، في مجلة لبنانيه سرعان ماتوقفت عن الصدور، فلم يكمل من حلقات مقالته التي كان ينوي نشرها متتابعه، سوى جزئها الأول الذي كان تحت عنوان "نبي من هذا الزمان"، ولست ادعي خصوصية او اهميه ماقد احتواه الكتاب، او ما كان يحويه من موضوعات ومعالجة تستحق التوقف، فلست احتاج لذلك، ولن أقول بهذه المناسبة انني "اتحدى العراقيين والعرب ان ياتوا بمثله"، بل اكتفي بالإشارة الى الدافع وراء المقاطعه التي نوهت بها، مسجلا اول حالة تفارق عقلي موضوعي في ارضه، فليس من حقي ان اطلب بمالا يستطيعه الاخرون من جميع الوجوه، وبالذات من ناحية العدة المنهجية والقياسية المتاحة لهم، في بلد ظل من اضعف البلدان تميزا على صعيد الفكر وممارسته، لاسباب موضوعيه، لاتجيز بطبيعتها الذهاب بالاتباعيات التفكرية المستعارة والمنقولة لماهو اكثر من الاستخدام العملي.
(3) المصدر السابق ص 69 .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نووي إيران.. طهران تردّ على التهديد بالتخصيب | #غرفة_الأخبار


.. توقيع اتفاقيات لمشروع الحماية الاجتماعية في المغرب | #النافذ


.. 136 عاما على نجاح أول مكالمة هاتفية بين بلدين




.. اتنقادات دولية لقرار طهران رفع نسبة تخصيب اليورانيوم


.. محاولات لوقف العنف الدامي في إقليم دارفور بالسودان