الحوار المتمدن - موبايل


ما اختزنته الذاكرة !..

صادق محمد عبدالكريم الدبش

2021 / 1 / 20
الادب والفن


ما اختزنته ذاكرتي عن برد جوريد ( جانيوري ك2 ) .
تأخذني الذكريات إلى خمسون عاما خلت !..
كنت فيها لم أبلغ العشرين أو أكد ..
تزحف بي الذكريات إلى بهرز ... القرية الصغيرة التي ولدت فيها ، كان عدد سكانها لا يتجاوز العشرة ألاف نسمة ، أو قد يزيد قليلا .
الشارع الرئيس فيها لا يتجاوز طوله عن الكيلومتر ونصف أو أكثر قليلا .
بهرز كبناء كان يبدأ من محلة ( مال نصري ) وحتى كهوة أبو ريه ، كان فيها جامعين ..هما جامع ملا روزي رحمه الله ... وجامع محمد عرب .
والمقاهي كانت تتمركز في السوق الرئيس في بهرز ، والذي مازال على ما هو عليه مع بعض التغييرات الطفيفة فيه! ..
وكانت مقهى أخرى في منطقة ( الشاني !..) كانت تسمى مقهى خماس العايز ( البغدادي ) والد الشهيد فيصل خماس العايز ( البغدادي ) وأخرى كانت عند دكان أبراهيم بركة وسط منطقة الفضوة ، وهي مقهى صغيرة كان يديرها رحمه الله ( سيد خليل ) وكذلك مقهى وهاب رحمه الله ..
بهرز يغلب عليها البستنة والزراعة وبعض الحرف اليدوية كالحياكة والنجارة والحدادة .
جل أهلها أما أصحابي بساتين ( ملاكين صغار ) أو ممتهنين للأعمال الزراعية ..يعملون أجراء عند هؤلاء الملاكين ،
الحقيقة أن الغالبية العظمى من سكان هذه القرية ، التي أصبحت اليوم ناحية ونفوسها قد يزيد على الخمسين ألف نسمة .
إن جل سكانها من الطبقة الفقيرة والقليل منهم من الطبقة الوسطى أو الميسورين بعض الشيء.
لا يوجد غني مترف بالمعنى الاقتصادي بما فيهم الملاكين لهذه البساتين .
كان بيتنا مثل باقي بيوتات الناس ، يتألف من من عدة غرف مبنية على شكل حرف ( L ) وأمام الغرف طارمة عرضها بحدود ثلاثة إلى أربعة أمتار ، في الشتاء كانت توضع حزم من سعف النخيل على هذه الطارمة ، للوقاية من برد الشتاء ومن الأمطار والرياح ، تتألف الحزمة الواحدة من عشرين سعفة ونسميها ( باكة ) ، وكانت هناك مساحة واسعة مكشوفة أرض ديار ، للنوم فيها في فصل الصيف .
يوجد في بيتنا كذلك ضمن البيت ، نخيل وأشجار حمضيات وشجرة سدر وشجرة للتوت الشامي .
وهناك مكان للحيوانات ( البقرة .. وتربية خروف أو خروفين أحيانا وحتى ثلاثة وبشكل موسمي ، ودابة لنقل الفواكه من البساتين وإلى البيت ، وكذلك نقل الحشيش لهذه الحيوانات التي نجنيها في بيتنا .
موجود في البيت غرفة كبيرة للميرة .. التموين .. مثل الحبوب والتمور والدبس والطحين والخل .. والطرشي .. والملح وغير ذلك ونسميها البيت الطويل ، وهي عبارة عن عرفة مستطيلة الشكل قد يزبد طولها على الأربعين متر وعرضها الخمسة أمتار .
كان الناس يتوجسون من برد جوريد ، وخوفهم من انخفاض درجات الحرارة دون الصفر !..
عندها ربما سيأتي البرد وانخفاض الحرارة إلى درجتين أو ثلاثة تحت الصفر ، والذي ربما سيتلف محاصيلهم من الحمضيات التي هي مصدر رزقهم الوحيد .
في تلك الفترات لم يثق الناس كثيرا بنشرات الأنواء الجوية ، وبإعلام الدولة ولم يولي اهتمام كبير بذلك ، بتنبيه الناس عن تطور النشاط المناخي في البلاد ، وقد يعتبره البعض بأنه ضرب من الخيال !..
لأن هذه الأمور علمها عند الله !!..
هكذا الكثير كان يعتقد ذلك .
كان الشتاء في بهرز رغم قساوته ، لغياب وسائل الحماية المنزلية وعدم توفر الملابس الواقية من البرد لضعف حال الأغلبية من الناس ، وبما يلائم متغيرات الطقس ومستلزمات مواجهته .
بالرغم من كل ذلك كان الناس يشعرون بالدفأ وهم يجلسون أمام الموقد من الحطب في داخل الغرفة ، وبالرغم من الدخان وشبه العتمة وخاصة عندما ينقطع التيار الكهربائي .
يبقى الفانوص المصدر الوحيد للإضاءة !..
كٌنْتَ تشعر بالدفأ عندما تسمع انهمار المطر وتسمع حفيف الرياح والرعد والبرق ، ترانا نلتحف بالأغطية ونحن متسمرين ومنتشين بهذه الصورة الباعثة على شيء من البشر والخير ، على اعتبار أن المطر وهطوله يعني الخير والنماء والغنى والثراء .
كنت في فترة جوريد أذهب أحيانا للمبيت في بستاننا مع الناطور الذي كان يقوم بحراسة البستان من السراق ( الحرامية) .
تعرفت على المشروب للتو ( الكحول .. العرك ) وكوني لا أشرب في البيت وأمام والدي والأسرة كتقليد اجتماعي ، كنت أخذ معي إلى البستان ( ربع عرق مسيح .. وعلبة باقلاء ) وأذهب إلى البستان في تلك الليالي الحالكة الظلام والقارصة البرد والممطرة في كثير من الأحيان .
أجد عند وصولي بستاننا ، العم الكريم والطيب رحمه الله ، قد أوقد النار من خشب البستان المعد خصيصا لموسم الشتاء ، وأبريق الشاي في داخل الكوخ ... والحِبْ.. مملوء بالماء وموجود كذلك الفواكه وخاصة الليمون الحامض .
في ضل هذه الأجواء وهذا العالم الذي صنعته الطبيعة ، وشاركْتَ أنتَ بجزء منه ، فتجلس مع كأسك وخمرتك والليل وهزيعه ينادموك !...
وفي حكايات وقصص وسرد تلقائي من قبل الشيخ الكريم ( ناطور البستان ) وما عنده من ذكريات ، عن المَسْقُوفْ ( الروس ) وهتلر ..والصٌخْرَةٌ وما عمله الأتراك كان الناس يساقون إلى تركيا ، الذين ذهبوا مجبرين من قبل العثمانيين ، والكثير منهم لم يعودوا أو يموتوا من الجوع !..
كنت أسرح بالخيال وأرى ما رسمته ذاكرتي عن تلك الأزمنة التي أعتبرها جميلة ! ..
أنظر إلى الموقد والنار المشتعلة كأنها أنيسي وزادي ، وصوت الرعد والبرق .والمطر المنهمر في الليل وأخره !..
والقناديل المتلألئة ، البرتقال المتدلي من عناقيده ، فيتراءى للناظر رغم العتمة ، يضيئ وان لم يسقط عليه ضياء .
أنا أقص عليها حكايتي عن ( جوريد ) ك2 ... حين التقيتها بعد ما تخلفتٌ عن اللحاق برحلتي القادمة من لندن إلى كوبنهاكن ، تأخرت حينها لمدة خمس ساعات انتظر الرحلة القادمة .
بادرتني بالسلام .. هل تسمح بالجلوس ؟....
تفضلي ..أهلا وسهلا !..
إلى أين وجهتك ؟..
قصصت لها الحكاية ، وكيف لم ألحق برحلتي إلى الدنمارك !...
متى سيكون الموعد الجديد ؟ ..
بعد عدة ساعات .. هل تشعرين بالبرد ؟ ..
علني أبحث عن مشترك بيننا لنقضي السويعات القادمة معا !..
بادرتني ومن دون مقدمات ، هل تشعر بالسعادة بالتأكيد وأنت بجانبي ؟ ..
لا أدري .. ولكن الإنسان يبقي ذاته على مقربة من الأمل ، بشيء متجدد وجديد !..
قالت لم تجبني ؟ ..
هل الحياة أنصفتك ؟..
فبادرتها !.. وهل نحن أنصفنا انفسنا والحياة معا ؟..
البؤس والحزن والألم وجحود من نحب ..ومرارة القنوط والأسف وجلد الذات أخذ منا الكثير! ..
تذبح الوليد المنبعث للبشر وصفو العمر وجمال الكون ومباهجه وسعته !...
كأنكَ تقول لي وأنت ؟ ..
أنا شمعة أحرقتها الأيام والسنون !..
فكان ضيائها أنيسي وظلمتي وأملي ..ولكن !! ...
ولكن ماذا أيته الطائر المحلق في حانات لندن !..
كنت أجتر سنوات العمر !..
أعيش كطير يبحث عن مأوى يستضل به في يوم شتائي قارص وسط صحراء مجدبة .. لا ضل فيها ولا ضليل !...
هل عشتي النهار ؟ .. ونادمتي القمر ؟ ...
هل ما تكتنز من شوق إلى المجهول قد سخر منك ولم يعد له شيء من الوجود ؟..
هل أحْبَبْتْ ؟..
هل عِشْتَهُ ؟...
أين مضى ؟ ..
كم عِشْتَ من السنواتِ ؟..
أسْتَحْلِفُكِ بالذي تحبيه !..
لا تثيري شجني وشجوني ولوعتي وظمئ الروح وجدب الحياة !...
كلانا نعشق الحياة والزهر والشجر ... والأطفال حتى يكبروا ... والأم والصحب والخلان .
فتبسمت واغرورقت عيناها بدموع ..سقت وجنتيها !..
فقاربت النفس من النفيس !..
اقتربنا ونحن في أنس اللقاء وشجونه !..
ما أجمل وأرفق من مُحْبَيْنِ لم يلتقيا مَرْةُ !..
لكن شاء ربك والعمر .. بزهو وسناء ... وحياء وقبل .
فقالت وهي تودعني هل من رجاء للقاء ؟..
فقلت ولهيب النار في كبدي [ ربما نمرح في غابة ننتظر يصدح الطائر مغردا يقول ربما تجمعنا أقدارنا ذات يوم بعد ما عز اللقاء ، وخرجت منا حشرجات وابتسامة ودموع حائرات !.. وما أدرانا قد نلتقي في أخر العمر أو بعد الرحيل .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بتوقيت مصر : جدل حول استخدام اللغة القبطية في الصلوات


.. قصته أشبه بأفلام هوليوود.. كيف ساعد شلومو هليل آلاف اليهود ع


.. بالغناء والصراخ موالو بشار يعبرون ...و وسيم الأسد -هي مو صفح




.. شاركت لمجرد أغنية -الغادي وحدو-.. الفنانة حريبة: تصدم جمهور


.. أن تكوني فنانة عربية.. رؤى وتحديات