الحوار المتمدن - موبايل


الغموض بوصفه ظاهرة شعرية

حكمت الحاج

2021 / 1 / 20
الادب والفن


(أفخر الشعر ما غمض وما أعطاك معناه بعد مماطلة منه... الجرجاني)

اشترطت إحدى أعرق المجلات الفلسفية الصادرة في بريطانيا ذات مرة أن تكون المقالات المرسلة إليها للنشر خالية من "الرطانة". وذكرت المجلة إن استعمال المصطلحات التقنية والرطانة المبهمة يجب أن يتم تجنبهما قدر الإمكان. وإذا ما اضطر الكاتب إلى استعمال أحدها فمع شرح وتفسير داخل السياق.
يأخذنا هذا المدخل إلى تثبيت مصطلحاتنا نحن أيضا دون رطانة.
سنستخدم في سياق مقالنا هذا مصطلحين اثنين هما الغموض والرطانة مع ثالث متفرع عن الأول بحكم الانتساب، وهو الإبهام. وفي مضمار مقابلاتها في اللغة الإنكليزية فإن المصطلحات الثلاث مدار النقاش هي كالتالي:
رطانة= gibberish
غموض= ambiguity
إبهام= obscurity
إن الغموض لا يخص الشعر فحسب، بشكل عام. بل هو يشمل أيضا الفنون كافة، كالرسم والنحت والموسيقى وحتى فن العمارة. إذ أن المدينة كانت وما تزال من أكثر الظواهر غموضا في عصرنا. هذا ما يقوله معظم فلاسفة الجمال، وما يقوله كذلك كبار المعماريين في العالم من رفعت الجادرجي إلى حسن فتحي إلى زهاء حديد. الأدوات التعبيرية كذلك أصبحت لغزية حتى لكأن الإنسان في القرن الحادي والعشرين هذا، يعيش في متاهة.
بدأ الاتهام بالغموض يستشري منذ أوائل القرن العشرين عندما ظهرت في الفنون التشكيلية المدارس ما بعد الانطباعية، الوحشية، التكعيبية والتجريدية. وعندما أصبح الرسام الشهير بابلو بيكاسو لوحده كمظهر من مظاهر الغموض أيضا، وغير ذلك من الظواهر والأحداث. فلقد حصل قلب في المعطيات والمقاييس في المعنى أو في المبنى، ونقصد هنا بالضبط الأداة التعبيرية (اللون) وما يعبر عنه. ولكن إذا كان الغموض أو الاتهام بالغموض عاما في كل الفنون، فهو من الموضوعات التي يجب أن تـُبحث في الشعر بصورة خاصة. فاللسان من بين الأدوات التعبيرية يشكل أخطرها وبشكل أخص اللسان الشعري، اللغة الشعرية، حيث البيان يأخذ وضعه الأكمل. وبما إن هذا عام في كل الأدوات وعام في كل لسان فإذن نحن أمام ظاهرة عالمية انتقلت إلينا من الثقافة الغربية كما انتقل غيرها من الظواهر. وهذا ربما يشير الى وجود أزمة في طريقة تفكيرنا أو ما يسميه البعض إشكالية أو مشكلية، ولكن ذلك موضوع آخر ليس هنا مجال التطرق إليه في عجالة.
يظهر الاتهام بالغموض في كل منعطف تاريخي وهذا أمر واقع ففي عصر النهضة مثلا لم تكن رسوم كبار الرسامين واضحة مفهومة بالنسبة لمعاصريهم كما هي واضحة بالنسبة إلينا الآن. وكذلك الشعر. لكن الذي يسترعي الانتباه في القرن العشرين هو إن هذه الظاهرة أصبحت عامة تشمل كل الفنون وكافة بلدان العالم مما يدل على أننا كنا في منعطف تاريخي أكثر حسما من كل المنعطفات السابقة. وفي كل منعطف تاريخي تتبدل صورة الوجود والإحساس بالوجود وصورة الإنسان في الوجود، تطمس المعالم لهذه الصور مما يمهد لظهور وتبلور صورة أخرى.
الغموض ظاهرة طبيعية في جميع مراحل التحول في أي مجتمع. وما أسميناه بالمنعطف إن هو إلا الكسر أو القطع في مراحل الانتقال من منظومة قيم إلى منظومة قيم أخرى. من اكسيولوجيا الى اكسيولوجيا، ومن عالم إلى عالم. ولا شك أن هناك غموضا فيما نسميه أو ما اصطلحنا على تسميته بالشعر العربي المعاصر الآن.
لكن نود القول إن هذه الظاهرة، أي الغموض في الشعر العربي الآن، ترجع إلى أسباب موضوعية من جهة والى أسباب ذاتية من جهة أخرى من حيث إن ثنائية الذات الموضوع هي تمظهر بنائي للصراع بين قطبي الصراع: الأنا ضد كل ما هو خارجها، الفرد ضد المجتمع. وبما ان كلامنا على الشعر والشعر فاعلية خلاقة وكما يقول بول فاليري إن الشعر هو الفاعلية، فإن التجاوب معها والتفاعل معها في الشعر يقتضي مستوى عاليا من التذوق والفهم، فلا يمكن فهم الفاعلية الفنية بمجرد التلقي.
الفاعلية الخلاقة تقتضي فيما تقتضيه تلقيا خلاقا وهذا يعني إن القارئ أو الجمهور لكي يفهم قصيدة حقيقية يجب أن يكون خلاقا هو الآخر بمعنى من المعاني.
إذن، موضوعيا نرى إن الظروف التي مر بها المجتمع العربي، (ظروف الاستعمار والكولونيالية القمع والقهر والظروف الاجتماعية المتنوعة وظروف التخلف ثم الحروب والإرهاب)، أحدثت تفاوتا كبيرا في المستويات الاجتماعية ومستويات الفهم بحيث انه صارت هناك شرائح من هذا المجتمع متقدمة جدا بالنسبة لشرائح أخرى (نغض الطرف هنا عن الأمية ونسبها العالية في المجتمعات العربية) هذا التفاوت الكبير بين شرائح المجتمع خلق فئة متقدمة موضوعيا على الشرائح الاجتماعية الأخرى لذلك كان طبيعيا أن تكون طريقة تعبيرها بعيده عن متناول الشرائح الواسعة التي نسميها الجماهير أو عموم الشعب.
هذا من الناحية الموضوعية.
أما من ناحية الفن، فكما أننا في مرحلة تحول على الصعيد الحضاري العام فإننا في مرحلة تحول أيضا على الصعيد الفني الخاص. نحن لم نعد اليوم في العالم العربي في مرحلة ابتكار أشكال جديدة للتعبير وحسب وإنما نحن الآن في مرحلة تغيير حقيقي لمفهوم الشعر كما ورثناه عن الأسلاف، عن مختلف أنماط الأسلاف العرب القدامى والأسلاف الجدد من الحطيئة وحتى بدر شاكر السياب ومحمد مهدي الجواهري وبدوي الجبل ثم عبد الرزاق عبد الواحد وسعدي يوسف فهناك بالإضافة الى مسألة كم أرهص الابتكار طرقا وأشكالا جديدة للتعبير فإن مفهوما للشعر جديدا يرهص الآن بدوره. مرحلتنا الجديدة هي تجاوز لمفهوم الشعر أساسا كما تمت إراثته. هذا المفهوم تغير ويتغير أو هو في طريقه الى التغيير جذريا، ولذلك فإن المسألة لم تعد اليوم مسـألة شكلانية مثل مسألة تغيير الوزن تطويره أو الخروج على القافية أو التمرد على القيود العروضية أو الارتماء في أحضان قصيدة النثر، وإنما المسألة الآن هي السؤال الأساس: ما هو الشعر؟ وما هو معناه؟ هل ما سبق يجب أن يبقى ويـُطور أم علينا أن نبتكر نظرة جديدة؟
ومن مجموع تفاعل هذه العوامل الذاتية المتعلقة بالعملية الإبداعية بالإضافة الى العوامل الموضوعية المتعلقة بعملية التحول والشرط التاريخي، تتكون لدينا تلك الظاهرة التي قلنا عنها إنها "الغموض".
ولكن من جهة أخرى وحتى لا تتحول الإشكالية الى خرافة مزمنة ميتافيزيقياً، فإن ظاهرة الغموض نفسها هي مسألة نسبية جدا.
هل يمكن أن يكون الفن شيئا واضحا تمام الوضوح؟ وهل يصبح عندئذ مقاسا بالعقل والتعقل؟
لو عملنا إطلالة على شاعر كبير ومتفرد مثل الأميركي "والاس ستيفنز" فإننا سنجد إنه مثله مثل العديد من شعراء الغرب في القرن العشرين كان يتقصّد أن يكون غامضا ويتقصّد التفنّن في ذلك. اسمعه يقول بكل صراحة "القصيدة يجب أن تقاوم الفهم بنجاح تام تقريبا". ويقول في مكان آخر "القصيدة تفصح عن نفسها للجاهل فقط".. بل ويذهب إلى أبعد من ذلك عندما يقول إنّ القصيدة قد لا يكون لها أي معنى على الإطلاق، وهذه فكرة احتضنها الشعراء المحدثون الذين آمنوا بأن القصيدة يجب أن "تكون" ولا يجب أن "تعني". وحقا نجد أنّ معظم شعر "ستيفنز" يقاوم التحليل ويقاوم العقل ويرفض أن يخضع لتفسير واحد أو لتفاسير عدة.
عربيا، قد ينطبق هذا التحليل على شعرائنا الكبار المحدثين مثل أدونيس وأنسي الحاج وتوفيق صايغ ويوسف الخال وغيرهم، ولنا في "كتاب التحولات والهجرة في أقليم النهار والليل" و "ماذا فعلت بالذهب ماذا صنعت بالوردة" و "بضعة أسئلة لأطرحها على الكركدن" و "يتبع الساحر ويكسر السنابل راكضا" أسوة حسنة.
حين رشح قبل سنوات فيلسوف التفكيكية الفرنسي الشهير جاك دريدا من قبل بعض الأوساط الجامعية في جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة لشهادة الدكتوراه الفخرية التقليدية، قابل الترشح عدد آخر من الأساتذة بالاحتجاج، حتى كتب أحدهم بأنه رغم تخصصه ورغم متابعته لكتابات دريدا فإنه لم يستطع أن يحدد بوضوح الحد الفاصل بين الفيلسوف في دريدا وبين المشعوذ فيه، فكيف يصوت لترشيحه إذن؟ (ذكره فوزي كريم في كتابه "ثياب الإمبراطور: الشعر ومرايا الحداثة الخادعة"، دار المدى دمشق 2000).
وهكذا نرى، فإنه في جميع مسارب المعرفة وشعابها، ثمة الغامضون وثمة من يعترض على الغامضين، ودائما ثمة من يفترض الغموض غطاءا للتفاهة والسطحية واللاأصالة. وكلنا يتذكر معارك تثبيت البنيوية وتأصيلها في تربة الثقافة العربية المعاصرة بين منتم للتيار النقدي هذا وبين مشكك فيه وصلت أحيانا الى حد التخوين والقذف والاتهام بالعمالة للأجنبي وما الى ذلك من خزعبلات القومجية الشعبوية.
إذا كان الشعر هو فن تغيير العالم لا فن تفسير العالم، فالغموض يصبح ظاهرة طبيعية في جميع الأنشطة الخلاقة. إن كل تغيير ينطوي بالضرورة على شيء من الغموض، بل وأكثر من ذلك نقول إن كل شعر يكون في مثل هذه الانعطافات التاريخية أو مراحل التحول الجذرية (الكسور والقطائع) واضحا بالمعنى الشائع للكلمة، أي شعرا ضد الغموض، انما يكون على الأغلب شعرا تفسيريا سرديا تقريريا، أي أنه شعر لا يقول شيئا في النهاية، ولا حاجة لنا به.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسامير جليدية هاربة من الأفلام!


.. «القفاص» يقتحم عالم السينما في فيلم «هوى»


.. انفصال ثنائي -دافت بانك- رواد اللمسة الفرنسية في عالم الموسي




.. المخرجة بتول عرفة تكشف الكواليس الخفية وراء جمعها بين هانى ش


.. أول ظهور للفنانة عبير بيبرس بالحجاب:-مقتلتش حد-