الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


القانون والفتوي

محمد أبو قمر

2021 / 1 / 21
مواضيع وابحاث سياسية


القانون يحدد الفرق بين ما هو صواب وما هو خطأ ، الفتوي تحدد الفرق بين ما هو حرام أو حلال ، أليس الخطأ حراما والصواب حلالا؟؟!!.
الصواب هو كل ما لايؤذي فاعله ولا يسبب ضررا للآخرين ، والعكس تماما بالنسبة لما هو خطأ .
لكنك تلاحظ أحيانا أن الفتوي تجيز الخطأ بل الخطيئة ، ونكاح الصغيرة هو مثال صارخ علي ذلك ، وأحيانا أخري تتعرض بعض الفتاوي لأشياء خاصة جدا بالشخص سواء رجل أو امرأة ، أشياء تتعلق بحرية الشخص ورؤيته لذاته واختياراته المتعلقة بزيه أو بنوعية الطعام الذي يحبه أو بوضعيته حين يخلد إلي النوم أو طريقة دخوله إلي الحمام أو بالعمل الذي يكسب عيشه منه ( مثل فتوي السلفية التي حرمت العمل في صالونات الحلاقة وتسببت في إعلاق بعض أتباع السلفية لمحلاتهم ) .
ولك أن تلاحظ أن عدد الفتاوي التي تتعلق بشئون المصريين وسلوكياتهم ومماراساتهم للحياة في عام 2020 وصل إلي مليون وثلاثمائة ألف فتوي ، وفي عام 2019 مليون ومائتي ألف فتوي ، هذا علي مستوي الفتاوي التي صدرت فقط من دار الإفتاء ، ناهيك عن الفتاوي الأخري التي يصدرها مشايخ السلفية بتنوعاتها المختلفة والتي منها تكفير الأغيار والنظر إلي المرأة وتحريم الفنون وكافة الفتاوي الأخري المتعلقة بمضاجعة الزوجة المتوفاة وكراهة العلم وتحريم معالجة المرأة عند الطبيب الرجل وهلم جرا.
هذا التداخل أو التعارض بين القانون والفتوي فوق أنه تشوه للأساس الذي يحدد مسيرة حياة المجتمع ، وفوق أنه تشوه للأساس الذي يحدد شكل الدولة ويحفظ توازنها ، وفوق أنه يؤثر سلبا علي المواطنة وعلي العلاقات بين أطياف المجتمع ومكوناته ( الرجل والمرأة ، المسيحي والمسلم ) ، وفوق أنه يمهد الأرض لارتكاب جرائم وخطايا كتزويج القاصرة واحتقار المرأة وإيذاء الأغيار تحت مظلة الشرع ، وفوق أنه أنتج ثقافة مشوهة لا يمكنك معرفة مداخلها أو مخارجها أو عناصرها ، وفوق أن كل من القانون والفتوي ينفي الآخر أحيانا وينشيء سلوكيات غاية في الانحطاط كالقذارة والتنمر والتحرش ، فوق كل ذلك فإنه قد أثر علي الشخصية المصرية تأثيرا غاية في السوء بحيث صار المحتوي العقلي لنا خال من أي انتظام محدد ، ومن أية رؤية محددة للحياة ، ومن أي أهداف أو غايات محددة سوي الوصول إلي نعيم الآخرة والتمتع بالحور العين .
فقدان التنظيم العقلي أفسح المجال للخرافة ، وفقدان الرؤي والأهداف والغايات أنتج العشوائية في كل مناحي الحياة ، في البناء العشوائي ، في التعليم المشوه الذي لا هو ديني خالص ولا هو مدني علمي خالص ، في هذا الخلط الاقتصادي بين ما هو اشتراكي ورأسمالي ، في الإعلام الذي لم تعد تفرق فيه بين الإعلامي والأراجوز ، في السياسة التي صار الموالاة فيها تقبيل السلطة من شفايفها والقول لها ياحلوة يامأطأته ، والمعارضة فيها هي البصق علي السلطة وتلطيخها بالعار ، وفي العلاقات الإنسانية التي صار التنمر والتشفي والرغبة المميتة في تلويث سمعة الغير هي الأساس الذي يحكم هذه العلاقات ، وفي الرياضة التي صار الفوز أو الهزيمة فيها عمل يتعلق بقوة أو ضعف إيمان اللاعبين ، بل حتي صارت العشوائية هي أساس الدراسات العلمية حين لا تستطيع الآن أن تحدد ما إذا كانت بعض الرسائل العلمية هي بحث علمي محض أم هي مجرد مرويات دينية خالية من أي إبداع أو من أي رؤية علمية مبتكرة ، العشوائية أطاحت بكل قدرة علي فصل الأشياء عن بعضها حتي أنك لم تعد تعرف هل رجل الدين هو رجل دين حقا أم هو قطب سياسي يستخدم الدين لتدعيم سلطاته .
لا يقتصر الأمر علي هذه الإزدواجية بين القانون والفتوي ، بل إن القوانين المصرية بعد التشوه الذي أصاب الدستور المصري منذ سبعينيات القرن الماضي وحتي الآن معبأة بظلال من الفتاوي ، حتي أنك لا تستطيع أحيانا أن تفرق بين المادة القانونية وبعض الفتاوي ، ولك أن تلاحظ أن كثيرا من الأفراد معرضون الآن لمحاكمات بسبب ممارسات شخصية خاصة جدا لا تعرضهم هم أنفسهم للأذي ولا تصيب الآخرين بأي ضرر بدعوي منافاة سلوكياتهم تلك للآداب العامة أو للأخلاق أو للأعراف الإفتائية.
هل نحن في حاجة إلي ثورة دستورية تسوقنا إلي دستور آخر يحل محل هذا المسخ الذي مسخ شكل الدولة ، ومسخ الشخصية المصرية وجعل الحياة في خدمة الدين ورجال الدين بدلا من أن يكون الدين في خدمة الحياة ينير طريق الفرد ويعبيء وجدانه بالأمل ويتيح له فرصة الاندماج مع مسيرة الحضارة الإنسانية؟؟!
أنا سأظل متعلقا بالأمل .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إيطاليا.. الجيش يفجر قنبلة أمريكية من مخلفات الحرب العالمية


.. من هي سعاد حسونة الطالبة المتفوقة الناجية من القصف الإسرائيل


.. حريق هائل بخزانات نفط في كوبا إثر عاصفة رعدية




.. إحياء الاتفاق النووي.. هل ينجح مشروع الاتحاد الأوروبي في ذلك


.. أنصار ترمب يتجمعون بالقرب من منزله بــ #فلوريدا بعد مداهمته