الحوار المتمدن - موبايل


الوطنية الزائفة ووثبة العقل العراقي؟/6

عبدالامير الركابي

2021 / 1 / 21
مواضيع وابحاث سياسية


بعد ما تطرقنا له في الحلقة السالفة من الزاوية الأولى، ومحاولة تقريبها من الايضاح، وان يكن اوليا، تاتي المسالة الهامة لمابعد، او مايحايث التفكرات الانقلابية عادة، والمقصود الاشتراطات الموضوعيه ومدى تبلورها ونضجها، فلا أفكار تتحول كما يقول ماركس في واحده من لفتاته الموفقه الى "قوة مادية"، من دون علاقة وثيقة بالاجواء والظروف، وهنا يخطر لنا بما خص الابراهيميه وقراءاتها الكبرى، التجربة الأخيرة المحمدية الجزيرية في القرن السابع، وتلك السلفية الاستعادية الوهابيه الحديثة، ونوع الفارق الذي يباعد يبنهما الى اقصى حد، ما بين حركة متاخره تحمل نصا فقد الاشتراطات اللحظوية، التي كانت تبرره، ووقفت خلفه، واوجبته، وحركة أساس ولد النص الذي هو كمالها الدعوي ضمن الاشتراطات الموضوعية وفي سياقها، محركا من ظروف هيمنه الإمبراطورية الفارسية مع الرومانيه وختق الأولى للجزيرة العربية بعد تمكنها من العراق، وقطع شرايين الحياة، وخلخلة التوازن الحياتي القبلي لمجتمع اللادولة الجزيري المحكوم لاقتصاد الغزو، مع متنفس ضروري تجاري يخترق المجال الصحراوي من جنوبه وعبر البحر الى الهلال الخصيب، وهو ماتم قطعه، مع السعي الدؤوب لاختراق الجزيرة نفسها عسكريا، لولا صعوبة المهمة تضاريسيا واحترابيا، ماقد انتج ازمة مجتمعية، اصابت الخلية المجتمعية لمجتمع اللادولة المحارب/ القبيله/، بلغت اقصى مستوياتها، حتى كادت تفضي لما لايمكن تخيله من انغلاق وانسداد، مااوجب في حينه، وهيا المحفزات باعلى صورها، للفعل الابراهيمي وتعبيريته المطابقة، لان تحضر متاقلمة بحسب خاصيات المكان، متخذة صيغه مافوق قبليه، فتحت الأفق للمرة الأولى والأخيرة امام ظاهرة المجتمعية العقيديه، لتتشكل وقتها في الجزيرة العربية مجتمعية عقيدية محاربه، وضعت اهم خاصيات المكان "الاحترابية البنيوية الاستثنائية"، بموقع الفعالية الموحدة، ماقد حشد وركز طاقات المكان، واخذ بها الى اقصى ممكانتها الاحترابية الضرورية غير القابلة للرد، قياسا الى نوع الاحترابيه الذي كان سائدا في حينه على مستوى المعمورة، ليحولها الى قوة تحرريه ابراهيمه متعدية للمكان الجزيري.
بمعنى ان الوحي الذي نزل على محمد، ابتدا بالاصل ارضويا قبل ان يتكرس سماويا، ولاحقا، لاكمال له الا باكتمال بعدية، فهو لم ينزل في سوريا او العراق المحطم الغارق في الغياب تحت وطاة الانقطاع، ولا في مصر، كما انه وحي مقترن بلحظة وبزمنيه بذاتها، لو جاء قبلها او بعدها، لكان مر مثل مرور دعوة "مانو" النبي العراقي في القرن الثالث، وقال هو أيضا بالختامية النبوية، وبالصلوات الأربع، فاذا كان من سلموا للدعوة، وللنبي العربي في حينه قد فعلوا، فان ماحصل لهم هو بالأحرى وقبلا، اشتراط الواقع المختمرالذي جعل هؤلاء يكونون مهياين كما حدث، لتقبل النداء القرآني المحمدي، الذي ماكان ليلاقي اية استجابه، لولا ان الظروف والاشتراطات كانت قد وضعت اهل الجزيرة في الفرن، وجعلتهم ناضجين "مخبوزين"، ومهياين لاستقبال الحدث التاريخي الكبير والتحول معه وبه، الى ذاتية اعلى بمعنى أوضح، ان "الدعوة" والوحي كانا بالاصل قد نزلا على المجتمع الجزيري، الى ان انضجاه بحيث صاراصلا مجتمعا قرانيا، الامر الذي كان من شانه منح النبي محمد مايعرف ب "التمكين" الذي هو اقرب التعابير في وقتها وزمنها، من ملامسة اشتراطات تحقق الدعوة، ماكان جعل من النبي العربي اشبه او اقرب، مماثلة بالعصر الحالي، الى لنين الابراهيميه العملي، وأول من تحولت الفكرة على يديه الى واقع حياتي، وحالة مايعرف بالإسلام ك"دين ودولة".
وهنا نكون امام واحدة من خاصيات الايمانية الابراهيمية التسليمية، الموكولة الى الجانب العلوي "الكلامي" التواصلي الفردي، النبوي حصرا، الامر المتاتي عن حكم القصورية العقلية إزاء الظاهرة المجتمعية، الغالب وقتها، مايجعل من "الله" او "الغائية الكونية العليا"ظاهرة انشائية لغوية وعظية، لامجتمعية، النبوات ضمن سياقات حضورها عنصر لازم وضروري متطابق مع كينونتها وتحولات تصيّرها، وليس عنصرا حاسما بذاته وبمفرده. وبالمقارنه فان محمد بن عبدالوهاب الذي ظن بان " القران" لوحده، بدون الاطار التاريخي الزمني الذي نزل وسطه، يمكن ان يفعل الفعل نفسه، فكان ان ابتدأ بتحالف قبلي /دعوي، هو السقطة الأولى التي لاعلاقة لها ب"القرآن" ونوع فعاليته المتعدية للقبليه، ولم يكن ليدرك ان الجزيرة العربية فقدت مع الزمن تميزها الاحترابي الاستثنائي، بحكم تطور وسائل الحرب، مااتاح ليس للامبراطوريات الفارسية والرومانيه التي كانت موجودة انذاك، بل ولمحمد على الالباني، ان ينتصر عليها في عقر دارها، الى ان ظهر النفط، وقرر الغرب وريث الإمبراطورية الرومانية، إقامة حكم قبلي ريعي يستعمل الإسلام كايديلوجيا سلطة، مؤسس على قتل الخاصيات الجزيرية البنيويه الأصل، وتشويها كليا.
التوحيدية الابراهيمه هي مسار متلازم مجتمعي تعبيري، بمحطات تعبيرية كبرى وانعطافية مجتمع /دعوية، موكولة الى "الغائية الكونية العليا"، وتصميمها، لا انفصال ضمن مسارها بين المجتمعية وتصيرها، والدعوة التي هي تعبير عنها، ملازم، ومن ضمن"تصيّرها" الصعودي، تظل الهامية نبوية، وشكل تعبيرية مطابقة حدسية، لاعليّة، الى ان يأتي زمن اماطة اللثام عن مكنونها وماتنطوي عليه من غائية نهائية، فتتراجع وقتها الحدسية النبوية، وتحل محلها الرؤية العليّة، اخر تجليات الابراهيميه، ومنتهى قصدها.
يحدث أحيانا ان لم يكن دائما، خلط بين لحظات التحقق الكبرى الانعطافية الابراهيمه،وبين استمرار الايمانيه العامة بين المحطات الكبرى الفاصلة، بما قد يصل لحد الاعتقاد الراسخ المغالي، التوهمي أحيانا، وتحت وطاة اشتراطات بعينها، تتسم عادة بتعرض منطقة الابراهيمه للضغوط، او الحاحية المهمات الضرورية وسط العجز، بحيث يجري الخلط بين الايمانيه الاستمرارية كممارسه عقيديه حياتيه، هي تعبير عن انتماء المكان والمجال الشرق متوسطي بالذات لنمط معين من التفكرات والتجليات التعبيرية، وبين الانعطافات والقراءات الكبرى، الموكولة لاشتراطات وضرورات نابعة من سيرورة المجتعمية الابراهيميه، وللضرورة الآنية الواجبة ضمن الايمانية، كما تتقرر وتتوفر أسباب نضجها حسب السيرورة التاريخيه، ومثل هذا الخلط يجافي ويخالف جوهر التجلي الابراهيمي، ويحيله من الإرادة العليا وحضورها، الى الارادوية الفردية، والقصور العقلي، مع ماينتج عن حال كهذا من اختلالات، يمكن، لابل قد يكون تفاقمها مما يفضي الى انتهاء مفعول واستقامة عمل مرحلة من مراحلها، كما الحال المسيطر منذ انتهاء الدورة الثانيه، بعد سقوط بغداد وصعود مايمكن تسميته "اسلام زمن الانحطاط" اللاحق على الدورة الثانيه، متجليا بظهور من يسمى "الامام الخامس"، ابن تيميه، وريث الحنبليه التي لم تكن أيام حيوية الدورة الثانية، سوى تيار صغير معزول، وصولا الى محمد بن عبدالوهاب، وابن لادن، و"داعش"، وامثالهما من تعبيرات تحويل الايمانيه العادية الانتمائية العائدة للكينونة، الى تحققية انعطافية في غير زمنها، بظل انتفاء الأسباب الموجبة لانبثاق مايماثلها، وينتمي لها، أي نقص الوحي، الناجم عن افتقاره لاهم مكوناته وركائز تحققه من متغيرات تمهيدية، على صعيد الواقع حياتيا...
لم يكن ليستقيم في حينه القول: "لايغير الله مافي قوم الا بعد ان يغيرمابنفوسهم" بمعنى تبديل الاشتراطات النفسية واقعا، بما يتيح لهم ويؤهلهم للتغييرالواجب القادم، وهو ماتنطوي الرواية التوراتيه على اشكال منه مختلفة عن تلك التحققيه مثل دعوة "نوح" المستمرة على مدى بضع مئات من السنين، الى ان جاء الطوفان وحسم الموقف لصالح باني السفينه الذي كان يتلقى الهزء، وكذا بدرجات، كان يحدث مع العديد من النبوات والارتدادات الناجمه عن ضعف حضور السند الواقعي كما تجسده حالة العبرانيين، وارتداداتهم حتى برغم تجلي الله عيانا لنبيهم، فعلى هذا المنوال كانت النبوة كمسار، تكرس الخاصية، ونوع التعبيرية المطابقه داخل كيانيه الاحتشاد النمطي المجتمعي لمنطقة وكيانيه الشرق المتوسطي، وتمنحها هويتها المتعدية لحدودها اجمالا، ومع توزع الاختصاصات على كياناتها الفرعيه، بما ينفي الاعتباطية والنوع توزعا جغرافيا،فمصر على ضخامتها لم تنتج الابراهيميه، ولا كانت قادرة على انجاز واحد على مليون مما انجزته الصحراء الجزيرية على صغرها وطرفيتها، وأهل الابل ساكنيها، من تحرير باهر، كسر الامبراطوريات الكبرى، وحقق امتدادا عالميا باقيا.
ماتقدم كله يقع ضمن الحديث عن الاشتراطات داخل الطور الواحد من تاريخ الابراهيميه وتجلياتها، له بداية مايزال يكتنف اليات تشكلها الغموض، ومحطات لاحقة تمثل بمجملها وحدة تستحق ان تعرّف، وهي بالأحرى زمنية النبوة الحدسية المنتهية عند النبي محمد، فماهي ياترى الاشتراطات واشكال التجلي الراهن مابعد النبوي، لما نطلق عليه، الرؤية الكونيه التحولية العليّة، وكيف يمكن تخيل او تصور حالة تجليها اليوم، بعد انقضاء الدورة الثانيه ببعدها الامبراطوري، وماتبعه من صعود غربي، وانتقال الى الالة والمصنعية، ومانوع الاستدلالات والمجهود المتصل بها وبحضورها الراهن، وهل هي ضرورية ولازمة، وكيف سيكون انبثاقها،وهل هو كائن تمهيدا،؟الاسئله المكملة والواجبه هنا تنصب على:
ـ هل نحن امام او بصدد بدء جديد، مع مايتوقع ان يلازمه من انتقالية بين عالمين وزمنين، وما يمكن ان يواكب ذلك من تدرجية انتقالية بين النبوية الالهامية، والابراهيمية العليّة؟
ـ وهل سيقتضي ذلك "اسفارا" تتعدد كما كان عليه الحال توراتيا، او حتى محطات قرائية من نفس صنف، وعلى شاكلة ومنوال النبوات الكبرى، ام ان شخصا واحدا بعينه سيكون معنيا بإنجاز المهمه اليوم بكتاب واحد او عدة تاليفات.
ـ هل التدرجية ستكون محتمه مابين محطتين، بحيث تبدا الدعوة العليّة بحالة مقاربة اولا للمطلوب، ثم تنتقل الى النطق الافصاحي الكامل، ام ان بالإمكان تصور احتمالية النطق المكتمل ابتداء.
ـ وأخيرا، ياترى كيف ستكون علاقة التجلي الفكري بالاسباب الواقعية المادية، وتوازيها على الأرض، وهل ستكون الوقائع الحياتيه حاضرة وجليه، اكثر او اقل مماكانت تتجلى ابان الزمن النبوي المنقضي، باعتبار المقصود اليوم "نهاية الزمان"، واشتراطاته التي من شانها تذليل عقبة الانتقالية بين طورين، فتمنح والحالة هذه الفكرة أسباب القبول، وممكنات التحول الى قوة مادية متبناة.
ذلك ماسنتوقف عنده في الحلقة القادمه.
ـ بتبع ـ








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. محمد الزغول: العقوبات الأميركية لا تحتاج إلى أي شرعية دولية


.. انطلاق القمة -المصرية - التونسية- بقصر الاتحادية


.. وزير خارجية العراق وأمين عام الجامعة العربية يبحثان سبل دعم




.. كلمة للرئيس قيس سعيد خلال المؤتمر الصحفي المشترك للرئيسين ال


.. شاهد نهاية خلاف عن الأرض .. ذبـــ_ـــحوا الأول والثاني في ال