الحوار المتمدن - موبايل


المسرح السيري

أبو الحسن سلام

2021 / 1 / 24
الادب والفن


المسرح بين أدب السيرة الذاتية

والتراجم الأدبية


دراسة تحليلية لمسرحية ( القلب الشجاع )



للأديب : محمود عوض عبد العال




أ.د/ أبو الحسن سلاّم

أولاً : من الأسس المتعارفة في الكتابة المسرحية ما يأتي :
• أن تقوم الدراما على التكثيف شأنها شأن الشعر
• أن تقوم الدراما بالتقاط اللحظات الساخنة
• أن تقوم الدراما المسرحية على خلق توازن بين لغة القول ولغة الصورة
• تأسس الدراما على نظرية المحاكاة باستثناء المسرح الملحمي الذي تأسس على نظرية الحكي التام (التغريب) ومسرح العبث الذي تأسس على نظرية (الحكي الناقص) .

فالكاتب وفق النظرية الأرسطية : يحاكي أفعال الشخصية أي يجسدها تجسيداً فنياً قائماً على الإيهام بمصداقية متبادلة بين العرض المسرحي وجمهوره وذلك اعتماداً على المعايشة .
والكاتب وفق النظرية الملحمية : يعيد تصوير الحادثة بسلبياتها وإيجابياتها من منظور غير تقليدي وغير معتاد . منظور حداثي يتيح للجمهور اكتشاف دلالات جديدة متعددة للحكاية الشعبية أو الأسطورة بعد أن يفرغها من مضمونها القديم ويضع فيها مضموناً حداثياً عن طريق الحكي مسنوداً بالدوافع وبالعلاقات الاجتماعية التي تستهدف إعادة تصوير الصفة الاجتماعية للفعل بعيداً عن الصفة الفردية التي نظر أرسطو .
أما النظرية العبثية : فيصور كاتبها المسرحي المظهر السلبي للفعل . يصور ظلال الفعل لا الفعل نفسه لذلك فإن المسرحية العبثية أو الرواية العبثية لا حدث فيها فالشخصيات تدور حول نفسها فعلاً ولغة ومظاهر دون أمل في التغيير مما يوحي بعبثية الوجود نفسه .
فعلام تأسست الكتابة الدرامية في مسرحية (القلب الشجاع) :
• هل هي من مسرح الفكر ؟
• الإجابة بالنفي لأن مسرح الأفكار إما أن يكون مسرح فكرة يواجه بها الكاتب فكرة أخرى ويضعهما في محك صراعي يميل إلى روح النقاش لينتصر في نهايتها للفكرة المحورية التي أرادها . وهذا كثير عند الحكيم وعند برنارد شو وعند كتاب العبث وكتاب المسرح الوجودي وكتاب المسرح الملحمي .
وإما أن يكون مسرحاً ذهنياً (كشهرزاد وبيجماليون) عند الحكيم حيث يحتاج المتلقي لزمن إضافي شأن متلقي الصورة الشعرية ليحول الصورة الذهنية للحوار إلى صورة معنوية حتى يتسنى له أن يصل إلى دلالتها وهذا قريب من بعض الصور في المسرحية الشعرية إذ تحتاج إلى زمنين للوصول إلى المعنى أو الدلالة وهو أمر لا يستطيعه جمهور المسرح لأنه يعتمد على زمن واحد للإرسال والتلقي معاً . حيث الترجمة الشعورية والمعنوية والجمالية تكون فورية .
وإما أن يكون مسرح أفكار ، حيث تتحول شخصيات المسرحية إلى أفكار تتصارع فيما بينها كما هو الحال في مسرحية (السلطان الحائر) لتوفيق الحكيم وفي المسرح الوجودي وهو ليس صراعاً بالمعنى الدرامي التقليدي ولكنه نوع من أنواع المقاومة . حيث تبدأ الشخصية ثورية لتنتهي رجوعية عن طريق دائرية الأسلوب ولذلك اصطلح الحكيم لمسرحه وربما لفكره كله ما أسماه بالتعادلية ، إذ لا غالب ولا مغلوب في النهاية . انظر (السلطان الحائر ) و (شمس النهار) .

ثانياً : من الأسس المتعارفة في أدب السيرة الذاتية والتراجم :
• ارتباط أدب السيرة والتراجم بالشخصية وهو ما يفرض انطلاق الكاتب من الشخصية على عكس اتجاهات الكتابة انطلاقاً من فكرة ما أو انطلاقاً من الحدث أو انطلاقاً من حالة ما تهيمن على الكاتب في تهويمات الخيال المجنح .
ونص (القلب الشجاع) كما جاء على هامش عنوانها (رؤية مسرحية عن حياة الأديب .. عباس (العقاد) .
• اعتماد النزعة الطبيعية في الأدب والفن على مبدأي (الوراثة) و(البيئة) وسلوك الشخصية هو المظهر الذي يتجسد من خلاله مبدأ الوراثة . أما مظاهر البيئة وتأثيراتها فتجسدها ألوان السرد الوصفي لتفصيلات البيئة في الحدث الدرامي للعمل الأدبي رواية كانت أم مسرحية .
ونص (القلب الشجاع) المسرحي يغض بالسرد الوصفي للمنظر ولكل شاردة وواردة تخص الشخصية إذ يجد القارئ للنص ما يزيد على الخمسة عشر إرشاداً في الصفحة الواحدة – أحياناً – عن حركة الشخصية وإشاراتها وإيماءاتها وتفصيلات الغرفة وأوصاف تفصيلية للزي الذي ترتديه .. وما شابه ذلك من تفصيلات هي أصل في أسلوب المدرسة الطبيعية في الكتابة الأدبية والفنية الإبداعية.
ثالثاً : من الأسس التقنية التي تتميز بها الكتابة الدرامية ما يأتي :
• كشف الحوار عن جوهر ما تريد الشخصية وجوهر ما تشعر به ولم ألحظ ذلك في حوار الشخصيات باستثناء بعض المواقف لبعض الشخصيات .
ومن أمثلة ذلك قول السيدة التي اقتحمت على العقاد مجلسه في بيته وفي أثناء وجود المازني وشكري (ص42 وما بعدها) :
" السيدة : ( وهي تدخل الحجرة) مساء الخير يا أستاذ
عباس : ( في حدة ) مساء الخير .. من أنت ؟
( شكري والمازني يطن الصوت النسائي في آذانهم .. يتلفتان بسرعة في دهشة عارمة )
السيدة : ( في دلال ) زكية جارتك .. نسيتني ؟

• وجوهر ما يشعر به العقاد في رده عليها .. هو دهشته ( في حدة)
• وجوهر ما يريده هو التعرف على هوية تلك السيدة التي اقتحمت خلوته (من أنت؟)
• وجوهر ما تريده السيدة هو الإيحاء بالحميمية
• وجوهر شعورها هو الشعور بالأسف والعتاب .
• التحول الدرامي للشخصية .. فمن خلال تطور الفعل ورد الفعل تتغير مواقف الشخصية .
- وهذا قليل أيضاً في نص (القلب الشجاع) ومن أمثلة تحول المازني (ص73 وما بعدها)
من حالة الانطلاق والمرح إلى حالة الاكتئاب والعزلة والتشاؤم ومعاداة المرأة بعد أن تبين له عدم وجود شخصية باسم (فاخرة) فقد اكتشف أن عبد الحميد رضا وهو في الحركة الأدبية المصرية على أيامه قد دبر له مقلب عبثي إذ كان هو من يكتب رسائل الغرام والمناقشات النقدية باسم سيدة وضع لها اسم (فاخرة) ووقع المازني في هواها عن بعد عن طريق الرسائل مما أوقع المازني بعد اكتشافه لتلك المعابثة الثقيلة في حالة من الحزن خاصة بعد أن اشترطت عليه (فاخرة) المزعومة بأن يطلق زوجته حتى يتحقق له وصالها .
- لم يظهر التحول على العقاد وهو الشخصية المحورية بعد خروجه من السجن لنقده للملك في الصحافة .
- غيبة الدوافع من وراء الأفعال : دافع عبد الحميد رضا الحقيقي والخفي من وراء اصطناع رسائل غرامية يبثها تحت اسم زائف اخترعه لامرأة أديبة وناقدة خفية محبة للمازني حتى كاد أن يعصف بأسرة المازني مما دفعه إلى هجر الحياة الأسرية والسكنى في مقابر الإمام الشافعي (ص73)
- ندرة المفارقة الدرامية في هذا النص مع أن المفارقات الدرامية شيء رئيسي في البناء الدرامي للحدث ومثال ذلك في حوارية ( السيدة زكية ) التي اقتحمت مسكن العقاد (ص34) .
" المازني : نعم .. صحفية مثلاً
السيدة : نادية بنت مؤدبة .. وشريفة .. ولا تخرج إلاّ مع والدتها "
• فكأن من تعمل صحفية غير مؤدبة وكأن من تخرج دون مصاحبة والدتها لها غير شريفة .

رابعاً : من الأسس المتعارف عليها في كل إبداع أدبي أو فني أن تظهر بصمة المبدع وهو أمر تقوم العناصر الفنية للأسلوب فالحكيم مثلاً يتميز في حواره المسرحي بخاصية تلغرافية ورشاقة أسلوبية وروح النقاش ( جدل عباس وساره م2 ف 2 ص ص 89 – 119) والجدل وجماليات الصورة الفكرية والذهنية وشاعرية اللغة وبدائرية الأسلوب وبناء الحدث الدرامي وفق منظومة الحواريات (الثنائيات المتنوعة بحسب المواقف الدرامية) .
• وفي نص (القلب الشجاع) تتضح منظومة الحواريات وفق المواقف الفكرية المصطبغة بروح المقاومة أكثر من روح الصراع لأن الصراع الدرامي يقوم على فكرة الغالب والمغلوب وليس يكتفي بالتعادل في المواجهات والحوارية مواجهة بين شخصيتين حول موقف معين يتسلح فيه الطرفان بروح الجدل والمناقشة بغية المقاربة أو التوسط إلى رأي أو موقف يرضي الطرفين وهو جدل ينتهي في النهاية إلى دعوة أرسطو إلى الوسط الذهبي الذي يرى الفضيلة وسط بين رذيلتين ومثاله كثير في هذا النص (راجع عرضه لموقفه من طه حسين)
• وفي هذا النص أيضاً تظهر بوضوح تأثيرات التأليف القصصي بما ينفرد به من سيادة روح الحكي . والحكي حديث عن الماضي وحديث عن المستقبل (راجع المشهد الافتتاحي للفصل الثالث ) حيث يستمر العقاد في كتابة توصيفية لسلوكيات سارة بصوت مسموع . كما أنه في وصف الكاتب للجو العام للبيئة وللتفصيلات المكانية والزمانية التي تكتمل بها الصورة أمام القارئ . غير أن ذلك متروك في المسرح لخيال مبدع ثان ومبدع ثالث ومبدع رابع هم (المخرج – مصمم الديكور – مصمم الأزياء – مصمم المؤثرات الضوئية والحيل المسرحية ) – غالباً - .
• في هذا النص تغيب لغة الصورة وتطغى لغة الكلام ، والمسرح تتوازن فيه الصورة مع الكلام لخلق التنويع وصنع الجماليات حتى يتحقق بهما معاً المعادل الموضوعي فيمتع قبل أن يقنع ثم يؤثر .
• المسرح يركز على المواقف التي تغير من مصائر الإنسان ولا يظهر من هذا سوى وصف المازني للمقلب الذي دبره له عبد الحميد رضا وإن لم يأخذ عنايته عند المؤلف مع أن موقف المازني ومصيره قد تبدل إلى حد كبير .
• أيضاً لم يظهر تبدل مصير العقاد بعد تجربة السجن التي كانت لقطة ساخنة تستأهل الوقوف عندها طويلاً ، لأنها تجربة خاصة ، لاشك غيرت من مسيرة العقاد بشكل ما ، لأنه شبه متفرد فيها عن غيره من الأدباء في عصره ، فشوقي نفي ولم يسجن وقد ظهر تأثير نفيه في شعره ، وبيرم نفي ولم يسجن وظهر تأثير ذلك في شعره وفي نثره . وأحمد فؤاد نجم سجن وقد ظهر أثر ذلك في شعره ، وأوسكار وايلد سجن وقد ظهر تأثير ذلك في مسرحه ، فأين أثر السجن في أدب العقاد وفي فكره وفي حياته مما عرضت له المسرحية . لا يوجد .
• تسهم العناصر الفنية في كل عمل أدبي أو فني أو مسرحي في إبراز بصمة المبدع إذا تكرر توظيفها لتصبح خاصية من خصائص أسلوبه الإبداعي كالتشويق والتوتر وأفق التوقعات والمباغتة والتورية وتقنية الشخصية القناع والتكرار التوكيدي والتكرار اللازمة* والساتيرية (روح التهكم) والدهشة والتخلص الدرامي ( الخروج بنعومة من موقف إلى موقف آخر في الحدث الدرامي ) وخصوصية اللغة الذاتية لكل شخصية - شاعرية اللغة– التكثيف والرمز والتناص والسرد الانعكاسي ودائرية الأسلوب وتيار الشعور وتيار الإدراك كل منهما في موضعه من الحدث الدرامي وكذلك الغناء والمؤثرات .
وهذه العناصر كثير منها يوجد متفرقاً خلال النص فيا لحوار وفي النص الموازي (الإرشادات) – تيار الشعور في موضعه الدرامي .
وقد تكون في موضعها من دراما الحدث وقد يبدو بعيداً أو غير موفق من حيث موضعه كالناي وعزفه المتقطع في الافتتاحية السردية الطويلة وغير المسرحية للفصل الثالث حيث يقرأ العقاد في الكازينو ما كتبه حول علاقته بسارة ورأيه الذي يعريها فيه إنسانياً فالناي يناسب حديث المشاعر الفردي الذاتي والحديث هنا هو حديث الوصف أو الحكي الخارجي حول الإطار السلوكي لشخصية سارة ولا معاناة فيه . والناي كمؤثر صوتي نغمي يناسب حديث المعاناة الداخلية الذاتية لا حديث الوصف الخارجي الذي هو في مجمله مجرد رأي للشخصية قد يصدق وقد يكون موهوماً أو يجري مجرد الكذب . والناي أنسب مع حالة الحزن الفردي وهذه حالة انتقاد يحركها الفكر لا الشعور.
- في المسرح يتم الاسترجاع بالصورة التشخيصية أكثر من استرجاعها باللغة الملفوظة. خاصة وأن قراءة الشخصية لما كتبته تسترجع بعين الذهن دون أن يسمع صوته ، ولأن الصوت الذي يستعيد ما كتب هنا مسموع لذلك يخرج عن نطاق النزعة الطبيعية وهنا يوجد خلط في أسلوب الكتابة بين الطبيعية والتعبيرية وإن كانت التعبيرية تعنى بكشف المعاناة الداخلية للذات وليس في تسميع العقاد لنفسه صوت ما كتب معاناة . وتظهر الخلط واضحاً في الأسلوب التعبيري الذي يعتمد تقنية السرد الانعكاسي المتخيل حيث يجري حوار بصوت العقاد مع الفتاة الأفغانية في الفصل الرابع .
- وتتبدى تقنية الكاتب عالية في افتتاحية الفصل الرابع حيث يقود خيال الكاتب قلمه ، إذ يشخص ذهن الفتاة الأفغانستانية صوت العقاد في شيخوخته حينما تزوره في منزله الذي تحول إلى منزل تبدو عليه مظاهر الفخامة مما يكشف عن حالة التحول الاجتماعي ، وهو تحول يظهر في تحول صفة الشيخ أحمد التي عرفناها له في الفصول السابقة (أيام الفاقة أو توسط الحال ) إلى صفة (الخادم) . كما أن لغة الحوار هنا ازدوجت في توجه الخطاب ، فهو يوجه للشخصية كما يوجه لنا نحن الجمهور المتلقي في آن واحد :
"خطوة من هنا تلاقيك بهوميروس "
" الصوت : أمامك الآن شعر ودين ونثر وسير .. وطبائع وحشرات الجزء الأخير باللغة الألمانية والفرنسية "
الكاتب يتقنع خلف صوت العقاد ليخبرنا عمّا تحويه مكتبته وهو قناع متقن بحق وفي مكانه وكان أنفع لروعة الاستهلال أن تبدأ به المسرحية في غير تسلسل منطقي .

• في الختام فإن هذه اللفتة الأدبية نحو تعظيم دور علم من أعلام الأدب والفكر العربي من خلال ترجمة حياته ترجمة مسرحية وإن طالت وتمددت في أربعة فصول في عصر اللهاث الإيقاعي ، عصر لغة الجسد ولغة السينوجرافيا ( المعادل التشكيلي للموضوع المطروح) ؛ إلاّ أنها لفتة يجب أن تحظى بالتقدير والثناء لكاتبها بغض النظر عما شابها من التباس وتداخل عناصر القص والحكي مع عناصر المحاكاة الدرامية المسرحية فهي تجربة جيدة لها ما بعدها .




15 / 9 / 2004م








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عروض أزياء صيف 2021.. أفلام ستبث على شبكات التواصل الاجتماعي


.. ثلاثة اعمال درامية ينافس بها الممثل السعودي شعيفان محمد في م


.. صباح العربية | السينما الأوروبية في ضيافة القاهرة




.. كلمة أخيرة - المخرج بيتر ميمي: فخور أني أشتغلت مع كريم عبد ا


.. إنجي علاء مؤلفة -كوفيد 25- تكشف كواليس عملها مع زوجها الفنان