الحوار المتمدن - موبايل


شعبان المهاجر

كامل عباس

2021 / 1 / 27
الادب والفن



أنا شعبان المهاجر لم أكن أظن يوما أنني سأكون مهاجرا لينطبق الاسم على المسمى بخلاف رغبتي,عشرات المرات قلت لوالدي : تمنيت ان يكون اسمي شعبان المقيم بدلا من المهاجر, ربما جنى عليّ موقع قريتي داخل بلدتي في سوريا والذي جعلها هذه الأيام أشبه بشهدة عسل تجذب الذباب اليها من كل أنحاء العالم, قريتي المرج بوابة الغوطة الشرقية نشأت وترعرعت كفلاح بن فلاح في جناتها التي تجري من تحتها الأنهار. تركت المدرسة وتزوجت باكرا والتصقت بغوطتي وبستاني , ومثلي مثل أبناء قريتي كنت وما زلت ديّنا ومتمسكا بمذهبي السني الحنيف لكنني لم أكن يوما متعصبا ولا اكره لا العلويين ولا المسيحيين ولا ابن أي طائفة او دين في العالم ( كلمن بدينو الله يعينو ), كما انني كنت انفر من السياسة بوصفها كذب ونفاق وخبث ولف ودوران تأباه روحي, هكذا كان حالي عندما جاءت سنة 2011 الى سوريا , لم أشارك بأي مظاهرة قامت بها القرية والقرى المجاورة ولم أغادر بستاني واستمر الحال كذلك حتى عام 2013 الذي بدأ حربجيا بامتياز على عكس سنة 2011 فكانت الفرصة السانحة للمتربصين بأهلنا وشعبنا ليصبوا الزيت على النار بإمدادهم كل ما يحتاجه المتظاهرون من السلاح والعتاد والمال . قريتي أصبحت مقرا للجهاديين بفضل موقعها بين المطار والغوطة فهي الحد الفاصل بين القرى التابعة للمسلحين المناوئين للحكومة مثل حران العواميد والعتيبة والجربا وغيرها وبين القرى الكارهة للحكم ومخابراته مثل قرية النولة و دير سلمان والبلالية والقاسمية والبحارية وميدعا .كانت الحرب سجالا بين الفريقين فيها كّر وفّر , استولى أنصار النظام على القرية أوائل عام 2013فخرجت مع عائلتي الى عند أقربائنا في قرية القاسمية لكنهم استعادوها بعد ستة أشهر , عدت الى قريتي وبستاني لأرى فيها عجبا , لم يكتفي العسكر بتعفيش الأساس المنزلي بل تعّدى ذلك الى خلع الأبواب والشبابيك والبلاط والكابلات النحاسية وحتى فتحات الصرف الصحي, قطعوا الأشجار قصّوا عواميد الكهرباء , المشكلة كلهم جنود فقراء ولا يكفيهم راتبهم وهي فرصتهم من اجل تحصيل مورد اضافي مما جعل أهالي القرية يتعاطفون أكثر من السابق مع المسلحين , اما المسلحون الخارجون عن الدولة فتصلهم أموال قارون من الدول المموله لهم ولذلك يذهب تفكيرهم باتجاه الشحن الطائفي ضد هؤلاء الجنود الموصوفون بالنصيريين الخارجين عن الدين الاسلامي , كان ذلك التعفيش حطبا في إذكاء نار الحرب بين الجهتين نالت منها قريتنا حصارا جعلنا بحق نعود للحياة فيها الى العصور الحجرية , قُطِعت عنا الكهرباء والماء فلجأنا الى الطاقة الشمسية والى حفر الأبار الارتوازية . ضربت البراميل المتفجرة الأفران فحفرنا بلدا منها تنانيرأ تعمل على الحطب, واذا لم نجد حطبا لها أحيانا نسرح في البراري لأكل الحشائش وهي طعام صحي ومفيد للجسم أكثر من الطعام العادي بحسب فتاوي فقهاء الجهاديين !! لم أفكر في مغادرة القرية لا أنا ولا عائلتي علّ وعسى أن تتغير الظروف مستقبلا لكنها تغّيرت الى الأسوأ بعد أن قويت شوكة المسلحين بدلا من ان تضعف , صرنا في القرية أشبه بضفادع تذهب معيس بين أرجل الجواميس المتقاتلة على أرضنا حتى جاء عام 2015 ومعه الدب الروسي الى كرمنا , تعهد الروس للنظام بإعادة قريتنا والقرى المشابهة الى بيت الطاعة أو تدمير الشجر والبشر والحجر فيها.لذلك انهمر علينا بردهم وسلامهم من الجو . تفتقت عبقريتي عن حّل يجعلنا نبقى على قيد الحياة , قلت لزوجتي لي قريب يعمل مع المسلحين ويتردد الى احدى المغارات التي أعرفها سأذهب اليه للمشورة , نصحني قريبي وصديق طفولتي بأن أبيع ما عندي واستخرج ما هو مدفون في البيت من حلي وذهب وأحمل ما خف وزنه وغلا ثمنه ليشرف على عملية تهريب مكلفة فالحواجز كثيرة كما قال ولكل منها سعره وسماسرته ونصّابوه .
بدأ مشوارنا من القرية الى القلمون ومن القلمون الى طرابس في لبنان وعلى الحواجز رأيت وسمعت ما تشيب له الولدان وأسوأهم حواجز الحزب الالهي والحواجز وما أدراك ما الحواجز تتناسى الصراع بين الجانبين وقت التهريب المدفوع الأجر لتتقاسم عرق جبين مئات السنين لأمثالنا الفقراء الضائعين , وفي طرابلس يشاء القدر ان نصل اليها مع موجة برد وثلوج رهيبة والسوريون وأطفالهم عرايا في هذا البرد القارس وينامون عل الطين والتراب والسيول , لابد من مهرب اخر فهنا موت آخر ببطئ هذه المرة .
- رحلة الموت الثانية في البحر الى اليونان تعرفت فيها على عالم تهريب كله أساطير , تساءلت هل هؤلاء بشر ام شياطين ؟! هم جاهزون وفي قلب الموج لاقتلاع احدى عينيك أو أحدى كليتيك أو أي عضو من جسمك ليبيعوه في أسواق اليونان .في هذه الرحلة أرسلت اثنان من أولادي الى قاع البحر كطعام لأسماكه بعد ان خذلتهم أجسادهم في الصبر على تلك الظروف المأسوية .
- رحلة الموت الثالثة كانت في اليونان ذاتها مع الشرطة والحرس والتدفيش والتلطيش والانتظار أحيانا اكثر من ساعتين في الدور على المرحاض لقضاء حاجتك الفيزيولوجية .. تلك المعاملة جعلتني انا وزجتي نشد الرحال الى المانيا , وفي المانيا استقر بنا المقام لتصبح السياسة في حياتي داخلها محل بستاني داخل قريتي قبل الثورة ,نقاشات عديدة خضتها مع الألمانيين المنقسمين على أنفسهم في هذا الزمن الرديء, بعضهم يعتبر المهجرون مثلنا خطرا على المانيا وبعضهم يدافع عنهم بوصفهم بشرا اضطروا على مغادرة منازلهم بعد عجز المجتمع الدولي عن حمايتهم .في كل تلك المناقشات كنت هادئا أدافع عن وجهة نظري , لكني اليوم فقدت هدوئي واتزاني . دعيت الى ندوة لمناقشة أطروحة روسيا الأخيرة حول عودة المهجرين السوريين الى بلدهم . ارتفعت نبرتي في آخر مداخلتي بعد ان كاد الدمع يشرق بي فجادت قريحتي بالقول :
ما يحيرني حقا دولة مثل روسيا تنطّحت فترة للدفاع عن الطبقة العاملة والطبقات المسحوقة , والآن تتنكر لكل تاريخها وما فعلته بقريتي والقرى السورية خير شاهد على ذلك واذا سلّمت ان كل الدول الحالية تنطلق من المصالح وليس من القيم فكيف أسّلم لدولة تكذب على نفسها وعلى شعبها وعلى العالم بهذه الطريقة ؟ولماذا لم يستخلصوا العبر مما جرى لهم بعد كذب مديد على شعبهم حول اشتراكيتهم التي أوصلتهم الى دولة الشعب بأسره , والى اين أوصلهم ذلك الكذب ,كل أهالي قريتي يجمعون على القول : النظام الحالي أكثر توحشا وظلامية من السابق بفضل دعمهم له وهم يصرون على ان الوضع استقر في سوريا بفضل طيرانهم ؟ . لن أعود الى قريتي في ظل هذا الوضع الا مقيدا .
صفّق الحاضرون جميعا تعاطفا معي واقسموا انهم سيعملون بكل السبل لكي لايعود احد منا الى سوريا مرغما مما جعلني اهتف وكأنني على رأس مظاهرة قائلا :
تحيا ألمانيا وقيادتها الحكيمة وعلى رأسها امرأة وتسقط روسيا وقيادتها وعلى رأسها رجل .
......................................................
• - قصة قصيرة








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مي زيادة.. فراشة الأدب التي انتهت إلى مشفى المجانين


.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الشاعر السعودي ناصر الفراعنة


.. بيت القصيد | الشاعرة اللبنانية سارة الزين | 2021-04-17




.. الليلة ليلتك: بيار شاماسيان قبل المسرح وين كان؟ وشو بيعرفوا


.. نكهة الشرق العربي.. في الأكل والسياحة والسينما