الحوار المتمدن - موبايل


المثقف العربي والتحديات المعاصرة

داخل حسن جريو
أكاديمي

(Dakhil Hassan Jerew)

2021 / 2 / 1
مواضيع وابحاث سياسية


تشير وقائع وأحداث تأريخنا العربي الحديث انه منذ ان حاول محمد علي الكبير بناء أول دولة عربية حديثة في القطر المصري ،تعتمد العلم منهجا" والتقانة اسلوبا" للقضاء على التخلف وتحقيق التنمية ومواكبة تطورات العصر في الصناعة والزراعة والتعليم وغيرها للوقوف على قدم التكافؤ مع دول ذلك العصر ،والاستعمار الغربي ما انفك يناصب امتنا العربية والاسلامية العداء, ويسعى محموما" لوأد اية محاولة عربية أو اسلامية للنهوض بامتنا الى مصاف الدول المتقدمة ،وذلك من منطلق العداء الصهيوني- الصليبي الذي ما زال مستحكم في عقول ونفوس بعض دهاقنة المستعمرين ,وادراكهم جيدا" ان اية نهضة عربية اسلامية حقيقية متنورة ,ستكون انموذجا" انسانيا" وحضاريا" تقتدي به شعوب مستضعفة كثيرة, لما تمثل من قيم انسانية سامية ،وما تعبر عن ارث حضاري وثقافي عظيم جدا" وما تنشده من خير ورفاهية لجميع شعوب الارض .
وهكذا فقد استمر العداء في الحقب التأريخية اللاحقة ،فهاهم البريطانيون والفرنسيون يجهزون على أول محاولة لبناء دولة عربية موحدة, بعد ان نجح العرب بقيادة الشريف حسين شريف مكة , في ثورة عربية عارمة في مطلع القرن المنصرم, بالتخلص من نير السيطرة العثمانية البغيضة ،بعد ان اوهموهم بانهم جاؤوا الى بلادهم محررين لا فاتحين ،بينما كانوا يخططون في الظلام لتجزئة الوطن العربي واقامة امارات وممالك قطرية, وزرع الخلافات فيما بينها كي تغرق في صراعات هامشية لها أول وليس لها آخر ،واشعارها بالحاجة الدائمة لحمايتها من اخطار مزعومة ،فابتدعوا لعبة ما اطلقوا عليه في حينه بسياسة الانتداب ،والتي افضى بعضها الى تسليم بعض اقطار العرب الى شتات اليهود, لاقامة كيانهم الغاصب في أرض فلسطين العربية .
وماأشبه اليوم بالبارحة فها هي الويلايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها يثيرون الفتن هنا وهناك في أكثر من بلد عربي , تحت يافطة ما أطلقوا عليه زورا وبهتانا بالربيع العربي , بدعوى نشر الديمقراطية وصون الكرامة الإنسانية وضمان حرية المعتقدات , لينتهي بها الحال إلى فتن وصراعات دينية وعرقية وطائفية , أودت بحياة الآلاف من الناس وتشريد الملايين هائمين في بلاد الله الواسعة بحثا عن ملاذات آمنة , بعد أن كانوا أعزة كرام في ديارهم , وباتت بلدانهم مستباحة تصارع من أجل البقاء , حيث تتصارع على أرضها دول لا تربطها بها أية صلة سوى رغبتها بالهيمنة والتسلط عليها لنهب ثرواتها ومواردها. بدأتها بإحتلال العراق بدعاوى إمتلاكه أسلحة دمار شامل, مما يهدد أمن المنطقة ويهدد الامن القومي الامريكي. بينما هي لاتحرك ساكنا" ازاء اعلان كوريا الشمالية امتلاكها برنامجا نوويا" متطورا" وصناعة اسلحة تدمير شامل وصواريخ عابرة للقارات ،ناهيك عن إسرائيل مصدر كل خطر وعدوان ليس على بلادنا العربية حسب ،بل والعالم اجمع ،وذلك لنزعتها التوسعية العدوانية وسلوكها المتغطرس وامتلاكها ترسانة اسلحة دمار شامل هائلة .فهذا الكيان الغاصب لارض فلسطين يعيث في الارض فسادا"جهارا"نهارأ ويتصرف خارج القوانين والاعراف الدولية بما في ذلك قوانين الولايات المتحدة الامريكية نفسها, دون ان تستطيع اداراتها المتعاقبة فعل أي شيء ازاءها, لا بل ان الادارة الامريكية تسعى ان يكون هذا الكيان مرتكزها الاساس في الوطن العربي لتحقيق مآربها الاستعمارية اللئيمة, بتفتيت دوله اكثر فاكثر والسيطرة على ثرواته النفطية التي تمثل عصب الحياة الاقتصادية في عالمنا المعاصر, وبالتالي يسهل عليها التحكم في الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية على وفق مصالحها .
وكما لعبت إسرائيل في الامس دور حصان طروادة بالعدوان على الوطن العربي, واقامة كيانه الغاصب في أرض فلسطين الذي مهدوا الطريق له عبر وعد بلفور المشؤوم عام 1917 ،فانهم يسعون الان ضمن مخطط الأدارة الامريكية للاستيلاء على كل أرض فلسطين بعد تهجير شعبها الى شرق نهر الاردن ،وبذلك يكون هذا الكيان اكبر الكيانات المصنوعة امريكيا" في الوطن العربي ،اذ ان الأدارة الامريكية قد قررت شن حرب شعواء ضد العرب والمسلمين بدعاوى محاربة الارهاب, حيث يزعمون ان الاسلام يوفر بيئته المناسبة ،متجاهلين ان الاسلام هو دين الحق والعدل والامن والآمان. ومما يحز في النفس أن تستمر مأساة العرب وتتعمق جروحهم أكثر فأكثر , بقيام الولايات المتحدة الأمريكية تشجيع تطبيع بعض الدول العربية مع دولة إسرائيل , تمهيدا لتصفية القضية الفلسطينية بصورة نهائية . ويذكر أن هذه الدول لم تشارك يوما مشاركة حقيقية بالصراع العربي الصهيوني لا من بعيد ولا من قريب أبدا , سوى تقديمها بعض الإعانات المالية لمنظمة التحرير الفلسطينية ووكالة غوث اللاجئين الفلسطينين المشردين أصلا من ديارهم الفلسطينية التي لا تغني ولا تسمن من جوع , بدءا" بدولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب , ويتوقع أن تلحق بركبها دول عربية أخرى قريبا .
والغريب أن هذه الخطوة المشؤمة لم تلق أية شجب أو معارضة من الشعوب العربية أو من مفكريها ومثقفيها الذين يفترض أنهم يمثلون ضمير ألأمة ووجدانها,وليس كما تصدى بالأمس مفكروالعرب ومثقفوهم وخاصة في العراق وسورية ولبنان للسياسة الاستعمارية بكل حزم ودون هوادة, وكانوا بحق طليعة الفكر العربي التحرري الذي أنار دروب المناضلين العرب, وكان له الاثر الواضح خاصة في منتصف القرن الماضي حيث بلغ المد القومي ذروته .لذا فانه يتوقع ان يلعب رجال الثقافة والفكر العرب الآن دورهم المنشود ازاء السياسة الامريكية العدوانية التي باتت تهدد مرة اخرى وجود امتنا القومي, بالشعارات البالية ذاتها بدعاوى التحرير ونشر الديمقراطية ,واعادة تأهيل المجتمع العربي تأهيلا"مدنيا" وفق انماط الحياة الغربية عامة والحياة الامريكية ومفاهيمها الثقافية خاصة"،واقتلاع جذور حضارتها العربية والاسلامية بدعاوى ترقيتها , وازالة اسباب تخلفها الفكري والثقافي, وإستباحة الوطن العربي برمته وتفتيته اكثر الى كيانات هزيلة تسبح بحمد الولايات المتحدة الامريكية ,بدلامن الله الواحد الاحد لاسمح الله جل في علاه.
ولتحقيق هذه الاهداف الاستعمارية تمارس الأدارة الامريكية سياسات متنوعة منها الارهاب ضد هذا الطرف أو ذاك, والترغيب مع اطراف اخرى ,وشراء الذمم وتأجير بعض الاقلام الرخيصة للترويج لبضاعتها الفاسدة, وتسخير وسائل اعلامها المختلفة وغير ذلك من اساليب دس وتشهيرضد كل قوى الخير المتطلعة الى غد عربي مشرق يؤمن مستقبل امتنا الوضاء واجيالها الصاعدة المؤمنة بحقها في الحياة وفق اختياراتها الحرة .وهذا يتطلب ان يناصر المثقفون العرب ورجال الفكر قضايا امتهم وهي تواجه تحديات مصيرية ,لا تهدد هويتها الثقافية ورسالتها الانسانية وارثها الحضاري حسب, بل كل وجودها كأمة عربية موحدة الوجدان والمشاعر ،وذلك بقيادة جماهير الامة فكريا" وثقافيا"، اولا" بالتصدي الحازم للفكر الإستعماري المعادي الذي يروج لمفاهيم تتنافى وقيم امتنا العربية المجيدة, بدعاوى التحديث ومجاراة العصر والايحاء بان التقدم العلمي والتقني مرهون بالارتباط التام والارتماء في احضان الحضارة الغربية وقيمها المادية التي لا تقيم وزنا" للمبادىء السماوية التي تصفها بانها جزء من عصر انتهى, وانها لاتتناغم مع عصرنا الراهن ولاتستجيب لمتطلبات الحياة العصرية ،وكذلك التصدي للفكر القطري الضيق الذي يروج له البعض من منطلقات يصفونها بالخصوصيات الوطنية ،ولا تقل خطورة عن ذلك تيارات الفكر القومي الشوفيني المتعصب الذي لايقيم وزنا" لحقوق الاقليات القومية المتآخية في اطار الوطن الواحد ،ناهيك عن الفكر الضيق الذي يتخذ من الاديان غطاءا"ومبررا" لدعاواه الفاسدة التي غالبا" ما تتسم بالتعصب والافق الضيق والرؤية المحدودة ,والانغلاق وعدم التفاعل مع تطورات الحياة وارهاصات العلوم والتقانة واثر ذلك في الفكر الانساني.
ولايقصد بالتصدي هنا القاء الخطب والمواعظ ،وانما الانتماء الصميمي لجماهير الامة وتبني قضاياها المصيرية ،والعمل بكل الوسائل على نشر الثقافة العربية والاسلامية المتفتحة والمتناغمة مع روح العصر, والتنوع الإنساني ومعطيات العلوم والحضارة الإنسانية التي هي نتاج إنساني مشترك لجميع بني البشر, وإحترام الرأي والرأي الآخر , وخاصة في اوساط الشباب لرفع حسهم الوطني والقومي المرهف , وتحصينهم ضد محاولات التخريب الثقافي الاستعماري التي تستهدف كل ما هو وطني وقومي شريف.وهذا يتطلب ان يكون المثقفون العرب مرايا صادقة تعكس هموم وتطلعات وآمال جماهيرشعوبهم ،ذلك ان المثقفين ينبغي ان يمثلوا ضمائر امتهم الحية وعقولها المبدعة, وان يلتحموا التحاما"صادقا"وصميميا"مع شعوبهم الساعية نحو حياة حرة كريمة تنعم فيها بالامن والسلام والرفاهية , بالافادة من معطيات العلوم الحديثة والتقانات المتقدمة والسعي الدؤوب لافشال مخططات الامبريالية الامريكية وشريكتها الصهيونية العالمية المعادية لكل تطلع انساني شريف .وسوف لن يرحم التاريخ كل مثقف تخاذل عن نصرة قضايا وطنه وامته ايا" كانت الاسباب والمبررات ،او وقف متفرجا" بانتظار ما تسفر عنه الاحداث من نتائج ليصفق لمن يكسب الجولة وينضم إليه ،ذلك ان الدفاع عن الوطن امانة في الاعناق يجب ان تصان, وشرف رفيع لايعلوه شرف.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لوري واتكينز: إعلان إيران زيادة تخصيب اليورانيوم أمر مقلق لل


.. رئيس الحكومة اللبنانية يدعو الدول العربية لمساعدة لبنان


.. وزير الخارجية المصري يبدأ جولة إفريقية لتوضيح موقف القاهرة م




.. فيتشسلاف ماتوزوف: أعتقد أن الرد الروسي سيكون مناسب على كل دو


.. المعارضة التركية تسأل أردوغان: أين الـ128 مليار دولار المفقو