الحوار المتمدن - موبايل


-النخب- العراقيه تخون تاريخها؟/3

عبدالامير الركابي

2021 / 2 / 1
مواضيع وابحاث سياسية


لم نتعرض لطه حسين فقط لكي نذكرماقد قاله عن العراق ومصر على صعيد معين تحديدا، بقدر مااردنا التذكير بقضية هامة تخص العراق الحالي، ومستوى منجزه "الحداثي" الضحل قياسا بذاتيته وتعبيريتيه الكبريين، والعظميين ابان الدورتين الأولى التاسيسية، السومرية البابلية الابراهيميه، والثانيه العباسية القرمطية الانتظارية، ولن نذهب بهذه المناسبه لاجراء مقارنه تفصيليه بين ماهو حاصل اليوم، وماكان وجد قبل الاف السنين، او قبل اكثر من الف عام، الا اننا لن نستطيع منع انفسنا من التساؤل عن السبب الغريب الذي جعل من عرفوا من بين ممثلي الحداثة العراقية وابرزهم، يتجاهلون تماما، ولايتوقفون امام الفارق الهائل، بينهم كمدعي تمثل للتعبيرية العراقية الراهنه، المفترض ان تكون اعلى واكثر جده ونوعا عما سبقها، مع ماقد عرفته بلادهم من تميز واستثنائية كونية، كان عليهم اليوم ان يعيدوا النظر فيها في محاولة لمجاراتها، على ضوء ماقد توفر عالميا من الأسباب والوسائل"العلمية" المستحدثة، بدل ان يحولوا ماادعوا امتلاكه من وسائل العصر، لوسيلة غمط وسحق مايتوجب اعادة بعثه واكماله، بمعنى احيائه على ضوء العصر،على الأقل من باب إعادة فحصه وتجديده على ضوء "علمانيتهم" المستحدثة، وقبل هذا وذاك، البحث في مضان ومواطن الاليات الحرية بالاكتشاف، والخافي منها، وماهو مصدر المنجز التاريخي الإبداعي الرافديني.
كيف بالإمكان رسم صورة ونوع تلك النخبة العراقية بعد اخضاعها لمقياس واشتراط توافقها مع وجودها ومحيطها، على الأقل من حيث الاهتمام الرئيسي لاناس يفترض انهم وجدوا اليوم انفسهم مختلفين عن اسلافهم، بان صاروا "علمانيين"، يحتكمون للعقلانيه والمادية الوضعية، تتوفر لهم كما يعلنون، وسائل البحث "العلمية"في الظواهر، ومنها وبمقدمها الظاهرة المجتمعية؟ مؤكد ان هؤلاء لو كانت توفرت لهم وفيهم، ابسط محركات "الوطنيه" كما قرأوها اليوم، او سمعوا عنها وادعوا تجسيدها، لاختاروا لا تبني النموذج الأوربي الغربي، بالشكل والصيغة التي تبنوها به سلاحا جاهزا ضد كينونتهم وتاريخهم، مع الاصرارعلى اخضاعه لقوانين واشكال تحقق مستعارة وجاهزة، بالاخص وانهم من مكان، من المستحيل على انسان يتحلى بالقدر الأدنى من الحساسية البشرية العقلية العادية، ان يغفل عن مايبدو من خصوصيته، وامتيازه الذي لايحتاج لمراجعات متفحصه مضنية، بقدر ماهو شديد الجلاء والتميز.
هل اعتبروه ماض تم تجاوزه والعبور عنه؟، تلك مقولة الغرب الرئيسية التي تضع كل ماقبل غرب خارج البحث الراهن، لكن هل العراقي معني بقبول مقولة كهذه، أي هل هو في وضع او حالة تجيز التسليم بها، لدرجة الانسحاق امامها، هنا يصير تذكر ظاهرة المحطة الأسبق على الغرب الحديث، والدورةالرافدينيه الثانيه، واجبة الحضوربداهة، على الأقل من باب الرغبة في مقاربة قوة ودلالة الاسهام في المتحقق الأوربي الحالي، الامر الذي لم يحدث على الاطلاق، وان حدث ملمح منه في باب البحث التاريخي الاكاديمي، فمن باب استعمال المنطق، وطريقة التحليل والتشخيص المطابقة للظواهر كما يعرفها الغرب ويسميها، لابناء على حقيقتها كما يمكن ان تعرف وفقا لمنطقها المتحرر من وطاة النموذج الغربي، ثم هل كان جائزا اليوم بالذات العبور على مظهر فاقع الحضورمثل: كون العراق ظل تاريخيا، محكوما لقانون النهوض والاختفاء، او الدورات والانقطاعات التاريخيه، والا يستوجب مظهركهذا، توقفا، فضلا عن معاملته كمدخل، من غير المستبعد ان تكمن وراءه ظاهرة ما تستحق التسجيل راهنا.
هذا ولن نذهب ابعد لنطالب هذا النفر من المنصاعين للنموذج الغربي وخدمه، بالتفكير ولو من باب افتراض المستحيل، في احتمالية ان لايكون الغرب ظاهرة نهائية، مع مايقتضيه ذلك من إعادة فتح الاحتمالية التاريخيه نحو افق اخر يتعدى الحداثة الاوربية، الامر الذي كان يتطلب بالحد الأدنى، عبقرية استثنائية، لم يكن لها أي اثر وقتها، والى الساعة، فالذين لطخوا تاريخ العراق الحديث بالايديلوجيات، والحزبيات، والمنتج الإبداعي الموكول للحداثة الغربية بالاجمال، هم اقل بما لايقاس من موجبات النبض العراقي التاريخي، والمترتب عليه، والمطلوب من منجز، بمعنى ان من نتحدث عنهم، هم مجموعه بدائية اتباعية، تنتمي لعالم الانقطاع التاريخي، لاعلاقة لها بالحداثة العراقية، ولا بالدورة الثالثة الراهنه من تاريخ العراق، ولا حتى وبالاساس لحقيقة الغرب وجوهر ظاهرته.
قلنا في حلقة سابقة ان العراق ظل يعرف ابان تاريخيه الحديث، ذيول ومتبقيات الطور التاريخي الثاني العباسي القرمطي المنهار،بالاخص قسمه الأعلى، المتاخر بالطبيعة تشكلا، وفي قلبه عاصمة الطور الثاني المنهارة، المتخذه منذ سقوطها مركزا تتناوب عليه السلالات والدول البرانيه، هذا في حين ظل القصور التاريخي الملازم للبنية والكينونه الرافدينيه شاخصا، وتحول اليوم الى قضية رئيسية، تمثلت في الذاتيه وتبلورها وعيا وادراكا كضرورة حاسمه غير قابلة للتاجيل، وهو ماازداد الحاحا بالاخص وبالذات، بعد حضور الإنكليز واحتلالهم العراق، وانفجار ثورة 31حزيران 1920، الثورة التحولية غير الناطقة، التي معها وعندها تتحول الاحداث الثورية العراقية الى "احداث ثورية غير ناطقة"، وصولا الى حدث 14 تموز 1958 المسطي عليه، مثله مثل حدث ثورة العشرين من قبل الاتباعيين الحداثيين، مزوري الواقع، والعاملين على طمسه وإلغاء صفته الوطنية، لصالح مفاهيم مستعارة مقحمه عليه من خارجه، والذين هم من المتبقيات الملحقة بظاهرة عراق الدورة الثانيه المنهارة.
هل اسهم المدعو يوسف سلمان يوسف "فهد"، او الجادرجي، و اشباههما ومن هم من صنفهما، في تقريب العراقيين من ذواتهم، او قاموا باي جهد من هذا القبيل، حيث تتمثل المهمة الأساس التاريخيه، ام كانوا أشخاصا مزورين، مشوهين للحقيقة الوطنيه التاريخيه، لعبوا على هذا الصعيد دورا لايقاربه دور من سبقهم في الحقبتين، القبلية الأولى، والثانيه الدينية الانتظارية النجفية، ممن كانوا عاجزين تكوينيا وبداهة، عن ان يتصدوا لمهمة كبرى كتلك التي كانت مطروحة على العراق اليوم في دورته التاريخيه الثالثة بالاخص في الجزء الاولي من عملية التشكل التاريخي الحديث.
من اهم مايتعكز عليه هؤلاء لكي يوطنوا مفاهيمهم المسقطة على الواقع، ادعاؤهم "النضالي" الكاذب، المقرون ب "التضحيات"، وكانهم هم من اوجدوا الظاهرة الاحتداميه الصراعية المميزه لتاريخ العراق، المعروف على مر القرون بانتفاضية مجتمعه، ومقاومته،وتمرده، وخروجه الدائم على الحكام، بما جعل من حالته المنوه عنها ظاهرة سائرة(1) لدى معاوية بن ابي سفيان، والحجاج، والخليفة الرابع الراشدي، والملك فيصل، وكل من حكموا العراق، او نظروا الى تاريخيه على مر الازمان، بينما كان هؤلاء ومازالوا يزورون واحدة من اهم الحقائق والمميزات الوطنيه التاريخيه غير الناطقة، ومن ثم غير المعبر عنها، بنسبتها لانفسهم ولوجودهم، لانسبة سمتهم تلك لها، زيادة وايغالا في تكريس التزوير، والكذب التاريخي، ومن ضمنه دعوة الاستشهاد، وكانها فريدة، او انهم اصطنعوها اليوم، ولم تكن لازمه شبه حياتيه تاريخيه، مواكبة لواقع عرف خلال القرون، من السادس عشر، الى العشر ين، تاريخ التشكل الحديث، مائة وخمسين انتفاضة مسلحة، ثورة وتمردا وعصيانا، اخذت مايصعب احصاؤه من الشهداء، قادة ومقاتلين،( احدهم كان قائدا منتفجيا ظل يقاتل العثمانيين لعشرين عاما وهو اعمى تم القبض عليه أخيرا وارسال راسه الى الاستانه) الامر الذي يجعل من تركيز هؤلاء على، وادعاءهم "النضالية" الفريدة، من قبيل وصنف التزويز الإضافي، وتشويه صورة وطبيعة مجتمع، بادعاء تمثيله والتعبير عنه.
حظي العراق في" العصر الحديث" بعظمته التاريخيه، على ببغاوات حزبية عملية لاتقارب عالم الفكر اطلاقا، الا كتطبيق اعمى، حزبويون خارج الحقيقة الوطنيه، "فهد" فيها يصير بسهولة بلشفيا متشبها بلنين، بمواجهة ذنون أيوب الموصلي "المنشفي"، الموسوم بالافندي، من نفس مدينته، والذي ينظر ل"فهد" بتعال لاسباب مذهبيه ودينيه واجتماعية بنت زمنها واشتراطاتها. ومكان الجاحظ، والاصمعي، وسيبويه، والخليل الفراهيدي، والطبري، وابن كثير،والعبقرية الشعرية الأكبر، المتنبي، وحمدان قرمط، والتاله الإسماعيلي، والامامية الشيعية، والحلاج، والمعتزلة، واخوان الصفا، وأبو حنيفة النعمان، وابي تمام، والبحتري وابي نواس، وبشار بن برد، وعشرات التيارات والمذاهب والقادة الشهداء، وماليس واردا احصاؤه من اشكال التجلي التعبيري العظيم في الدورة الثانيه، ذهابا لكلكامش والشرائع الكبرى، والكتابه، و"عندما في الاعالي" و"قصص الخليقة"، وكل الاعقال البدئي الكوني للوجود، وفوق كل شيء وقبله، الابراهيميه عقيده العالم الكونيه الكبرى، الباقية الى اللحظة الراهنه، في الدورة الأولى ـ وهو مانورد فقط وجها يذكّر به من دون تفصيل ـ عرف عصر العراق الحديث، جوقة من الناطقين المتصاغرين البلهاء بلسان الغرب، سعوا الى غمط الحقيقة والذاتيه التاريخيه لارض الرافدين، اميين وطنيا، وعاجزين لدرجة تثير الهزء، قياسا للمهمة الكبرى الموكولة اليوم للعراق، كواحد من اعظم مراكز التعبيرية التاريخيه الحضارية، مع الدورة الثالثة، وبظل الانتقال من التفاعلية التعاقبية، الى "وحدة الاليات" التفاعلية على ضفتي المتوسط، والعالم .
ـ يتبع ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مرة أخرى نتعرض لطه حسين الذي التقى في القاهرة في مؤتمر لمجمع اللغة العربيه بمحمد حسين الشبيبي الشاعر العراقي الغرافي المتحدر من ارض سومر الحديثة "المنتفك"، فقال طه حسين للشبيبي " لقد قرات كل تاريخ العراق فوجدته مليئا بالعصيان والتمرد على الحاكمين والثورة عليهم" فرد الشبيبي عليه قائلا:" " ولقد قرات كل تاريخ مصر فوجدته مليئا بالخنوع وممالئة الحاكمين والرضوخ لهم والقبول بهم" فما كان من طه حسين الا ان اشتعل غضبا، وحاول الذهاب بالنقاش مذاهب دلت على خروجه من طوره، لولا ان الحاضرين راوا غلق الموضوع ب"اعتبار الجواب من جنس السؤال"، ولن نعيد ترداد كل ماقيل في التاريخ عن عصيان اهل العراق وثورتهم "الدائمه"،كما وردت لدى الجاحظ في المقارنه التي عقدها بين اهل الشام، واهل العراق، او ماقاله معاوية بن ابي سفيان يوصي ابنه يزيد وهو على فراش الموت "اما اهل العراق فان طلبوا منك ان تعزل كل يوم واليا فافعل، او انك ستجد مئة الف سيف تشهر بوجهك ولا تعرف من امرك شيئا" او ماقاله الحجاج اسوا الناس خلقة واخلاقا بحسب عمر بن عبدالعزيز، او الذي قاله الملك فيصل عن :سماعي السوء "الذين ينعقون وراء كل ناعق"، وصولا الى صدام حسين ومقالاته بعد انتفاضة 1991. مايعطي ملمحا وليس صورة كامله، عما نقصده، والذي هو بالأحرى خاصية تكوينيه بنيوية تاريخيه اساسية، سعى الحداثيون ومايزالون جهلا وغرضية، لطمسها في محاولة خائبه لمصادرتها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الخطوط الجوية القطرية تنهي تجربة جواز السفر الرقمي


.. شاهد.. مراسل يكشف عن نفق عملاق للإرهابيين في ريف دمشق


.. هل تشهد أفغانستان حربًا أهلية بعد انسحاب القوات الأميركية؟




.. إصابات في إطلاق رصاص بمدينة إنديانابوليس الأمريكية ومقتل مطل


.. ناصر جودة يرد على -مشككين- بعد ظهور الملك عبدالله والأمير حم