الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


رواية شرق المتوسط لعبد الرحمان منيف أو أي نوع من الكفاح نحتاج

حاتم بن رجيبة

2021 / 2 / 2
الادب والفن


كان على ناشر الرواية أن يكتب بالخط الغليظ والأحمر على الغلاف،، لا ينصح للقراء الأقل من سن 16 سنة،،!!!

إنها رواية تمزق القلب وتجعل الكوابيس تقض مضجعك. رواية تعود بنا إلى الظلام، إلى القرون الوسطى، إلى البربرية، إلى الإنحطاط، إلى اللاإنسانية.

رواية كلها ألم وصراخ و مآسي، دم وقيء وجروح ولكم وصفع وإهانة وتدمير وذل وتحقير...أما الموت فيصبح في هذا العالم أكبر رحمة. كل ما يتمناه المعذب أن يموت، فورا.الرواية صرخة مدوية تنادي إلى الإنسانية والكرامة وحقوق الإنسان الكونية. كما إنها تحثه على التفكير في أساليب الكفاح ضد الدكتاتورية والأنظمة الوحشية. فالرواية صرخة ضد الظلم و دعوة مبطنة نحو الإنطلاق إلى الكفاح المسلح.

بدأت الرواية ببعض نصوص ميثاق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: مناهضة التعذيب، صيانة الكرامة الإنسانية، الحرية، حق اللجوء السياسي... فبرزت المادة الخامسة: لا يعرض أي إنسان للتعذيب أو للعقوبات أو للمعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة.

رجب اساعيل هو الشخصية الرئيسية في الرواية يتعرض إلى التعذيب الوحشي كما مورس ولازال يمارس في كل بلدان الشرق الأوسط ودول العالم الثالث والعالم الغير حر. يغادر السجن بعد أن أمضى على التزام بالإبتعاد عن السياسة كما التعهد بالوشاية بالطلبة والمعارضين. يغادر البلاد نحو أوروبا للتداوي من آثار التعذيب ويجبر على العودة بعد أن احتجز حمادة زوج أخته كرهينة ليموت تحت التعذيب ويزج بحمادة في السجن بعد أن نشرت صحف أوروبية تقريرا لرجب عن التعذيب.

بعد خمس سنوات من التعذيب والألم والشقاء رضخ رجب ووقع. ضن أن الكابوس انتهى، لكن عذابا آخر بدأ، عذاب نفسي واحتقار للذات.بدأ الإحساس بالخيانة والبلخساسة ينهشه من الداخل. ضميره أخذ مكان الجلاد وشرع في تعنيفه واضطهاده دون هوادة أو رحمة. أين المفر؟ هل السجن والعذاب الجسدي أرحمان؟(أمس(في السجن)في مثل هذا الوقت كنت إنسانا آخر، حتى السادسة كنت قويا) كان قويا بجسارته وشجاعته وصموده، كان بطلا، لكن ماأن وقع حتى هوى خائنا وجبانا وعميلا للنظام. لو علم أصدقاه في السجن لقتلوه(بيدي هاتين يمكن أن أخنقه ...إنه يسكر الآن، لقد باعنا...آه لو عرفت في الوقت المناسب؟ لو عرفت لقتلته) هل يحق لرفاقه أن يحكموا عليه بالخيانة؟؟ ماهو إلا إنسان، ضعيف مهما صمد، هناك حدود(أريد أن استريح مؤقتا ...لم أعد قادرا).

رجب إسماعيل هو نموذج للسجين السياسي الذي يقع في كماشة قاتلة، يقع في مصيدة محكمة، لا مفر منها إلا الموت. العدو الأول هو النظام . هذا النظام لا يترك للسجين إلا مخرجا واحدا: الموت. جسديا إن رفض الرضوخ، بالتعذيب، ومعنويا أن يجعل منه عميلا بعد أن يحرره من السجن والعذاب الجسدي. فيقتله عذاب الضمير. فتسلب إنسانيته واحترامه لنفسه. حتى إمكانية الهروب من البلاد تصبح شبه مستحيلة، لأن العائلة تبقى رهينة. يعطيه وظيفة ويمكنه من العلاج على شرط أن يصبح جاسوسا على الطلبة والآخرين. كما يصد أمامه منافذ العودة للكفاح بنشره لوثيقة توقيعه في الجرائد حتى يعلم الجميع أنه أصبح عميلا للنظام، أنه غير الجبهة. أما العدو الثاني فهي جماعته وأصدقاه، فهم يضغطون عليه أن لا يوقع، أن يموت تحت العذاب، لا يقبلون حالة ثالثة كالتمويه والهرب إلى خارج البلاد. العدو الثالث هو الرأي العام. فما أن يترك المناضل السجن حتى يتحول إلى شبهة، إلى عميل، بعد أن اطلع الجميع على وثيقة التسريح من السجن في الصحافة(عندما تركت النادي...شعرت أن عذاب السنين الخمس، الجلد و السجن المنفرد، وآلاف الشتائم التي انهالت علي، لا تعادل نظرة صغيرة تطلق (نظرة ريبة و احتقار) في الهواء للحظة ثم تتلاشى).

حكم على رجب بإحدى عشرة سنة سجنا. بعد خمس سنوات انهار. انهار تماما بعد أن ماتت أمه وتزوجت حبيبته هدى. كانا الشخصان اللذان جعلاه يصمد وينتظر. أمه كانت تحذره من الرضوخ والإنصياع لترغيب النظام(اسمع يارجب...افتح عينا وغمض عينا تمر الأيام، وتبقى رافعا رأسك. إذا اعترفت فكلهم سيقولون خائن، ولا تنظر في وجه أحد)، أما حبيبته فكانت النور في نهاية النفق المظلم، كانت الدفء والحب والحنان الذي ينتظره وينسيه البرد والوحشة والوحدة والجوع في الزنزانة( في ذلك الغروب شعرت أني وحيد لدرجة لا يمكن احتمالها. هم قتلوا أمي، زالوا ينخرون في عقلها وقلبها حتى قتلوها)...(كانت هدى (حبيبته)أقوى الآمال التي تشدني إلى عالم الحرية...كنت أحفظ رسائل هدى وأقبلها في الليل، كنت أضعها تحت رأسي مثل تميمة مقدسة).

انهار أمام هجومات اخته أنيسة تنقل إليه باستمرار أخبار العالم الخارجي، أخبار من صمد فأصبح مجنونا أو أعمى أو معاقا بعد أن ترك السجن وأخبار من أصبح موظفا ومن تحسنت حاله بعد أن وافق على شروط النظام(أنيسة التي دمرت حياتي، جعلت أيامي الأخيرة في السجن جحيما. كانت تنقل إلي أخبار العالم الخارجي وحقاراته).

انهار تماما أمام الألم و المرض(وبدأت أسقط. بدأت الآلام تنتشر في جسدي مثل انتشار النار).

يصف الكاتب كيف أن العذاب طال كل العائلة وخاصة الأم، من انتظار وسب وشتم وضرب...حتى ماتت بعد أن عنفها رجال الشرطة...أنيسة أخته تعذبت وحمادة زوجها. إلى أن رمي هو الآخر في السجن. وحبيبته هدى تعذبت لفراقه كما تعذبت لإحساسها بخيانته عندما تزوجت بآخر(قالت لي سأقتل نفسي يا أنيسة، لا أطيق أن يلمسني أحد، إذا أرغموني أن أتزوج غير رجب، فلن يفرح بي رجل، سأقتل نفسي).

يغوص القارئ في عالم التعذيب والألم كما يرويه رجب: الضرب، التعليق في السقف، الصدمات الكهربائية، النوم في الماء البارد، فوق العتبة وعلى البلاط، السجائر تطفى على جسده وبين إليتيه، القضيب الذي يزج في مؤخرته، الشد والجذب من الخصيتين، أن تحشر قطتان في كيس حول رأسه لينهشا وجهه بمخالبهما...الشتم والإهانة...الجوع...بربرية ووحشية. وموت الإنسانية(الكهرباء...الموت الحقيقي، ينخض القلب ثم يموت، كانوا يضعون التيار على الأكتاف، قريبا من القلب، على الأنف، بين الإليتين...وينتفض القلب، يترنح، يتوقف، ويتوقفون. مئات المرات فعلوا ذلك).

أخذ رجب مهلة، فترة استراحة بعد أن خرج من السجن، مر بفترة يأس، ضن أنه سقط وانتهى(رجب اسماعيل سقط. هذه الكلمة الوحيدة التي تفسر النهاية التي وصلت إليها...الورقة التي وقعت عليها كانت شهادة الوفاة. وفاة رجب إسماعيل).

فكر بالكتابة: رواية، تقارير عن التعذيب لفضح النظام (يجب أن أقول للناس ما يجري في السراديب، في الظلمة...الكلمة آخر الأسلحة).

وجد رجب في الدكتور فالي الذي عالجه في مرسيليا الملهم في مواصلة الكفاح، فهو كان مناضلا ضد الإحتلال النازي لفرنسا(أقدر الصعوبات التي مررت بها...لكني اعتبرك رجلا...والرجال لا يسقطون...قتلوا اثنين من إخوتي، قتلوا أمي، ثم قتلوا زوجتي). كان إلهاما لمواصلة التحدي، لمواصلة الحرب(أريدك أن تكون حاقدا وأنت تحارب...يجب أن تحول أحزانك إلى أحقاد، وبهذه الطريقة وحدها يمكن أن تنتصر، أما إذا استسلمت للحزن فسوف تستسلم وتنتهي، سوف تهزم كإنسان، و سوف تنتهي كقضية).

فهدف النظام هو أن تستسلم المقاومة. كلما ظلت شعلة من إرادة المقاومة كلما بقي الخطر موجودا، وكلما بقيت الحرب. رفع رجب التقرير إلى منظمة الأم المتحدة في جنيف ونشرت مقالات في الصحف الأجنبية فيما بعد تندد بالنظام وتفضح أساليب التعذيب. رجع رجب ليخلص حمادة، الرهينة، لكن حمادة يعود إلى السجن. أما رجب فمات تحت التعذيب.

هنا يتسأل القارئ: هل فشلت المقاومة؟ ولماذا فشلت؟ لم يتغير الوضع قيد أنملة. من يدخل في عالم المقاومة يسحق.

كيف يجب أن تكون المقاومة في الأنظمة الدكتاتورية والتعسفية؟ هل الكفاح السلمي، بالكلمة والقلم كفاح ساذج وطفولي؟ أليس الكفاح المسلح إلى جانب الكلمة بالأسلوب الوحيد الناجع؟؟ ألم يعلمنا التاريخ ذلك؟ حرب المعارضة الكوبية، مقاومة الإستعمار في الجزائر، مصر، تركيا، مقاومة القيصر في روسيا، في ألمانيا...الكفاح السلمي لا ينجح إلا في الدول الديمقراطية، في العالم الحر. أما المستبد فلا يفهم إلى بقوة الحديد والنار: حرب العصابات، الإنقلاب العسكري...

الكاتب يضع الكاتب في حيرة بعد أن قدم له مآل المحارب الأعزل. كيف دمره النظام ومحيطه وأقرب الناس إليه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - تعليق
Muwaffak Haddadin ( 2021 / 2 / 2 - 17:18 )
السيد بن ارجيبة
تحية طيبة
تعليقك على كتاب الروائي (رحمه الله) عبد الرحمن منيف أفادني حيث تصورت نفسي أنني قرأت الكتاب فشكرا لك
إلا أنني لاحظت أن هناك خطأين وردا سهوا ولا شك، أرجو آن تسمح لي بذكرهما
وردت كلمة (ضن) مرتين والصحيح ظن
وكذلك كلمة (الشخصان) والصحيح الشخصين
مع التقدير
موفق حدادين


2 - عفوا على السهو
حاتم بن رجيبة ( 2021 / 2 / 2 - 19:30 )
شكرا جزيلا!! علي الإنتباه أكثر! ملاحظة أخرى، زوج أخت رجب هو حامد وليس حمادة!!!عفوا على السهو!

اخر الافلام

.. ظافر العابدين يحتفل بعرض فيلمه ا?نف وثلاث عيون في مهرجان مال


.. بيبه عمي حماده بيبه بيبه?? فرقة فلكلوريتا مع منى الشاذلي




.. ميتا أشوفك أشوفك ياقلبي مبسوط?? انبسطوا مع فرقة فلكلوريتا


.. ياحلاوة شعرها تسلم عيون اللي خطب?? يا أبو اللبايش ياقصب من ف




.. الإسكندرانية ييجو هنا?? فرقة فلكلوريتا غنوا لعروسة البحر??