الحوار المتمدن - موبايل


حين يغتال الإعلام وعينا الجمعي، ما العمل؟

محمد عمارة تقي الدين

2021 / 2 / 5
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم


دكتور محمد عمارة تقي الدين
"إذا لم تكن فطِناً فإن وسائل الإعلام ستجعلك تكره الضحية وتحب الجلاد"، بتلك العبارة الرائعة صوَّر لنا مالكوم إكس مقدرة وسائل الإعلام على خداع الجماهير وتزييف وعيها الجمعي عبر تبديل الحقائق فيصبح الحق باطلاً والباطل حقاً، وهي عمليات التزييف والخداع التي زادت طردياً وبشكل متسارع مع تزايد الاعتماد على وسائل الإعلام وتطورها بشكل كبير وسط حالة الانفجار المعلوماتي والتقدم التكنولوجي الهائل التي نعيشها في الآونة الأخيرة.
والسؤال الذي يطل برأسه الآن: كيف نتجنب هذا الخداع الإعلامي؟ كيف نستطيع التفريق بين رديء الرسائل الإعلامية وثمينها؟
بداية يجب أن تتأكد لدينا قناعة مفادها أن الإعلام بصيغته الحالية هو في معظمه إعلام موجه أو قُل إنه دعاية وبروباجندا وليس إعلاماً إذا ما أردنا توصيفاً صحيحاً،إذ يعمد إلى التحكم في متابعيه عبر مخاطبة اللاوعي لديهم وما يكتنفه من مشاعر الخوف والألم والعاطفة، في حين يغيب حديث العقل ويضمحل، فيتم عبره قيادة الجموع كقطيع من الأغنام لما يريده المتحكمون في تلك الوسائل الإعلامية والذي هو دائماً وأبداً ما يكون بعيداً كل البعد عن مصالح الشعوب بل مناقضاً لها تماماً.
وأنه لا مفر أمامنا ولا مهرب من سطوة تأثير وسائل الإعلام علينا إلا بإيقاظ حاسة التساؤل النائمة في أعماقنا وإحياء فضيلة التفكير النقدي لنتساءل حول مصداقية الرسالة الإعلامية المقدمة، وما الغرض من تقديمها في هذا التوقيت دون غيره، وهل هي أولوية مُلحّة أم قُصد بها إخفاء أولويات أخرى؟ ومن هم مالكي تلك الوسائل الإعلامية وما هي أيديولوجيتهم الفكرية والدينية والسياسية؟ فالقناعة يجب أن تتأكد أنه ليس هناك إعلاماً لوجه الله أو لوجه الحقيقة المُطلقة مهما ادّعى القائمون على الإعلام ذلك، فالجميع مدفوعون بأيديولوجية ما، ومن ثم يتحتم إعمال العقل عبر استدعاء ملكات التفكير الناقد لكشف الرسائل المُضمرة التي يحاول هذا الإعلام بثها.
حقيقة أن التفكير الناقد يمكن من خلاله ليس تفكيك آليات الخداع الإعلامي فحسب بل فهم هذا العالم ومن ثم إمكانية رسم خريطة إدراكية لمعطياته ومتغيراته وموقعنا داخله، أي بلورة رؤية حقيقية للذات وللعالم في آن، ذلك هو العقل كما خلقه الله عقلاً توليدياً إبداعياً وإن كانت قد جرت محاولات لأجل تغييبه إلا أنه لا يزال ممتلكاً القدرة على التجاوز، فلا مفر إذاً من جعل هذا التفكير النقدي بمثابة الدماء التي تسبح في شرايين الأمة باعتبارها مسألة مصيرية لها.
وهي معركة يجب أن تبدأ من الفرد فهو عليه تبعة إعمال عقله بشكل دائم وهو يتابع الوسيلة الإعلامية ليُدرِّب عضلة التفكير النقدي لدية فلا يكُفّ عن طرح الأسئلة على نفسه السؤال تِلو الآخر: لماذا يجري عرض هذه الرسالة الآن وهل القضية التي تطرحها جوهرية أم أنه قُصد بها إخفاء قضايا أخرى أكثر أهمية؟ من الذي قام بإنتاج هذه الرسالة الإعلامية؟ ما هو انتماؤه الفكري والأيديولوجي؟ هل تقف وراءه جهة رسمية أم تيارات معارضة أم ماذا؟ في أي دولة تجري صناعة هذا المحتوى الإعلامي؟ ما هي الأهداف الحقيقية لصانعه؟ ولماذا ينفق كل هذه الأموال على تلك الرسالة الإعلامية؟ هل هذا المحتوى رأي، أم حقيقة أم أن الأمر مختلط؟ ما هي الرسالة المستترة خلف ذلك المحتوى، فدائماً هناك رسالتان واحدة مُعلنة والأخرى مضمرة في تضاعيف الخطاب الإعلامي؟ هل المصادر التي استندت إليها المادة المقدمة داخل الرسالة الإعلامية هي مصادر موثوقة أم غير ذلك؟ وهل يمكن التحقَّق من صدق هذه المادة؟ هل تلك الرسالة بها رأي ورأي آخر أم أنها تتدفق في اتجاه واحد، وما مدى العدالة في عرض الآراء المختلفة إذا وُجِدت؟
فمحاولة الإجابة على هذه الأسئلة هي إستراتيجية من شأنها تسليحك كمشاهد بالأدوات اللازمة لخوض معركة الوعي الحقيقي، معركة يتعاظم فيها دور العقل ويخبو حديث العاطفة واللاوعي.
ولكن ما هو التفكير الناقد؟
تعددت التعريفات التي حاولت الإحاطة بهذا المفهوم، مفهوم التفكير الناقد، إلا أنها تدور في مجملها حول حتمية تحكيم العقل ومساءلة كافة القضايا والأطروحات مساءلة عقلية مُعمَّقة قبل الحكم على صدقها من عدمه.
إذ يُعرِّفه البعض بأنه عملية استخدام قواعد الاستدلال المنطقي وتجنُّب الأخطاء الشائعة في الحكم، ويُعرِّفه آخر بأنه التفكير الذي يعتمد على التحليل والفرز والاختيار والاختبار لما لدى الفرد من معلومات بهدف التمييز بين الأفكار السليمة والخاطئة.
غير أن أشهر التعريفات التي حاولت سبر أغوار التفكير الناقد هو تعريف إدوارد جليسر(Edward Glaser) والذي عرفه بأنه الميل إلى التفكير العميق في المشاكل والمواضيع التي ترد ضمن مجال خبرة المرء، والإحاطة بنهج منطق الأسئلة وتعليلها وبعض المهارة في تطبيق هذا النهج، ويدعو التفكير الناقد إلى بذل جهد مستمر لتفحص أي اعتقاد أو أي شكل مفترض من المعرفة في ضوء الدليل الذي يدعم ذلك الاعتقاد واستنتاجات أخرى تنتج عنه.
كذلك يُعرِّفه روبرت إنس(Robert Ennis) بأنه تفكير منطقي تأملي يرتكز على اتخاذ قرار عما يجب اعتقاده أو عمله.
ويعتبر كثيرون الفيلسوف الأمريكي جون ديوي(Johan Dewey) أباً للتفكير الناقد المعاصر، وقد سماه التفكير التأملي.
وهناك التفكير الناقد الإبداعي إذ لا يكتفي بمجرد النقد والتفكيك وإنما يطرح الحلول والسيناريوهات البديلة للخروج من المشكلة أو معالجة القضية المطروحة.
وبالمجمل يمكن القول أن التفكير الناقد هو عملية عقلية تعتمد بالأساس على التحليل والفرز والتمحيص بهدف التمييز بين ما هو حقيقي وما هو زائف، ثم البناء على ما هو حقيقي لشق مسارات جديدة.
إذن فمن يفكر تفكيراً نقدياً، وكما يذهب فهد الشميمري، من شأنه أن يبحث عن الأسباب الحقيقية، لا يسمح لأحد بأن يشتت فكره باستهلاكه في قضايا ثانوية بعيدة عن الموضوع، يكوِّن رؤية كلية حول الموقف بكامله، يبحث عن بدائل، يتجنب إصدار الحكم عندما تكون الأدلة والأسباب غير كافية، لديه الاستعداد لتغيير موقفه عندما يقتضي الأمر ذلك، منفتح على كافة الخيارات والآراء المختلفة مهما تكن درجة اختلافها مع قناعاته الشخصية، يتجنب إصدار أحكام ذاتية بل يتحرى الموضوعية قدر الإمكان، وفي نهاية الأمر يطلق الأحكام أو المقترحات أو الحلول بعد ذلك وكمرحلة أخيرة.
ومن دون شك فالإعلام بصيغته الحالية من شأنه أن يعزز ظاهرة غياب العقل والتفكير العقلاني، إذ بما يُقدمه من مادة إعلامية أصبح يشكل حائلاً أمام بناء ملكة التفكير النقدي المتأني، فالتفكير السريع هو سمته الأساسية، وكما يذهب بيير بورديو فوسائل الإعلام من شأنها استضافة من يفكرون بأسرع من أنفاسهم، كما أنهم يضطرون للتفكير وفقاً للأفكار الشائعة والسائدة التي يتقبلها الجميع والتي في معظمها تافهة ومبتذلة وتقليدية وسطحية وشائعة، فنحن، وعلى حد وصف بورديو، إزاء مفكرين متسرعين (Fast thinkers) يقدمون وجبات سريعة (Fast food) وهي أمور من شأنها تسطيح فكر المشاهد وإفقاده عمقه المعرفي.
وبالمجمل نعتقد أن هناك عدداً من المنطلقات التأسيسية التي يتحتم أن يراعيها المتلقي وهو يتابع الوسيلة الإعلامية ليفكر بما تقدمه من رسائل تفكيراً نقدياً لعل أبرزها حتمية الشك المنهجي في كل ما يُقدَّم كمنطلق تأسيسي لتحصيل المعرفة أي إتباع إستراتيجية التفكيك وإعادة التركيب ثم الاستنتاج، ومن ثم عليك كمتلقي أن تبدأ من فكرة مركزية وهي أن كل إعلام بالضرورة هو إعلام مؤدلج، وكن متأكداً أنه مادامت وسائل الإعلام تُلِّح عليك بشكل مكثف بشيء ما فإن هناك أشياء وقضايا جوهرية يتم إخفاؤها عنك، بل إن هناك مؤامرة يجري حبكها ضدك، فأعد إعمال عقلك ومن ثم إخضاع كل القضايا للتحليل والنقد.
إن ما نعانيه هو تآكل النزعة النقدية لدينا في حين أن آليات تفكيك الخداع الجماهيري التي تستخدمها وسائل الإعلام ضدك تبدأ من العقل، فعليك أن تطرح هذا السؤال على نفسك دون كلل: هل فارقت روح التساؤل جسدي أم أنها لازالت تسكنه؟ ومن ثم اجعل تساؤلاتك بعدد أنفاسك حول ما هو مطروح إعلامياً، فنحن بحاجة لتأكيد مركزية السؤال في حياتنا بل وفي حياة الأمم إذ ساعتها يمكن أن يتبلور وعي جمعي حقيقي.
إذ عبر إطلاق التساؤلات سيجري تقويض إستراتيجية الإعلام الموجه القائمة على التلقين والتي أضحت بمثابة جهاز القمع الفكري للشعوب وإجهاض محاولات التغيير، فالقائمين على تلك الوسائل الإعلامية يريدونك أن تضع عقلك في ثلاجة حفظ الموتى، هكذا تصبح كريشة في مهب الريح، تلك الريح التي ستجري دائماً وأبداً باتجاه مصالحهم ووفق هواهم.
كما أنه يتحتم إحياء روح المبادرة لدى المتلقي فوسائل الإعلام قوضت الإنسان من الداخل، قوضت فعل المبادرة لديه ومن ثم جعلته متردداً فلا يتَّخِذ قراراً بمفرده بل يُذعن لقرارات الآخرين باعتبارهم أكثر علماً وفهماً منه، هكذا صورت له الآلة الإعلامية الأمر، ومن ثم وجدنا أنفسنا أمام إنسان الإذعان الذي جرى تسويته بالأمر الواقع فقبِل مستسلماً كل مفردات عالمه في حين أن ما نُريده هو إنسان الارتقاء والقدرة على التجاوز ليرى دائما أبعد من واقعه مع اتكائه على حيثيات هذا الواقع ومعطياته في آن، فهكذا خلقه الله مفعماً بالإرادة، إرادة التجاوز التي مكنته من بناء الحضارة الإنسانية وإرساء دعائمها.
حقيقة أن أساليب التلاعب والتضليل التي تتَّبعها وسائل الإعلام عبر برامجها كثيرة جداً ومتنوعة، منها على سبيل المثال:
- اللجوء لاختيار ضيفين لمناقشة قضية ما لكنهما ليسا بذات المستوى فتعمد الوسيلة الإعلامية لاختيار ضيف قوي ومتمكن من عرض حجته وهو المتوافق مع توجهات الوسيلة الإعلامية لينتصر على الضيف الآخر الغير متوافق مع تلك التوجهات لكنه من الضعف بحيث يضر بموقفه الذي يدافع عنه، ومن ثم ينتصر توجه تلك الوسيلة الإعلامية ويبدو الأمر وكأنه جرت مناقشة القضية بموضوعية وحيادية.
- عدم العدالة في المساحة الزمنية الممنوحة للرأي والرأي الآخر، ففي حين يجري إفراد مساحة زمنية كبيرة للرأي المتفق مع توجهات الوسيلة الإعلامية في المقابل يحدث العكس مع الرأي المخالف.
- إجراء اتصالات وهمية مُعَد لها مسبقاً لمهاجمة الضيف الذي يُراد دحض رأيه أو توفير مناخ اتصالي لبعض مؤيدي توجهات الوسيلة الإعلامية في حين يحدث العكس مع مخالفي تلك التوجهات.
- تقديم تقارير زائفة ومفبركة من الشارع تؤكد التوجه الذي تتبناه الوسيلة الإعلامية والادعاء بأن شريحة المواطنين الذين جرى اختيارهم داخلها تمثل عامة الشعب.
ومن ثم يجب التساؤل دائماً: هل هناك رأي ورأي آخر داخل البرنامج؟ هل المساحة الزمنية للضيوف واحدة؟ هل الضيوف بنفس المستوى؟ هل المذيع يوجهني لرأى ما أم يضعني أمام خيارات حقيقية؟ هل التقارير المُقدَّمة تعكس الواقع بصدق؟ هل يجرى توظيف الصور بحيادية؟ هل التصريحات المنقولة مقتطعة من سياقها؟ هل المقصود من مناقشة وعرض تلك القضية هو إخفاء قضية أخرى أكثر أهمية أم ماذا؟ ما مصلحة الجهة الممولة للوسيلة الإعلامية في طرح تلك القضية بهذا الشكل وفي ذلك التوقيت؟ فالكل يبحث دائما عن مصالحه فعلى سبيل المثال إن كانوا رجال أعمال فسيميلون للدفاع عن مصالحهم وإن أتت على حقوق الفقراء وهكذا.
وفي التحليل الأخير فإن استخدام مهارات التفكير الناقد من شأنها، وكما يذهب البعض، أن تقود المتلقي إلى فهم أكثر عمقاً للمحتوى المعرفي والقيمي الذي تطرحه وسائل الإعلام وتلح به على المتلقي، واستبطان ملامح أيديولوجية الذين يقفون وراءه، ومن ثم التخلص مما علق بالرسالة الإعلامية من شوائب أيديولوجية، كما تحرر الفرد من سجن التلقين والانغلاق الفكري، وتجعله قابلاً للانفتاح على الآخر مهما تكن درجة الاختلافات الفكرية معه، كما تُجنِّبه رذيلة الطاعة العمياء ومن ثم السقوط في براثن الجماعات ذات الأطروحات المتطرفة تلك الأطروحات التي لا تجد حظها من الانتشار والذيوع إلا وسط بيئة وأمة أقالت عقلها وأطلقت عليه رصاصة الرحمة فأقالها التاريخ من بين دفتي كتابه وهوت في غياهب النسيان.
وأخيراً دعنا نردد مع فولتير قوله:" إذا أردت إنهاض شعب فعلِّمه كيف يفكر".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بريطانيا تودع الأمير فيليب.. وبصماته حاضرة في جنازته | #غرفة


.. الدكتور أحمد المشتت: هذه السلاسلة بالكامل هي مزدوجة التحور و


.. المسؤول عن انفجار نطنز معروف الهوية.. لكنه خارج إيران | #غرف




.. كورونا يتفشى.. وقلق من تفاوت توزيع اللقاحات بين الدول الغنية


.. العائلة المالكة تودع الأمير فيليب