الحوار المتمدن - موبايل


-النخب- العراقيه تخون تاريخها؟/7

عبدالامير الركابي

2021 / 2 / 10
مواضيع وابحاث سياسية


عبدالاميرالركابي
عاش العراق تاريخه وماانصرم من مسار تشكله الحديث، كحالة استلاب، الاحداث تجري فيه خرساء غير ناطقة، بينما النطق اذا وجد فانه يتحدث خارج الحقيقة المعاشة ومجرياتها، وعمل الياتها، مركبا عليها رؤى ومنظورات من خارجها، وهذا الحكم ينسجب بتدرجات على الحقب الثلاثة الحديثة : القبلي، والانتظاري الديني، والثالث الايديلوجي، مع اختلافات وتدرجات، تصل مع الحقبة الثالثة الايديلوجية الغربية على مستويي "الدولة" والكيانيه، كما على صعيد مايضادها شكلا، درجة ومستوى منذرا بالافنائية، وباحتمالية إيقاف او تدمير أسس الالية المجتمعية التاريخيه، بماتنطوي عليه وتمتاز به من مغزى ودلالة على مستوى ابعد من حدودها، ومن نطاق تجليها الموضعي/ الوطني.
الحال المنوه عنه كان من الطبيعي ان ينطوي على مغزى ودلالة خاصة من نوعه، تطبع الممارسه التاريخيه، وتفرقها عما هي محكومه له، ومطموسه تحته للأسباب المذكورة أعلاه، من نوع "التحررية" واسباغ المفاهيم والخاصيات المنقولة عن الغرب، او عن الانشطارية الغربيه ابان زمن القطبيه الدولية، والمعروفة ب"التحرر الوطني"، او ماقد حل بعده من اشكال وذيول متهافته تصورية، من نوع "المدنيه"، و "دولة المواطنه"، وماينتسب لها، وكل هذا العالم صار يمثل اليوم تراكما اكراهيا تزويريا، يجعله قائما وقادرا على الاستمرار بالاصل، حال تعذر النطقية، وتاخر ممكنات تعبير الكيانيه العراقية الازدواجيه الإمبراطورية التحوليه عن ذاتها.
هذا يجعل من تاريخ العراق من حيث المحرك والهدف الأساس: "تاريخ الوصول الى النطق عن الذات"، فالعراق منذ القرن السادس عشر الى اليوم، استمر يعيش تاريخه وحياته خارج ذاته، الاحداث فيه تسمى بغير اسمائها، وتوصف بغير ماهي كائنة عليه، بما يجعل من مسالة "التحرر الوطني" كما هي مستعمله مجرد اكذوبة، ونوع من التلفيق المزور والفصام المستند الى غياب التعبيرية الوطنيه المتطابقة مع الحقيقة التاريخيه، فلا تحرر ممكن من دون استعادة للذات، أوقبل اماطة اللثام عن المضمر الخافي المؤجل، الكامن بين تضاعيف البنيه التاريخيه، وهو مايتعدى ويختلف كليا عن دلالة ومعنى ماهو مستعمل من شعارات ملفقة، مسقطه على الواقع العراقي، بالاخص خلال القرن المنصرم، وبالذات منذ ثلاثيناته.
هكذا تكون معركة العراق الكبرى المؤجلة، والتي تشير الدلائل الى اقتراب حضورها في الحياة العراقية، هي "معركة الالتقاء مع الذات"، مع مايتصل بها ويترافق من اشكال تجل من البديهي ان تكون مختلفة عما هو جار، او مزمع التخلص منه واطراحه، من اشكال نظر وحكم، من بينها وعلى راسها تلك التي تعرف بها، وعلى أساسها ظاهرة مايطلق عليه بحسب المفاهيم المعممه من الغرب، ظاهرة "الثورات"، مضافا لها مجمل الاحداث المتصلة بالتعبيرية الذاتيه المتنامية، كمثل اسباغ تسمية "الثورة" بحسب النموذج الغربي على حدث من نوع الحاصل منذ 1 تشرين 2019، الحدث المحفز مثله مثل احداث غيره اقل حجما تلاحقت في العقدين المنصرمين منذ الغزو الأمريكي، وتحولت الى طابع مميز ومتنام للحركة التاريخيه وتراكماتها ابان اللحظة الراهنه، تصاعدا نحو الازمة الثورية الكبرى المنتظرة، والتي من المستحيل تصور انتهائها من دون انقلابية تصورية كبرى، تحيي الذاتيه المطموسة وتجعلها حقيقة معاشه، مكمله، تزيل النقص الأكبر الذي ظل ملازما لتاريخ العراق على امتداده عبر الدورات والقرون، وهو مايعني ابتداء واساسا ولزوما اليوم، وضع الاحداث وإعادة النظر اليها من زاوية، وعلى اعتبار كونها عوامل ومحطات موجبة، وحافزه على انبثاق الرؤية، وليست احداثا منطوية بذاتها على غرضيتها وأهدافها المقررة مسبقا وبداهة، والمصاغة بحسب النموذج الجاهز والاسقاطي لمايعرف ب " الثورات" كما هي مكرسة نموذجا في العصر الحديث الاوربي.
بعد الغزو والاحتلال الأمريكي عام 2003 توالت الظواهر الدالة على ابتداء مرحلة جديدة في التاريخ العراقي، تراكمت ابانها ظواهر مختلفة، تبدو غير مترابطة، طابعها الأساس جزئيتها، ابتداء مما عرف بالمقاومة العراقية المسلحه، الى الحركات المهمدوية، الى اشكال التحركات الشعبيه المتصاعده تحت شعارات الإصلاح، الى انتفاضة البصرة، وصولا الى الحراك التشريني المتميز بكونه اعلى واشمل، واكثر قربا مماسبقة من حيث التعبير عن الذاتيه المستقلة عمليا، على الأقل عن كافه اشكال التعبير الجاهز، الحزبي والمدني وغيره من القوى والتيارات الدالة ببقايا حضورها المتراجع بقوة، على العجز، وعلى عدم اكتمال أسباب تحوّل الحراك الثوري الى عملية ثورية عراقية وطن/ كونيه شاملة، الامر الذي مازال يحيط بالوثبة التشرينية، ويحد من نطاق فعلها ونتائجها موضوعيا، بالاخص في مجال مايعتبر هدفا رئيسيا وتاريخيا، هو اليوم الشعار الأكبر المطروح، غير المتبلوركليا،والذي مازالت جموع الناهضين من الشبيبه، تقف دونه عاجزه، ومضطره لان تتعامل مع مهمات مفترضة، وشعارات لاتنطبق على جوهر الحراك الحالي، ولا مع طبيعته التاريخيه الانقلابية الكبرى.
ذلك بينما يلوح في الأفق أولا مايستوجب إعادة قراءة مايعرف بالتاريخ الحديث، من زاوية وبناء على إعادة قراءة الشريط الحدثي، من ثورة العشرين في القرن العشرين، الى وثبة تشرين في القرن الواحد والعشرين، باعتبارهما بداية اولى وبوابة نهاية، الأولى كانت ثورة بلا نطق، تغلبت عليها وشوهت دلالتها المنظورات وشبكة المفاهيم المستعارة الافنائية، الامر الذي استمر الى اليوم، مع غلبة سردية الاستعارة والمفهوم المتماهي مع ظاهرة الغرب واستعماره، وهو مايشمل ثورة 14 تموز 1958 وتعريفها، والنظر اليها، والى مايسمى" طابعها الرئيسي"، هذا غير الاحداث والانتفاضات الشعبية السابقة عليها، والمفضية لها من نوع الانتفاضات في 1948 ، و1952 و1956 مع الهبات والوثبات الريفيه والعمالية، وغيرها من مجمل التحركات المتتاليه التي عرفها العراق ابان الطور الأول من اطوار الافنائية 1921/1958 الغربية، بصيغتها الابتدائية على مستوى الكيانيه والدولة، ووفقا لماجرى وامكن تركيبه بناء عليه في حينه، وكاستكمال عملي لمهمة ومحاولة تصفية ثورة 1920 التحولية الكونية الأولى، قبل مثيلتها الثانية في 14 تموز، 1958التي افضت، لابل واوجبت الصيغة الكيانيه الافنائية الثانيه، المستندة للريع النفطي، والعقائدية الايديلوجية والنواة القرابية، بدل قوة واسناد وحضور الغرب المباشر كما كان عليه الحال في الطور الأول من تاريخ الكيانيه الافنائية المعروفة ب " الحديثة"، المتصلة بالغرب وحضوره، وظاهرته وغلبتها على مستوى الكوكب الأرضي.
قرن كامل عاشه العراق بلا رؤية للذات، يتحكم بنظرته لوجوده وذاته منظور مستعار من خارجه، معدود بمثابة حقيقة مطلقه وشاملة عامة، قرن والصراع الجاري فيه وبين تضاعيفه، هو صراع الازدواجية الإمبراطورية التاريخيه التحوليّة،ضد الأحادية الالية الحداثية الوطنيه، ومفهوم " الدولة/ الامه"، واشكال الدولة "المدنيه" و "الاشتراكية"، قرن حيث الفكر والعقل مجرد محفوظات، وتركيب للقواعد والمفاهيم والمنهجيات الجاهزة المستعاره، وحيث لاعقل فعال، ولا فكرفاعل، وحيث الأفكار منوطة ب، ومساقه على قاعدة الاجترار ومايواكبها ويحايثها من اشكال ابتسار واكراهية، وغمط لكل مايخرج عن القواعد المنقولة، باعتبار مايلازم هذه من ادعاءات العلمية والثورية والتقدم والعصر، ضد الخصوصية والتخلف، والماضي، أي ضد الذات لصالح ذات أخرى، ركبت اليوم سيده على الجميع.
لن تصبح تشرين ثورة، او تبدا بالتحول الى حدث تاريخي فاصل على مستوى العراق والمنطقة الشرق متوسطية، لا بل على مستوى الكوكب الأرضي، الا بالتقائها بما هو روحها المطوية الخافية، المؤجلة منذ سبعة الاف عام، باسم "قران العراق"، الذي لم يكن قد حان اوانه، حينما لم تكن أسباب الانتقال العقلي للكائن البشري المسمى "الانسان" اعتباطا، قد اكتملت، لتنتقل الى الطور التحولي مابعد المجتمعي الثباتي، مايوجب ويفرض وقتها عودة الاليات الكوكبية الى الأصل، كما كان الحال يوم ارتحل إبراهيم من اور، لكي يعمم على البشرية، الرؤية النبوية الكونيه المؤقته، المتناسبه مع الزمن ماقبل التحولي، وماقبل الطور الثاني الابراهيمي "العلّي" السببي، وهكذا تكون حراكات اليوم واخرها وأكثرها نضجا واقترابا من المطلوب، حراك تشرين 2019، حراكا لاتحقق له بالاستعاره، او بماضي الحركية غير الناطقة، فالعراق الحالي انتقل من ذلك الزمن المستمر من 1920 تحديدا، ناهيك عما قبلة، وصولا الى 2003 عندما انفتح الأفق على عالم واليات أخرى، معاكسه، تحتل المصادرة البرانيه بكل اشكالها وتعبيراتها فيه موقع التراجع والانكفاء المطرد، وصولا الى انتهاء القدرة الكلية على الحضور على المستويات كافة، بعنى ذلك وتحديدا، ان العراق اليوم هو عراق سائر الى انتصار الذاتيه المؤجلة، على الاستعارة والمصادرة الاسقاطية، بعد ان قضى قرنا من الزمن عاشه محكوما لقانون غلبة الاسقاطية، على الذاتيه التاريخيه الحية، برغم حضور الاخيرة الواقعي المغفل.
يوم تلتقي الحراكات التحوليّة مع "قرآن العراق" المؤجل، لاتعود المقاومة جزئية، بلا رؤية على مستوى العراق، ومحصورة في المناطق الغربيه منه، ولا يظل من مكان لاشكال المهدويات المستمدة من تاريخ التعبير النبوي المنتهي الصلاحية، وبقاياه، ولا تتوقف الحراكات عند الناصرية والحبوبي، وساحة التحرير فقط، بل تمتد لتشمل الرمادي، والسليمانية، واربيل، والموصل، ووقتها لن يعود ثمة من مكان للمتبقيات التي يتعكز عليها الاحتلال من أي جهة او مصدر أتى، في حين يتغير العالم والتاريخ برمته، والمجتمعات نفسها، ليبدا زمن آخر من ازمان الوجود البشري الحي، والعقل أولا وبالمقدمه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لبنان يوسع مطالبه بالحدود البحرية مع إسرائيل


.. المغرب يسعى لاستخدام القنب الهندي من خلال تقنين زراعة النبتة


.. ليبيا.. خلاف حول القاعدة الدستورية لانتخاب الرئيس




.. قرار لبناني بتوسيع المنطقة البحرية المتنازع عليها مع إسرائيل


.. إيران تتهم إسرائيل بالوقوف وراء هجوم منشأة نطنز النووية