الحوار المتمدن - موبايل


صخور القمر والمريخ، وديناصورات، على كورنيش النيل

أمل سالم

2021 / 2 / 12
السياحة والرحلات


(مقال نشر في مجلة الثقافة الجديدة عدد يناير 2021)
هنا يتجلى الجمال! علاقة شديدة الإرتباط بين مصر وبين الجمال بصوره المختلفة؛ ولا تقتصر تجليات الجمال على طبيعتها الجغرافية أو تركيبتها الديمغرافية أو تاريخها فقط، بل تمتد تجليات الجمال في كل مكون من مكونات هذا الوطن المتفرد.
يعرف الدارس للبيئة النباتية في مصر أنها بيئة شديدة الخصوصية، راقية وعريضة، لكل نبتة شخصيتها، لكل خضرة من كسائها الخضري فائدة معينة.
يعرف الدارس للبيئة الحيوانية في مصر، سواء أكانت حيوانات النيل أو واديه أو حتى البيئة الصحراوية، أنها بيئة مميَزة؛ وهبها الله تنوعًا مثيرًا قلما يوجد في بقعة أخرى من بقاع الأرض.
هنا علاقة بين الجمال وبين كل ما هو حي فوق سطح أرض مصر! ولا ينسى الجمال أن يتسلل رويدًا ليتجلى فيما هو تحت سطح أرض مصر، يظهر جليًّا في صخور قشرتها الأرضية؛ وهي أيضًا متنوعة، بديعة المنظر، زاهية الألوان أحيانًا كثيرة، مختلفة الشكل والصلادة والملمس. الجمال حاضر حتى في الحفريات المصرية المطمورة منذ آلاف السنين عبر طبقات الأرض، الجمال حاضر وبقوة في الجيولوجيا المصرية.
وعلم الجيولوجيا (Geology): هو العلم المعني بدراسة ديناميكية أو حركية الأرض، والتطورات التي تمر بها، ومصادر الطاقة المحتضنة فيها، وهو العلم الذي يختص في التحقيق بالعمليات الحيوية التي أسهمت بتشكيل الكرة الأرضية منذ آلاف السنين؛ بالاعتماد على دراسة الصخور التي تعتبر أرشيفًا تاريخيًا للأرض. الجيولوجيا كتاب الأرض الذي نقرأ فيه تاريخها.
في عام 1896 أمر الخديو إسماعيل بإنشاء الهيئة العامة للمساحة الجيولوجية المصرية، تعد بذلك من أقدم الهيئات الجيولوجية في العالم، وكان الغرض من إنشائها دراسة كل أنواع الصخور والتربة وكذلك الرواسب المعدنية وغيرها مما له قيمة اقتصادية بالأراضي المصرية.
عقب إنشاء الهيئة العامة للمساحة الجيولوجية المصرية كانت مصر- السباقة دائمًا عبر تاريخها- على موعد مع شرف إنشاء متحفها الجيولوجي مبكرًا؛ حيث أنشأ هذا المتحف عام 1901 كأحد أقسام المساحة الجيولوجية. اتخذ المتحف من مبنى على الطراز اليوناني-الروماني داخل حديقة وزارة الأشغال بشارع الشيخ ريحان، مقرًّا له، على مقربة من المجمع العلمي الذي كان يحوي كنوزًا مصرية من كتب وخرائط ومخطوطات...، وافتتح المتحف الجيولوجي للجمهور في الأول من ديسمبر عام 1904، فاحتوى هو الآخر على كنوز مصرية من نوع آخر؛ حيث كان يعرض مجموعة ضخمة من الحفريات لحيوانات فقارية وثدييّة جمعت من وادي حيتان بمحافظة الفيوم عام 1896 بالإضافة إلى العديد من الحفريات النادرة والقيّمة.
ولندرة ما يحتويه المتحف من عينات، ولأهميتها للعلم وللإنسانية، اتخذ قرارًا بدفنها في الرمال أثناء الحرب العالمية الثانية؛ كي لا تكون عرضة للتلف إذا ما قصف المكان، وبعد انتهاء الحرب أخرجت وأعيد عرضها مرة ثانية.
ظل المتحف الجيولوجي في مكانه حتى عام 1982؛ حين تم هدم المبنى الأصلي لإنشاء مترو أنفاق القاهرة. نقلت بعد ذلك مقتنيات المتحف إلى بدروم بمبنى النقل النهري؛ حيث أنشأ المتحف في موقعه الحالي بمنطقة زهراء مصر القديمة، متاخمًا لمنطقة أثر النبي على كورنيش النيل، وهي المنطقة التي يقع بها مسجد كان يحتوي على آثار قيل أنها للنبي صلى الله عليه وسلم نقلت لمسجد الحسين ولم يتبقى إلا لوح حجري مائل للحمرة عليه آثار لقدم يقال إنه قدم النبي (ص).
ويمكن القول بأن المتحف الحالي لا يليق بقيمة الكنوز الجيولوجية المعروضة فيه، مما دعا البعض إلى المطالبة بنقله إلى مكان آخر يليق به، ويمكن القول: أن منطقة متحف الحضارة، والتي تقع على بحيرة عين الصيرة، قد تكون مرشحة لذلك، وهي تبعد عن مقر المتحف الحالي بضعة كيلومترات، وقد تم تطويرها أخيرًا.
يعد المتحف الجيولوجي هو الأول من نوعه في الشرق الأوسط والعالم العربي وإفريقيا، وهو متحف التاريخ الطبيعى الوحيد في مصر. وإذا ما أردنا معرفة أهميته وجب علينا مقارنته بمثيله البريطاني مثلًا، والذى يدر عليهم الملايين سنويا؛ يرتاده الطلاب للدراسة، والهواة للمعرفة، والعامة للمشاهدة والاستمتاع، وتمثل فيه الأفلام السينمائية. لكن المتحف الجيولوجي المصري اليوم في طي النسيان كغيره من متاحفنا القيّمة، يقبع في إهمال تغطي الأتربة قاعات العرض، مغلق يفتح بالطلب، لا دعاية ولا إعلان عنه، يجهل الجميع مكانه وتاريخه، ولا نقدر أهميته.
رأس تشارلز وليم أندروز(C.W.Andrews)، عالم الحفريات البريطاني المتخصص في الحفريات الفقارية، أول أمانة للمتحف الجيولوجي عام 1904، ثم تبعه هنري أوزبورن (Henry Osborn)
1906، الذي شغل منصب الرئيس للمتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي لمدة خمس وعشرين عامًا.
فيما بعد تولى الدكتور حسن صادق منصب الأمين فكان بذلك أول أمين مصري للمتحف. وقد احتفل المتحف باليوبيل الماسي عام 1979 حيث صدر طابع بريد تذكارى بهذه المناسبة.
عندما تذهب لزيارة المتحف ستقوم بدفع تذكرة الدخول وقدرها خمسة جنيهات، وستجد المتحف مغلقًا، حيث يقوم أحدهم بفض رصاص التشميع أمامك لفتح المتحف! يخبرك لاحقًا أنه لا تتم زيارته في العادة إلا من قبل بعض طلاب كليات العلوم قسم الجيولوجيا. التجول في المتحف بصحبة الدكتور أمين المتحف يكون شيقًا جدًّا؛ حيث يدخلك شرحه الوافي إلى عالم الخيال العلمي والأفلام التي تحكي عن الحياة على الأرض قبل التاريخ، يدخلك حديث العالِم في العصور الجيولوجية الغابرة وحيواناتها ونباتاتها وحفرياتها وصخورها، حديث قلما يصلنا من وسائل الإعلام المعتادة.
مقتنيات المتحف
وتوزع مقتنيات المتحف على صالات العرض بالمتحف، وتعرض بطرق علمية حديثة، يشرف عليها مجموعة من الجيولوجيين المتخصصين كل في مجاله.
عقب الدخول من باب المتحف مباشرة ستقابلنا دواليب عرض مغلقة على العينات، أحدهم يحتوي عينة من صخور القمر! يصاحبها في نفس دولاب العرض علم مصر "ذو النجمتين". كانت بطاقة التعريف، المعلقة على دولاب العرض الزجاجي المغلق، قبل عدة سنوات مكتوبة باللغتين العربية والإنجليزية، وفيها الفقرة التالية: "عينة من صخور القمر مأخوذة من وادي تورس ليترو على سطح القمر أعطيت كرمز للوحدة الإنسانية وتحمل معها أمل الشعب الأمريكي للعالم بالسلام. علم الجمهورية الذي وضع على سطح القمر خلال رحلة أبوللو السابعة عشر في الفترة من 7-9 ديسمبر 1972، إهداء إلى شعب جمهورية مصر العربية من شعب الولايات المتحدة الأمريكية". تحمل البطاقة توقيعًا باسم الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بتاريخ 1973. وفي الفترة الأخيرة تم استبدال بطاقة التعريف تلك ببطاقة تعريف جديدة، كتب فيها : "عينة من صخور القمر اهداء من أ.د. فاروق الباز"!
ومن مقتنيات المتحف الفريدة أيضًا نيزكًا مصدره كوكب المريخ، أطلق عليه العلماء نيزك النخلة (Nakhla Meteorite)؛ هو نوع من ثلاثة عشر نيزكًا من النخليات تم اكتشافه في قرية النخلة احدى قرى محافظة البحيرة بتاريخ 28 يونيو عام 1911. ويعد نيزك النخلة واحدًا من ثلاثة نيازك عالمية شهيرة هي النيازك المريخية.
قاعات عرض المتحف: يضم المتحف ثلاثة قاعات للعرض، وهي:
-قاعة الحفريات الفقّارية
وتعتبر الحفريات (Fossils): بقايا أو آثار لكائنٍ حي سواءً كان نباتًا أو حيوانًا عاش قديمًا، ومات منذ آلاف أو ملايين السنين، وتم حفظه في طبقات الأرض بطرقٍ طبيعية. أما الفقّارية: فهي صفة للدلالة على وجود عمود فقّاري للحيوانات كالعمود الفقّاري لدى الإنسان.
وتحتوي هذه القاعة على الحفريات الفقارية التي عاشت في الأزمنة الجيولوجية المختلفة، ومن أبرزها مجموعة من حفريات الحيوانات الفقّارية الثديية التي تتميز بها منطقة الفيوم، التى جمعت عام 1898 وأرسلت إلى إنجلترا عام 1899؛ لتعريفها ودراستها ثم أعيدت إلى مصر. ويذكر أن أول حفرية فقارية اكتشفت كاملة كانت عام 1901، وعرضت بصالة الحفريات الفقارية بالمتحف؛ وهي لحيوان مائي من رتبة الحيتان. كما يوجد هيكل عظمي كامل لحوت من نفس النوع تم اكتشافه سنة 1901 بواسطة العالم الإنجليزي بيدنل (Bidnell) وعرّفه الجيولوجي وعالم النبات الإسترالي أندروز
(Ernest Clayton Andrews)‏. جاء بعد ذلك العالم الألماني جورج شفاينفورث (Georg Schweinfurth) - هو رحالة تخصص في الدراسات الأفريقية، استكشف وادي النيل ومجراه ثم انصرف إلى دراسة جيولوجية مصر ونباتاتها، وهو أول رئيس للجمعية الجغرافية الخديوية بالقاهرة سنة 1875، ومدير المتحف المصري لعشر سنوات، وقد كشف شفاينفورث عام 1879 عن أول عظام متحجرة في بحيرة قارون بالفيوم. وتواجدت هذه الحفرية ضمن رواسب العصر الإيوسينى العلوى (حقبة جيولوجية استمرت من 56 إلى 34 مليون سنة مضت، هي بداية ظهور الثدييات الحديثة مثل الإنسان) وتم تعريفها عام 1894 بواسطة العالم الفرنسى دامس (Damas) كحفريات فقارية لحيوان مائي من رتبة الحيتان، ومنذ ذلك الحين بدأت بعثات التنقيب عن الحفريات بمنطقة الفيوم شمال بحيرة قارون؛ حيث توجد رواسب العصور الجيولوجية الإيوسيني والأوليجوسيني.
بالإضافة إلى حيتان الفيوم فهذه القاعة يعرض بها حفريات أفيال الصحراء الغربية، وبها حفرية نادرة لحيوان الفيوم القديم (الارثينوثيريوم) الشبيه بالفيلة الحالية، ومن المعلوم أن هذه الحفريات كانت توجد أيضًا في محمية الغابة المتحجرة بالمعادي، التي تقلصت مساحتها إلى الي ستة كيلو مترات مربعة بعد أن كانت تتراوح بين(750 ـ1000 كيلو متر مربع) نتيجة طغيان العمران، بينما تحافظ الدول الأخري على مثل هذه الأماكن باعتبارها جزءًا من التراث الإنساني؛ فالهند مثلًا أنشأت طريقا دائريا طوله عشرة كيلو مترات تفاديا لتدمير شجرة واحدة معمرة ونادرة. وكذلك يعرض بها هياكل عظميه غير مكتملة للديناصور المصرى والذي تم اكتشاف أحد حفرياته كاملة عام 2008 بمنطقة تنيدة بالواحات الداخلة بالصحراء الغربية المصرية.
-قاعة عرض حفريات اللافقاريات
تتضمن الحفريات اللافقارية؛ وهي حفريات لحيوانات لا يوجد بها عمود فقّاري؛ كالصدف والمحار والرخويات، وكذلك يعرض بها بقايا لكائنات حيوانية أو نباتية كانت تعيش في العصور الجيولوجية المختلفة، فضلا عن مجموعة من المعروضات القيمة كحفريات لقواقع وجدت بالفيوم والصحراء الغربية.
-قاعة عرض المعادن والصخور
وهى صالة عرض المعادن والصخور, ويعرض فيها مجموعة كبيرة من المعادن والخامات المعدنية والصخور بمصر.
المعادن هي مواد صلبة متجانسة،غير عضوية؛ أي ليس لها أصل من كائن حي. تتكون طبيعياً، ولها بناء بلّوري محدد (البلّورة: شكل جزئيات المعدن وترتيب ذراته، وترى بعد تكبيرها بالمجهر) وتركيب كيميائي معين. ويمكن اعتبار أن المعدن هو عبارة عن عنصر أو مركب كيميائي كريستالي بطبيعته متكون كناتج عمليات جيولوجية ولكل خواصه الطبيعية المحددة والثابتة.
أما الصخور تشكيلات تحتوي على مجموعة من المعادن تتواجد في الطبيعة، وتكون جزءًا أساسيًّا في تركيب القشرة الأرضية،
والمعروضات من المعادن والخامات المعدنية بمصر مرتبة ومصنفة وفقا لأحدث التقسيمات المعدنية، منها ما هو نفيس وغالي، ومنها ما هو معادن رخيصة الثمن، كما يوجد بالقاعة عينات من مجموعة من الأحجار الكريمة الكهرمان والأصداف المشغولة، وتحتوي القاعة على أصداف مشغولة خاصة بالأسرة الملكية السابقة ومجموعات مهداة من الياقوت والسافير الطبيعي والصناعي.
تضم الصالة عينات كثيرة من المعادن المختلفة تمثل أنواع الصخور بأقسامها الثلاثة، الصخور النارية وهي الصخور المتكونة من حمم النشاط البركاني مثل الجرانيت والبازلت اللذان استخدمهما المصريون القدماء في نحت تماثيل مصر القديمة. والصخور الرسوبية: التي تنشأ فوق سطح الغلاف الصخري نتيجة لتأثير عوامل التعرية وفعل الكائنات الحية ومنها الحجر الرملي؛ الذي نحت منه القدماء تمثال أبي الهول، والحجر الجيري؛ واستخدم في بناء المعابد والمقابر والأديرة في العصر القبطي والمساجد في العصر الإسلامي. والصخور المتحولة: وهي الصخور التي تعرضت للحرارة الشديدة والضغط المرتفع فتم إعادة تشكيل بلّوراتها مثل الكالسيت والتلك والكوارتز، وجميع هذه الصخور بأنواعها المختلفة وأمثلة كل نوع ممثلة في صالة العرض والكثير منها يمكن فحصه ومشاهدته عن قرب.
يعرض أيضًا بالمتحف العمود الجيولوجي: هو مصطلح يطلق على التتابع الكامل لجميع الصخور المكونة للقشرة الارضية من اقدم مكوناتها حتى الآن، وهو يدلل على التتابع الصخري الكامل الممثل فى منطقة معينة من الأراضي المصرية.
وينتشر بالمتحف الخرائط الجيولوجية الدالة على توزيع المعادن والصخور في العصور الجيولوجية المختلفة وكذا صور علماء الجيولوجيا الذين أسهموا بأدوار مميزة في الاكتشافات الجيولوجية المختلفة في مصر.
-إدارات المتحف
يضم المتحف ست إدارات وبعض المعامل للحفريات والمعادن، ويعتبر معمل الحفريات -وخاصة الفقّارية- من المعامل النادرة والفريدة على مستوى المنطقة العربية؛ حيث يضم مجموعة من المتخصصين في مجال تجهيز الحفريات. كذلك يقوم المعمل بعمل نماذج جبسية أو بلاستيكية لبعض الحفريات النادرة التي لا يمكن تداولها؛ حتى يستطيع الدارسون الاطلاع على تفاصيل الحفرية بسهولة مع الحفاظ على الحفرية الأصلية النادرة.
يقوم معمل الصخور والمعادن بتجهيز الصخور الشهيرة وتقطيعها وتعريفها وعمل مجموعات منها للمدارس وكذلك الدارسون وذلك للمساعدة فى الوسائل التعليمية والثقافية بالنسبة لزوار المتحف.
في نهاية الزيارة يمكن للأطفال اصطحاب عينات حقيقية لبعض الصخور، أو نماذج لبعض الحفريات النادرة؛ هذا لو تم الاهتمام قليلًا بهذا الكنز المعرفي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تجدد القصف الإسرائيلي على غزة وصدامات في الضفة الغربية وسط م


.. نشرة الصباح | إسرائيل تعلن استهداف مكتب رئيس الأمن الداخلي ل


.. شاهد: اليونان تفرش السجاد الأحمر للسياح الأجانب العائدين…




.. شاهد| طائرة مسيّرة انتحارية لكتائب القسام تهاجم مصنع إسرائيل


.. شهادات حية على مجزرة مخيم الشاطئ والتي سقط فيها 8 شهداء