الحوار المتمدن - موبايل


الأب الروحي للعنف الصهيوني (فلاديمير جابوتنسكي)

محمد عمارة تقي الدين

2021 / 2 / 13
الارهاب, الحرب والسلام


دكتور محمد عمارة تقي الدين
الحقيقة أن أية محاولة لتفكيك ظاهرة العنف المتصاعد داخل الكيان الصهيوني لا تتطرق لأطروحات فلاديمير جابوتنسكي هي محاولة فاشلة، فقد أهملت أحد أبرز جذور تلك الظاهرة، إذ يعد جابوتنسكي بحق الأب الروحي للتيار الصهيوني المتطرف والمسئول عن كثير من المجازر التي تم ارتكابها بحق الفلسطينيين على خط امتداد القضية الفلسطينية، إذ كان جابوتنسكي، وكما يذهب المسيري، يرى أنه لا يمكن لإسرائيل أن تعيش إلا إذا طردت العرب وأقامت حول نفسها جدارًا حديديًا من القوة.
فهذا التيار الصهيوني المتشدد والمنبثق من أطروحات جابوتنسكي وغيره لا يشعر بأية أعباء أخلاقية تجاه الفلسطينيين، بل إن وجودهم وفق قناعاته هو مجرد عقبة من شأنها الحول دون تحقق المشروع الصهيوني، ومن ثم فإن إنهاء هذا الوجود الفلسطيني وتصفيته هو عملية براجماتية بامتياز ويجب تأديتها بكفاءة عالية ودون وخز من ضمير، هنا نلحظ تشابهاً كبيراً بين هذا الطرح الصهيوني المتطرف وبين الطرح الهتلري النازي الداعي للخلاص من غير الألمان ولو بإبادتهم.
ومن ثم فلابد من وقفة مع أطروحات جابوتنسكي بما له من تأثير هائل في بنية المجتمع الصهيوني بصيغته الحالية وتغذية أطروحات التطرف داخله، إذ كان يؤمن بحتمية التغيير الجذري السريع عبر إبادة الفلسطينيين من دون رحمة وتوطين يهود محلهم، ومن ثم قام بنفسه بقيادة الكثير من العمليات الإرهابية ضد الفلسطينيين، وانتقد الحركة الصهيونية معتبرا سياساتها متساهلة مع العرب!
كان جابوتنسكي يردد " إن الاقتتال بالسيف ليس ابتكاراً ألمانيا، بل إنه ملك لأجدادنا الأوائل " ، لقد وصفه البعض بأنه هتلر اليهودي فقد كان يريد الشروع في تصفية عرقية شاملة للفلسطينيين على غرار المشروع النازي، لقد عبّر موسوليني عن إعجابه به إذ قال : "إذا أرادت الصهيونية أن تنتصر فلا بد من تأسيس دولة يهودية سريعاً، وهناك من أدرك ذلك تمامًا إنه الفاشي جابوتنسكي" .
ومن أجل إنجاز تلك المُهمة اقترح جابوتنسكي إقامة "جدار حديدي" معنوي قوامه الخوف والعجز بين اليهود والعرب مؤكداً أن أية تجربة استيطانية لا بد أن تواجه بمقاومة من أصحاب الأرض ومن ثم يتحتم قتل الأمل لديهم وتسوية طموحهم للتحرر والخلاص من المستوطن بالأمر الواقع عبر إقامة جدار من الرعب داخلهم يجعلهم في حالة من الاستسلام النفسي واليأس المطلق، ولعل هذه الفكرة هي ما ألهمت تلامذته فيما بعد ومن ثم أقاموا الجدار العازل بشكله المادي.
وكان مبدأه الأساس والذي لا يمل جابوتنسكي ترديده: "إن ما لا يؤخذ بالقوة يؤخذ بمزيد من القوة"، مؤكداً أن" المشروع الصهيوني يرتبط تقدمه بقوة سلاحه"، لقد دفع جابوتنسكي بالأطروحات الغربية الاستعمارية في صيغتها العنصرية الإجرامية إلى حدها الأقصى، يقول المسيري حيال هذا الأمر: " لقد استوعب جابوتنسكي الرؤية المعرفية الإمبريالية تماما فرفض كل المثل الإنسانية وأعلن أن العالم ما هو إلا ساحة لصراع الجميع ضد الجميع وتأثر بالفكر الدارويني والنيتشوي الفاشي كما طرح فكرة الأنانية المقدسة" أي حتمية التضحية بالآخرين من أجل إنجاز المشروع الصهيوني، كما طالب اليهود بأن يتعلموا الذبح من الأغيار مؤكدا أن السيف أنزل على اليهود من السماء كما التوراة .
وهو ما يتماهى بشكل تام مع حقيقة أن الحركة الصهيونية لم تكن مجرد حركة استعمارية وإنما هي وبالأساس حركة استيطانية إحلالية، وهو ما يعني حتمية إخلاء الأرض من سكانها وإحلال يهود محلهم، فالعنف يتخذ وضعًا مركزيًا داخل بنية الفكر الصهيوني ومن ثم ينتقل للفعل والممارسة.
يأتي ذلك تأسيساً على ما تطرحه الصهيونية من رؤى عنصرية موغلة في عنصريتها إذ نجد الخير المطلق – اليهود - مقابل الشر المطلق- العرب - فهي ثنائية حادة تلجأ إليها جماعات العنف بإطلاقها، ففي مقابل إضفاء القداسة على الذات يجري تشويه الآخر وشيطنته ونزع كل الصفات الإنسانية عنه، وبالتالي يصبح الخلاص منه أمراً مقبولاً بل ويجري بكل هدوء وحيادية، يقول أرنولد توينبي مُبدياً اندهاشه من المذابح الصهيونية ضد الفلسطينيين مع بداية المشروع الصهيوني: " لم يعمد اليهود إلى تجنُّب الجرائم التي ارتكبها النازيون ضدهم بل قاموا بتقليدها".
هنا نلحظ التأثير النيتشوي الدارويني على الفكر الصهيوني: فلسفة القوة التي طرحها فريدريك نيتشة، وأطروحة البقاء للأقوى كما نظَّر لها الداروينيون كمقولتين تأسيسيتين للحضارة الغربية ثم للحركة الصهيونية التي انبثقت من رحمها.
لقد رحل جابوتنسكي وترك خلفه الكثير من التلاميذ الأوفياء لمنهجه المتطرف فها هو مناحيم بيجن يقول" إن قوة التقدم في تاريخ العالم ليس السلام، بل السيف"، وفي سياق آخر يقول " الفلسطينيين مجرد صراصير ينبغي سحقها" وفي كتابه الثورة نجد قوله:" أنا أقاتل إذن أنا موجود" ويضيف" من الدماء والنار سيخرج نموذج جديد من الرجال" فهو لديه عنف تطهيري من عقد الشخصية اليهودية التي تراكمت طوال التاريخ اليهودي.
ومن تلامذته أيضا نجد رابين قائد التطهير العرقي في مجازر 48 بكثير من المدن الفلسطينية، وصاحب نظرية تكسير العظام لقمع انتفاضة الفلسطينيين، كما كان فلاديمير جابوتنسكي بمثابة الأب الروحي لكل من المجرم أرئيل شارون وبنيامين نتنياهو، فالأخير والده المؤرخ المتطرف بن تسيون نتنياهو والذي كان من أتباع جابوتنسكي.
لقد وصف حاييم وايزمان أحد الزعماء الصهاينة - وهو أحد المنساقين خلف أطروحات جابوتنسكي - عملية الإبادة والتطهير العرقي للفلسطينيين عام 1948م، والتي قامت بها العصابات الصهيونية، بأنها مجرد عملية تنظيف (Cleaning process) ،هكذا وبكل بساطة، ومن ثم طرح هذا التيار نظرية الحقل المهجور فهي لديهم لا تعدو كونها تطهيراً للحقل من الحشائش والحشرات السامة التي تكاثرت به بعد أن تركه صاحبه مهجوراً لمدة طويلة، أي أن اليهودي ترك الأرض المقدسة لفترة طويلة وحين عاد وجد الفلسطينيين يسكنوها( فهم تلك الحشائش والحشرات السامة) ومن ثم يجب القضاء عليهم حتى يتمكن اليهودي من استعادة حقله نظيفاً كما كان.
من هذه النظرة الإجرامية انبثق العنف الصهيوني في بيئة لم تعرف العنف وهو العنف الذي عبر عن نفسه في شكل المذابح وعمليات التهجير والطرد التي تم إتباعها في تأسيس الكيان الصهيوني كإستراتيجية تفريغ وإحلال: تفريغ الأرض من الفلسطينيين وإحلال صهاينة مكانهم، وهي الإستراتيجية التي عبّر عنها مناحم بيجين بقوله : " لولا دير ياسين وأخواتها لما قامت إسرائيل" ، فمذبحة دير ياسين والتي ذهب ضحيتها نحو 250 شهيداً وأخواتها من المذابح التي تم ارتكابها بحق الفلسطينيين في عامي 1947م و1948م أدت لتفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها الفلسطينيين ممهدة الطريق أمام إعلان قيام الكيان الصهيوني، وكما تؤكد الكثير من المراجع التاريخية فإن عدد القرى التي هُجِّر أهلها في تلك الفترة الزمنية القصيرة بلغ نحو 531 قرية.
لقد تم ذلك كله بفعل العصابات الصهيونية المتطرفة مثل الهاجاناه، وشتيرن، والأرجون والتي اقترفت من المجازر ما يندى له جبين الإنسانية، والجدير بالذكر أنه من تلك العصابات الصهيونية تأسس الجيش الإسرائيلي، هنا ينتفي الاستغراب حول ما يرتكبه جنود هذا الجيش من بشاعات طوال تاريخه وصولا لوقتنا الراهن فهم أبناء وأحفاد الجيل الأول من المجرمين الصهاينة.
لقد قامت تلك العصابات الصهيونية بعملية تطهير عرقي واسعة ضد الفلسطينيّين، وهي الجرائم التي اعترف بها اليهود أنفسهم فيما بعد، إذ يأتي المؤرخ اليهودي إيلان بابيه كواحد من أهم المؤرخين الذي أعادوا النظر في الرواية الصهيونية لتلك الأحداث وما انطلت عليه من تزييف متعمد للحقائق ،ففي كتابه الأشهر التطهير العرقي في فلسطين ( The Ethnic Cleansing of Palestine) والذي يدفع بابيه فيه فكرة التطهير العرقي الإسرائيلي ضد الفلسطينيين إلى حدها الأقصى مؤكدًا أن الكيان الصهيوني قد ارتكب عام 1948م، تطهيرًا عرقيًا بشعاً ضد الفلسطينيين، لتتمكن العصابات الصهيونية من فرض أمر واقع يتم بموجبه إعلان قيام دولة الكيان الصهيوني على أكبر مساحة من الأرض.
كما اعترف أهارون زيسلينج وزير الزراعة الإسرائيلي في عام 1948 بتلك المذابح الصهيونية ضد الفلسطينيين إذ كان عضوًا في عصابات الهاجاناه الصهيونية، حيث قال: " لم يسعني النوم طوال الليل، ما كان يجري يؤلم روحي، فقد أخذ اليهود بدورهم يتصرفون كالنازيين وهو ما يفجر كياني".
وفي الوقت الراهن نجد تجليات هذا التطرف على الواقع الصهيوني فيما يقوم به كل من أتباع حزبي الليكود وإسرائيل بيتنا من ممارسات فهما معاقل اليمين العلماني المتطرف في وقتنا الحالي.
لقد ألقت تلك الأفكار بظلالها الكثيفة على الواقع الصهيوني بل وامتدت لتصيب الجيل الصغير من الأطفال، ففي دراسة حول الكتب المدرسية الإسرائيلية، أكدت الدراسة أن العربي طبقًا لتلك الكتب يتسم بالوحشية والهمجية، وأن اليهود دائما كانوا في موقع الضحية والمعتدى عليهم، وفي دراسة أخرى حول محتويات 1700 كتابًا من كتب الأطفال الإسرائيليين، تبين أن 520 كتابًا منها تضمنت أوصافا للفلسطينيين بأنهم: " شريرون " و" كذابون " و" جشعون " و" خونة " .
هذا بالإضافة إلى محتويات القصص المقررة على هؤلاء التلاميذ، ومن هذه القصص قصة بعنوان " خريف أخضر" وهي تتحدث عن قصة أسير عربي يقع في أيدي الجنود اليهود، وفي النهاية يستخدم الجنود اليهود هذا الأسير مع كلاب الألغام لينفجر به أحد هذه الألغام ويموت .
وفي عام 2002م نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت مقتطفات من رسائل أرسلها التلاميذ الإسرائيليون للجنود، وقد جاء فيها: " أصلي لك كي ترجع إلى بيتك سالما، وأن تقتل على الأقل عشرة من أجلى "، " خالف الأوامر وأبدهم، وتذكّر أن العربي الجيد هو العربي الميت "، " عزيزي الجندي رجاء اقتل الكثير من العرب "، " دع الفلسطينيين يحترقون بالنار، اصنع فيهم ثقوبا ببندقيتك واقذفهم بالقنابل " .
ومن ثم فنحن بانتظار جيل جديد من الإرهابيين، فهي أجيال يُسلِّم بعضها بعضا، وهو أمر من شأنه أن يحول دون تحقيق أي تسوية سلمية عادلة لصراع الشرق الأوسط في ظل هذا النزوع نحو أقصى التطرف مع وجود مناخات دولية متأزمة وقوى عالمية ليست لديها رغبة حقيقية في إنهاء هذا الصراع بشكل عادل.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لبنان في الأجندة الأوروبية.. عقوبات للحل | #غرفة_الأخبار


.. وفد جزائري رفيع المستوى يجري مباحثات في ليبيا | #النافذة_الم


.. مقترح لعقد قمة رئاسية بين الولايات المتحدة وروسيا




.. علماء غيروا التاريخ | تعرف على محمد الغافقي رائد جراحة العيو


.. سترة ذكية تحمي مرتديها عند السقوط أو الاصطدام