الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


صدق

رائف أمير اسماعيل

2021 / 2 / 13
الادب والفن


ارتجف جسده، وتصاعد ارتجافه بلحظات متتابعة وهو يشاهد فلماً أرسل إليه في حقل الرسائل الخاصة في الفيس بوك (الماسنجر). فلقد كان الفلم تصويرا كاملا وبزوايا متعددة لممارسته الجنسية مع زوجته ليلة دخلته.
لحظات ما عاش مثلها في كل حياته.. كانت الأقسى خوفا واضطرابا وتساؤلا عما يجري أمامه.. فضيحة ظالمة لرجل مستقيم الأخلاق، قضى كل حياته يتجنب ما قد يسيء إلى سمعته.. فلماً، اعتقد لأول وهلة أنه تهنئة من قريب أو صديق لزفافه حين استفاق صباحا من نومة هانئة، بعد ليلة انتظرها طويلا كي ينهي صبره ويطلق العنان لغريزة تجنب أن يمارسها بغير حق.
وكذا الحال مع زوجته الفاضلة، المسكينة التي أغمي عليها وهي ترى نفسها عارية تماما، تطلب المزيد من زوجها بالصوت و الصورة ، حين اعتبرت أن من حقها أن تفعل ذلك بعد صبر سنوات طوال كبتت فيها كل رغباتها، وأخرست كل نداءات جسدها رغم أجيجها الغريزي، متجنبة كل نداءات الرجال ومغرياتهم.
وبينما هو في حال لا يحسد عليه، في لحظات مترددا فيها بين محاولة إيقاظ زوجته من غيبوبتها وبين تفحص مصدر رسالة الفلم ومحاولة فهم هل كان مرسلا لوحدهما فقط أم أنه أرسل للعامة طُرقت الباب ليفتحها ويتفاجأ بأن أخوته في حالة عصبية شديدة وصياح، منهم من تصور أنه هو من صوره ومنهم من يريد أن يستفهم.. وأمهم المسكينة تتقدمهم لئلا أن يتشاجروا قبل أن تتضح الحقيقة.
رغم الاستنكار الشديد من أهل الحي الذي يسكنون فيه للفلم إلاّ أنهم رجحوا أن شخصا ما قد صور لهم الفلم خلسة بكاميرا خفية، فلا يمكن إطلاقا للزوجين الخلوقين أن يفعلا بأنفسهما هكذا فعل مشين. لكن كل من بحث في غرفة نومهما لم يجد أية كاميرا منصوبة ولا أثرا لها.
وبعد أيام من الحزن الشديد قضّاها هما وعائلتيهما حاولت خلالها الزوجة الانتحار أكثر مرّة خفّ حزنهما لتكرار الحالة مع زوجين آخرين كانا قد تزوجا منذ سنوات، والطريف أن هذين الزوجين كانا أشد المشككين بروايتهما، وكانا يروجان لروايات سيئة عن الحادث. وخف أكثر حين وصلتهم شائعة أن الماسنجر قد استقبل افلاما كثيرة من هذا النوع.
ثم راحت أذهانهم تترك الحزن وتتساءل أكثر عما يجري بعدما صارت الأفلام وكأنها موضة جديد تنتشر في كل العالم.. بل هي شملت حتى المثليين من الرجال والنساء. وكيف يمكن لكاميرا أن تصور الناس عراة حتى لو غطوا انفسهم بأغطية كثيفة أو ملابس.
خاف البشر كلهم، من صُوِروا ومن لم يُصَورا بعد، وما عادوا يمارسون الجنس.. حتى البغايا ومريديهم قد تركوه، عدا من كان يصور أفلاما إباحية، فلقد سخروا من خوف الآخرين وتشفّوا بهم لكثرة ما سمعوه من نقد لهم، لكنهم امتعضوا فيما بعد عندما استنتجوا أن ذلك سينهي رزقهم أو تباهيهم بفعل لا يستطيع فعله غيرهم، وأن هناك أجسادا أجمل من أجسادهم، وممارسات عفوية أجمل من تمثيلهم.
وساد الجدل العام: ماذا نفعل؟ هل نترك الجنس؟ هل نتحمل تركه لكل حياتنا؟ والأهم: أذا تركناه كيف سننجب أطفالا؟ وحتى إذا استبدلناه بأخذ حيامن وبيوض ولقحناهن في انابيب اختبار فهل نضمن عدم تصوير الأعضاء التناسلية.. وإذا كان لابد من ذلك ما الذي يفرقها عن الممارسة الجنسية الطبيعية غير بعض الحركات؟.. ثم لماذا لا تظهر حقائق الأزواج كما هي؟ لماذا لا نعرف مثلا حقيقة الاتهامات التي يكيلها طرف لآخر، ببروده أو عجزه الجنسي، أو إيذاء الآخر؟
ثم جدل آخر: لماذا صارت الممارسة الجنسية علنية لكل الحيوانات ماعدا البشر؟ وأين التعقل في إخفاء ممارسة طبيعية جدا وغايتها نبيلة، فهي من تسببت في مولدنا والحفاظ على البشرية؟ ولماذا تشجع الأديان الزواج الجنسي ليبقى الإنسان خليفة الله في الأرض وبنفس الوقت تحرم إشهار العملية الجنسية.. الأطفال فقط لا يعرفون أن أباهم وأمهم يمارسون الجنس وأنهم ولدوا بسبب ذلك، فما ضرّ لو عرفوا؟ لماذا نبقى نكذب عليهم كذبات رخيصة كلنا نعلم أنهم سيضحكون عليها حين يكبروا مثلما ضحكنا عليها نحن؟
وفيما أخرسّ أغلب رجال الدين وتجنبوا المشورة والإفتاء بالسماح بالممارسة حتى لو صورت، اغتنم الفرصة علماء الاجتماع والتاريخ ليدلوا بآرائهم في أسباب ممارسة الجنس بالخفية. رجح بعضهم أن السبب يرجع إلى تطبع البشر على ارتداء الملابس.. نعم، الملابس أخفت الأعضاء الجنسية وصار تطبعا في عدم رؤيتها، حتى صار عكسها وكأنه غير مرغوب فيه ثم تحول إلى عيب. كسا البشر أجسادهم بالملابس لحمايتها من الظروف الجوية غير الملائمة ومن الاحتكاك المؤذي مع الطبيعة، لكنها تحولت أحيانا إلى كذبة لإخفاء الحقائق تحتها أو تمويهها، وكانت سلاحا ذو حدين، فكم امرأة أخفت الملابس الجمال تحتها ولم يراه الرجال، وكم انخدع الرجال بجمال ظاهري فقط وندموا حين عرفوا بعد الزواج أن ما تحت الملابس لا يطابقه، وهنا: أليس الأفضل أن تعالج البشرية وتصلح ما تعتبره قبيحا بدلا من اخفائه؟
والكذب، هذه الآفة، هي لباس وغطاء من نوع آخر لتغطية الحقائق أو إظهارها بشكل آخر.
وقال آخرون أن البشر تعلموا في البداية الحفاظ على الأعضاء التناسلية وثدي المرأة بتغطيتها خوفا عليها من الأذى أو من تلوثها لكونها مثقوبة.. وإلاّ لماذا تتعرى النساء الآن في شواطئ البحار فتكشف كل جسدها عدا وسطها وثدييها؟
وفيما واصلت كل حكومات العالم وأجهزتها في البحث عن الكاميرا الخفية ودامت الفترة شهورا عديدة، حدث ارتداد تدريجي .. الرجوع إلى ممارسة الجنس حتى لو تم التصوير. في البداية رجع إليها من اعتبرتهم المجتمعات قليلي الحياء أو الأخلاق قبل الموضة، ثم امتدت إلى الباقين.
وحين تواصل التمني من كثير من البشر في أن تكون هناك كاميرا خفية تحفظ بالصورة والصوت أفعال البشر وكلامهم كي يتبين الحق من الباطل في كثير من حالات الظلم والإجحاف الذي أصابهم، بدأت موجة من الأفلام تملأ الفيسبوك والمواقع الأخرى لمقاطع من نشاط الناس في كل مكان، حتى في غرف الحكومات المغلقة.
وبانت الغاية الحقيقية من الكاميرات الخفية، هي تريد تعرية البشر تماما وليس افتعال فضائح هنا وهناك، هي تريد تجريدهم من كل أسرارهم، وكما قال أحد علماء النفس الاجتماعي : يبدو أنها تريد أن تجردنا من سلاح فردي ثمين، فتجمعنا من جديد وكأننا كائن واحد لايتفرق بعضه، ولا يكذب على نفسه، بل يواجهها ويصلح أخطائها كي يواجه الطبيعة بقوة أكثر.
اضطربت البشرية ومنظماتها ومؤسساتها وحكوماتها وشركاتها وأسعار أسهمها حين كشفت كل أسرارها، وضجت المحاكم بالدعاوى، الدعاوى التي حسم بعضها بسهولة لسهولة توفر الأدلة المادية بالصورة والصوت، وبعضها بقيت المحاكم حائرة في الحكم لتغير معاني الحق والحقوق عند ولادة أعراف جديدة أو تمازج القديم مع الجديد أو تناقضه.
لكن بعدها تراجعت نسبة الدعاوي كثيرا.
وشيئا فشيئا ساد الصدق وقلت مشاكل البشر، وانتهت الجرائم والاعتداءات بعدما أتضح أن هناك برنامج يمكن تنزيله بسهولة رغم أنف كل احترازات إدارات مواقع الإنترنت، يعرض فيه نشاط أي فرد بشري لأي يوم يراد وأي دقائق منه.
في مختبر كبير، تحت أرض تغطيها غابة كثيفة كان العالِم المسن يحتضر بين روبوتاته الشبيهة جدا بالبشر.. قال لهم كلماته الأخيرة:
الآن أنا مطمئن على البشر قبل أن أموت.. مطمئن أنهم سيؤدون دورهم بأفضل حال قبل أن تتسلموا منهم إدارة الكوكب، إرفقوا بهم ما استطعتم، حتى تتغير أحوال الأرض وينقرضوا، فأنا كنت منهم وأحببتهم كثيرا.. أحببت فكرهم واختراعاتهم وفنهم وأدبهم، ولولاهم ما كنتم أنتم.. صحيح أنا قسوت على كثير منهم لبعض الوقت وكانوا ضحية لكن كانت غايتي كما ترون مصلحة الكل وانقاذهم من حالة التردي.. استمروا في تطوير كاميرات النانو التي تعمل بأجزاء متشابكة عن بعد.. ولتكن مجساتكم الحرارية قادرة على تصوير حتى الأفكار في أدمغتهم.. لا تجعلوهم يكتشفوكم أو يكتشفوا أي أثر لفعلكم.. ومثلما فعلنا: ظللوهم في متابعتكم، ثم اكشفوا كل ذلك بعد مئة سنة.. أظنها كافية لتطبعهم على الصدق.
--------------------------------
انتهت في الساعة الثالثة من صباح يوم الثلاثاء المصادف 9/2/2021








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الأفلام الكوميدى تسيطر على دور السينما حاليا


.. راجل و2 ستات - الكاتب والمخرج أحمد عاطف يكشف عن الجديد في م




.. راجل و2 ستات - الكاتب والمخرج أحمد عاطف يتحدث عن أخر أعماله


.. كيف أثر الشعراوي على عالم الفن؟




.. الفرح اللى حضره كل النجوم.. عمرو دياب وتامر حسنى بيغنوا سوا