الحوار المتمدن - موبايل


هاجس الموت في قصيدة - تقترب منٌي الساعة..الآن- للشاعر التونسي القدير جلال باباي

محمد المحسن

2021 / 2 / 15
الادب والفن


(تقديم محمد المحسن)


تعد موضوعة الموت إحدى موضوعات الأدب العربي عامة،والشعر خاصة،إذ إن مفهوم الموت أخذ بالإتساع،وفقا للمفاهيم الجديدة التي تبناها المعاصرون،وأخذت التراكيب الشعرية الجديدة تعج بهذه المفاهيم ،فتحمل أشكالا مختلفة للدلالة عليه،فالحديث عن الموت،يخرج الإنسان من دائرة الواقع إلى دائرة الخيال،إذ تتفتح أمامه مدارك مختلفة توصله في النهاية إلى وحدة العلاقة بين الحياة والموت.
قضية الموت في شعر الشاعر التونسي القدير جلال باباي محور من محاوره الأساسية،كما هي محور من محاور الوجود الإنساني والبشري،فإذا تأملنا نتاجه الشعري عبر بعض قصائده،لوجدنا هذا الحس كثير الإطلال علينا حتى في القصائد التي لا تتحدّث عن الموت أو التي تموج بإحساس الحياة.
ويعتبر جلال باباي من الشعراء المعاصرين الذين أولوا اهتماما لقضية الموت في جزء من أشعارهم لما تمثله من نقطة تحوّل دراماتيكية في مسار الإنسانية،ولم يكن حديثه عن الموت حديث الفيلسوف أو الزاهد،وإنما كان جناحا من أجنحة الشاعر المدرك لحقائق الأشياء وجوهرها.
وهنا أقول: إن الرغبة في الموت كحل،هي نزوع للخلاص من مأساة عميقة يعاني منها الإنسان في زمن موبوء ومفروش بالرحيل،كما أنها (الموت) نوع من الإيمان الذي يأمل في النهاية بداية جديدة،وخروجا من عالم الشرور والآثام إلى عالم الفضيلة الذي يتعجّل الرحيل إليه،والشاعر يرى أن الموت هو الوسيلة الوحيدة التي تنتشله من وباء الكون وأحيانا من وجع الجسد، لذلك كان يصرخ : تقترب منٌي الساعة الآن (عنوان قصيدة الشاعر جلال باباي )
ولكن..
الخروج إلى الشطآن الضوئية مسؤولية الإنسان الذي يدرك أن الموت ليس نهاية الحياة،بل هو بداية لها،خلود أبدي فيها،ولو كان الموت هو النهاية،هو الخاتمة التي ليس من بعدها هدف،لما كان هناك أي معنى للإقدام،للفداء،للتضحية،لتخطي المطبات،للعطاء الذي يبذل النفس رخيصة في سبيل استمرار الحياة،في سبيل أن تظل تلك الشعلة وضاءة وهاجة كقصائد جلال باباي التي طالما رقصنا على ايقاعها العذب رقصة-زوربا اليوناني-
ختاما أنا على يقين بأن الشاعر الكبير جلال باباي الذي ذاع صيته تونسيا وعربيا،مدرك في أعماقه أنه قادر على أن يصمد في وجه الموت ويتحدى قبضته الرهيبة،وذلك بفكره الخلاق، الذي يبقي إبداعه حيا،وهّاجا و يترنّم به القادمون في موكب الآتي الجليل..
وإليكم يا سيداتي القارئات وسادتي القراء هذه القصيدة الموغلة في دهاليز الموت،رغم إشعاعها الإبداعي الذي لا تخطئ العين نورها ولمعانها :


تقترب منٌي الساعة..الآن


رقدت باكرا ليلةَ البارحة
وفكّرت مليٌا بدويٌ الموت
كأن الساعة تقترب منٌي الآن
لم اعثر
على قلبي في بيتِ القراءة
لاُ ماء في إبريق يدي العليلة
ولا رغيف دافىء عند الشتاء
الاٌ حجارة ملساء تيمٌمني
من براثن النٌساء
تهيئني لآذان الظهر
خلتُني وحيدا
أظنني كنت مخطئا
أن لا أحد
يدير ناصية الحياة بمفرده
... وحيداً تماماً
نعم لا أحد
يمكن أن يحتكم
إلى بوصلة موتنا
سوف أنفق كل حزني
واهدي أطفال العالم
اغنية الرٌبيع
بلسما لقلوبهم الوجلة
سأتدبر أمرهم
لتتعافى زنابق الحياة
كنت وحيداً تماماً
لا أحد ..نعم لا أحد
يصغي لانين غيمتي
أوشك أن أقرع شبابيك الريح
أوشك أن التفت إلى الوراء
لا أحد
نعم ،بوسعي أن استرجع
ما افتكته منٌي الأعاصير
وحيداً تماماً،
تدعوني الغابة
إلى الأشجار
بحثاً عن ظلٌ جسدي
أشتمٌ ما أضاعته أصابعي
من رائحة البطولة
أشرب من البحر
مذاقه
سأظل ظمآناً
إلى محيطات اللغة وحدها
وأبني قشٌ بيتي
سنبلة..سنبلة ،
ظللتُ مزار
كنت متأخٌرا
ليفتحني الباب
سأكتب القصيدة
التي ستباهى بحتفي
أوقٌع اسمها
على ورقة خالدة
بين وسادة الفراش
ونهاية اللعبة.



( جلال باباي)








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مي زيادة.. فراشة الأدب التي انتهت إلى مشفى المجانين


.. نمشي ونحكي | حلقة جديدة مع الشاعر السعودي ناصر الفراعنة


.. بيت القصيد | الشاعرة اللبنانية سارة الزين | 2021-04-17




.. الليلة ليلتك: بيار شاماسيان قبل المسرح وين كان؟ وشو بيعرفوا


.. نكهة الشرق العربي.. في الأكل والسياحة والسينما