الحوار المتمدن - موبايل


مقاربة الاتجاه الماركسي القومي لبناء الدولة القومية

عبدالله تركماني

2021 / 2 / 21
مواضيع وابحاث سياسية


بدأ تبلور هذا الاتجاه منذ المؤتمر الأول لشيوعيي آسيــــــا الوسطى المسلمين، في الفترة ما بين 24-30 مايو/أيار 1919. وازداد تبلوراً في مؤتمر شعوب الشرق، الذي انعقد بباكو في شهر سبتمبر/ايلول عام 1920. وفي كلا المؤتمرين شدّد المندوبون المسلمون على ضرورة تكييف الأيديولوجيا الشيوعية مع الظروف الخاصة بالشرق، وألحّوا على الطابع الأساسي الذي تتميز به الثورات القومية، الضامنة الوحيدة لانعتاق الشرق انعتاقاً حقيقياً.
لقد امتدت إحدى النقاط الهامة في مؤتمر باكو لتشمل ثلاث مستويات: طرح مشكلة إعادة تقييم استراتيجية الثورة، ومحاولة صياغة تكتيك ملائم للظروف المحلية، وأخيراً وبصورة رئيسية طرح المشكلة على مستوى الأساس، وهي التي تتعلق بخصوصية العالم المستعمَر. فالثورة بالنسبة لمسلمي روسيا كانت تعني استعادة هويتهم القومية قبل كل شيء، ومتابعة حلمهم الإصلاحي.
وكان من أبرز ممثلي هذا الاتجاه الشيوعي التتري سلطان علييف، الذي قلب التصوّر الماركسي التقليدي رأساً على عقب: ليست ديكتاتورية البروليتاريا الغربية هي التي ستحرر شعوب الغرب والشرق، بل أنّ قوة التحرير الحقيقية، من طغيان الرأسمالية، هي ديكتاتورية الأمم البروليتارية (الشرقية) على المتروبولات الغربية.
وغداة مؤتمر باكو، وُضعت القرارات التي اتخذها المؤتمر موضع التنفيذ في البلدان الواقعة في أطراف روسيا، وبدأت عملية لجم الحكومات الشيوعية القومية المحلية، وتطهير الكوادر القومية المحلية. وبلغت الأزمة ذروتها بالتشهير بـ " انحرافهم القومي " وعزل جميع مواطني تلك البلدان الأصليين تقريباً من مناصبهم المحلية واستبدالهم بـ" عناصر بروليتارية ".
وكان أبرز ضحايا هذا المشروع، الهادف إلى إعادة هؤلاء إلى جادة الصواب، سلطان علييف (Sultan Galiev)، الذي كان غداة الثورة البلشفية مساعداً لستالين في" مفوضية شؤون القوميات ". وكان علييف قد نشر في عام 1919 مقالاً تحت عنوان " الثورة الاجتماعية في الشرق "، حين كان عضواً في الحزب الشيوعي الروسي ومتعاوناً مع السلطة السوفياتية إلى أبعد حدود التعاون. ومما ورد في المقال " لقد فُهم تحوّل ثورة أكتوبر إلى ثورة اشتراكية عالمية كنقل للطاقة الثورية الروسية إلى الغرب فحسب، أي إلى جزء من الكرة الأرضية، حيث بدا ظاهريا أنّ التناقضات بين مصالح طبقة البروليتاريا وطبقة البورجوازية أكثر احتداماً وحيث بدت الأرض نتيجة لذلك مواتية أكثر من غيرها لنمو الثورة وتطورها. وبالمقابل فإنّ الشرق، الذي بلغ عدد سكانه ملياراً ونصف المليار من البشر المضطهَدين من قبل البورجوازية الأوروبية الغربية، كان منسياً نسياناً كلياً تقريباً. إنّ تيار الصراع العالمي بين الطبقات قد أحاط بالشرق، ومشكلة الثورة بالشرق لم توجد إلا في أذهان بعض الأفراد المنعزلين الضائعين كنقطة الماء في بحر الثورة الهائج. وبسبب من جهلهم للشرق والخوف الذي يوحي به، رفضوا قبول الفكرة التي تقول إنّ الشرق يمكنه الإسهام في الثورة العالمية. والحـال إنّ توجّه الثورة الاشتراكية الأممية نحو الغرب فقط كان أمراً خاطئاً "(52)، وقد أوضح وجه الخطأ بأنّ البورجوازية الغربية تستغل الموارد الطبيعية للبلدان المستعمَرة، وبذلك تتمكن من تلبية المطالب الاقتصادية للبروليتاريا الغربية، من خلال " سد أفواههم ".
وفي سنة 1923 طُرد سلطان علييف من الحزب الشيوعي، ففي الاجتماع الرابع الموسّع للجنة المركزية للحزب في شهر يونيو/حزيران، تحددت الوجهة التي أُقرَّت في المؤتمر الثاني عشر بإدانة " الانحرافات القومية " لدى سلطان علييف، الذي اتُهم بخلق تنظيم غير مشروع في القوقاز الشمالي، وبنيّته إقامة أممية للشعوب التركية. وحُكم عليه بالإعدام، الذي نُفّذ في العام 1937، ضمن حملة الاعدامات الستالينية الكبرى ضد " الرفاق القدامى ".
ومما قاله ستالين في الاجتماع " يجب أن ندرك بأنّ التنظيمات الشيوعية للجمهوريات والأقاليم الواقعة في الأطراف لا يمكن أن تنمو وتتطور وأن تصبح مستقلة ومركزاً حقيقياً لكوادر ماركسية أممية إذا سادتها الاتجاهات القومية. إنّ النزعة القومية هي العقبة الأيديولوجية الرئيسية بوجه تكوين كوادر ماركسية في الأطراف وفي الجمهوريات. وتحت ستار النزعة القومية وحدها فقط تستطيع التأثيرات البورجوازية بشتى أنواعها، بما في ذلك تأثيرات المناشفة، التغلغل في تنظيماتنا في مناطق الأطراف ".
وقد حاول التخفيف من هجومه على أنصار سلطان علييف خاصة، وعلى النزعة القومية بشكل عام، حيث قال في الاجتماع نفسه: إنّ تنظيماتنا في مناطق الأطراف " لا تستطيع أن تلف حولها أكثرية جماهير الشغيلة، إلا متى تعلمت أن تكون على مرونة كافية لكي تجرَّ إلى مؤسساتنا وتنظيماتنا جميع العناصر القومية الموالية ولاءً كافياً (53).
وبعد طرد علييف من الحزب، نضجت أفكاره الماركسية القومية، وتبنّى أفكاراً أكثر راديكالية، حين أكد على فرق أساسي بين بروليتاريا الغرب والشرق، إذ حدد طبيعة الشرق المسلم على النحو التالي " الشعوب الإسلامية هي أمم بروليتارية. إنّ ثمة فرقاً بين الحالة الاقتصادية للبروليتاريا الإنكليزية والفرنسية وبروليتاريا مراكش وأفغانستان. ومن الممكن الجزم بأنّ للحركة القومية في البلدان الإسلامية طابع الثورة الاشتراكية ".
وعلى هذا الأساس، فإنّ الفرز الأساسي الذي أراده سلطان علييف هو أنّ في الغرب بروليتاريا هي طبقة اجتماعية من طبقات الأمة، أما في الشرق فإنّ الأمم كلها بروليتارية، بسبب الظروف الاقتصادية التي جعلتها كذلك. ويرى علييف أنّ تعويض سلطة البورجوازية الغربية بسلطة البروليتاريا الغربية لا يمكن أن يؤدي إلى أي تغيير في علاقات الأخيرة ببلدان الشرق المضطهَدة، وذلك لأنها ترث، بصورة آلية، المواقع القومية للطبقة التي خلفتها. والحل الوحيد بالنسبة للشرق هو أن يتوحد لكي يستطيع أن يبدِّلَ الديكتاتورية التي تمارسها عليه المتروبولات الغربية بدكتاتورية أمم الشرق البروليتارية على المتروبولات الغربية.
ولكي يغدو مثل هذا التغيير التاريخي أمراً ممكناً، فكّر سلطان علييف بخلق أممية شيوعية للشعوب المستعمَرة، ولكن مستقلة عن الأممية الثالثة، تدافع عن مصالح الأمم البروليتارية أمام البلدان المتقدمة.
ومن جهة أخرى، فإنّ سلطان علييف قد ألح، مراراً، على مشكلة دمج كنوز الثقافة الإسلامية بالشيوعية، وعلى تسامح إزاء الإسلام، في البداية على الأقل (54). وبذلك اتخذ موقفاً مخالفاً للموقف الماركسي التقليدي من الدين، خاصة حين دعا إلى " شيوعية ذات تلاوين إسلامية ".
وفي المؤتمر الرابع للأممية الشيوعية في العام 1922، انطلق الشيوعي الأندونيسي تان مالاكا (Tan Malaka) من المنطلقات نفسها لسلطان عالييف، حين أكد أنّ الإسلام يعيش في قلب النضال القومي المعادي للإمبريالية. حيث تساءل: إلى أي حد ينبغي أن يذهب دعم الحركات القومية؟ لقد أدان لينين نزعة الرابطة الإسلامية، وقصر التعاون مع الحركات القومية على بعض الحركات التي تُعَدُّ غير رجعية. لقد أكد تان مالاكا خطأ مثل هذا التفريق، ورآه ضاراً بالنسبة للنزعة الإسلامية المذكورة بوجه خاص. إنّ للإسلام، حسب تعبيره، سلطاناً هائلاً على الوجدان الشعبي في الشرق، فالنضال ضده يوازي معاداة الوجدان الشعبي. وفي مداخلته أمام المؤتمر تساءل: ما الذي تعنيه الرابطة الإسلامية قبل كل شيء؟ وأجاب " إنها تعني النضال في سبيل التحرر القومي، وذلك لأنّ الإسلام هو كل شيء بالنسبة للمسلمين. إنه ليس ديناً فحسب بل هو الدولة والاقتصاد والغذاء وكل شيء. وعلى هذا فإنّ الرابطة الإسلامية إنما تعني الأخوّة لسائر الشعوب الإسلامية، وتعني النضال التحرري لا للشعب العربي فحسب، بل للشعوب الهندية والجاوية ولسائر الشعوب الإسلامية المضطهّدة "(55).
وهكذا، نلاحظ أنّ علييف ومالاكا قد طرحا منظوراً ماركسياً قومياً، يأخذ بعين الاعتبار المعطيات المحلية، خاصة الاجتماعية والثقافية. وبذلك فكّرا بقضايا الشرق من خارج المركزية الأوروبية، وفكّرا في الاشتراكية من منظور قومي. وكان إعدام عالييف وإبعاد مالاكا إجهاضاً في المهد، على الأقل في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، لإمكانية دمج الماركسية بالمسألة القومية في حركة التحرر الوطني.

الهوامش
52 - شرام، ستيوارت ودنكوس، هيلين كارير: الماركسية-اللينينية...، المرجع السابق، ص 218-219
53- نقلاً عن: شرام، ستيوارت ودنكوس، هيلين كارير الماركسية-اللذينينية...، المرجع السابق، ص 226.
54 - شرام، ستيوارت ودنكوس، هيلين كارير الماركسية-اللينينية...، المرجع السابق، ص 49-50.
55- نقلا عن: شرام، ستيوارت ودنكوس، هيلين كارير الماركسية-اللينينية...، المرجع السابق، ص 234.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كيف علقت الصحافة الإيطالية على زيارة البابا فرنسيس إلى العرا


.. العراق: استقبال رسمي للبابا فرنسيس في القصر الجمهوري بحضور س


.. ليبيا: دبيبة يسلم الأسماء المقترحة لحكومة الوحدة الوطنية إلى




.. ليبيا: عبد الحميد الدبيبة ماض في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية


.. تغذية: علاج لداء السكري يساعد في تخفيض الوزن والحد من السمنة