الحوار المتمدن - موبايل


العالم العربي وانهيار البنى البدئية؟/4

عبدالامير الركابي

2021 / 2 / 22
مواضيع وابحاث سياسية


ليس ماهو جار وحاصل في المنطقة العربيه / الشرق متوسطيه، من حال توهمي التحاقي خارج الاليات الصعودية المركزية، حالة خاصة منطوية على خاصيات ومقومات مايمكن اعتباره "مرحلة" وقد اتخذت شكل وصفة الانتقاليه وسط وبين محورين تشكليين رئيسيين، احدهما يمثل قمة وذروة الأحادية المجتمعية، واعلى تجلياتها، والأخر هو حالة السير نحو نهاية التجلي المجتمعي الارضوي، وإعلان انتهاء ضرورته، وممكناته التاريخيه والواقعية، الامر الذي يتولد وينجم عنه انقلاب ومتغير حاسم على مستوى التجلي والحضور المجتمعي الواقعي والمفهومي، وفي حين يمتازنهوض الغرب الأوربي الحديث بالصعودية المجتمعية الاحادية الأعلى، مع كل خواصها، واقصى ماتمتاز به من سمات الارضوية وتعبيراتها، يتوقف المنجز التاريخي الحديث الرافديني عن ان يكون بالمتناول، أومقاربا للاستيعاب، ناهيك عن التبلور في حالة ومشروع، مهيأ وصالح للاستعمال كمنجز تنافسي وتفاخري معتادعلى حسب تعبيرية التكوين الاحادي.
ولايجوز اغفال كون ما قدحدث في ارض سومر الحديثة مع القرن السادس عشر، ليس ولايمكن ان يكون من غير طبيعته وجنسه، بما هو انبعاثية تصاعدية للمؤجل المطموس والمودع بين تضاعيف البنيه المجتمعية الرافدينيه السومرية الأولى، تلك التي امتنع مع الدورة الأولى تحققها لافتقارها للأسباب والموجبات، ومايلزم من مقومات التحول المادي الذي لاتحول للبنيه والتكوين التحولي من دونه، يعني ذلك ان ماعرفته سومر الحديثة مع ظهور "اتحاد قبائل المنتفك"، ليس، ولم يكن من صنف او جنس ماقد يردد من اسقاطات نموجيه عن "بدء التشكل الوطني"، فالعراق بالاحرى لايعرف، ولم يسبق ان عرف من قبل، وعلى مر تاريخه الطويل، تشكلا من نوع مايوحى به، او يتم التلميح له مع استحضار مفهوم الغرب الحديث عن "التشكل الوطني"، مع ان هذه الناحية "المنتفجية"حين تذكر، تمر عرضا، ولا يجري البناء عليها اطلاقا، بل يتم القفز منها الى ماقد تكرس من سردية حديثة بحسب المنظور الاستعماري، وبالذات ماقرره فليب ويرلند، صانع سردية العراق الحديث التي تستهل بعام 1831، مع الاحتلال التركي الثالث، وهو مالايعلم الا الله سبب اختياره تاريخا لبدء تحقق العراق الحديث.
نحن امام وبمواجهه مقتضات تصل لحد دق أبواب "علم جديد"، خاص بالمجتمعية، مغاير على مستويي الحداثة والاصل التصوري، بما يشمل إعادة النظر في اجمالي المنظورات الأحادية ماقبل الغرب الحديث وابانه راهنا، اخذا بنا ووصولاالى "علم الدورات التحوليّة" وهو ماقد يذكر بماعرف في الغرب الحديث من مفهوم "المادية التاريخيه" الأحادي الماركسي، بافتراضيته وتعميمه للنموذج المجتمعي الأحادي، المنشطر طبقيا على الظاهرة المجتمعية على مستوى المعمورة، مع مايتصل به من تشابهية العود على بدء، من الشيوعية، الى الشيوعيه، البدائية الأولى، وصولا الى الاخيره النهائية الأعلى، المفترضة من قبل ماركس ومقابلها "التحولية البنيوية الابتدائية"، ذهابا الى "التحولية المادية الأخيرة العليا"، باختلاف اساسيهما: الانشطاري الطبقي الأوربي، والازدواجي المجتمعي الرافديني، الأساس، ومنطلق الظاهرة المجتمعية لحظة تبلورها، وتحولها الى ماهي ميسرة له، ومتفقه مع منطوياته.
فالظاهرة المجتمعية وجدت في أساسها "تحوليّة"، ذاهبة الى مابعد مجتمعية، محكومة لبنية ولاليات، أي لقانون شامل للمجتمعات وتفاعليتها، يتعذر على العقل ابتداء مقاربته وعيا، وهو مايستغرق ويستوجب المرور بثلاث دورات تاريخيه، تنتهي بالتصادم مع اعلى وارفع درجات المنجز الأحادي، ضمن اشتراطات هيمنه على مستوى المعمورة، يتسنى للنموذج الأحادي الأعلى ان يحققه ويمارسه، سعيا الى فرض نموذجه على المجتمعات البشرية كممكن وحيد، وقمة نهائية ليس ثمة مابعدها، او مايضاهيها.
ان تاريخ الانسانيه والمجتمعات البشرية هو تاريخ "التحولية"، ومسارها يبدا بدورة أولى غير مهياة للتحقق، تتبعها دورة ثانيه هي الأخرى متعذر تحققها، تنتهي بنهضة النمط المجتمعي الأحادي، وانفتاح الأفق على التحقق من خلال وعبر التفاعليه الصداميه العليا، بين بؤرة التحولية الأساس الرافدينيه، واعلى اشكال التجلي الغربي الانشطاري الطبفي وهيمنته النموذجية والتفكرية التي تصل حد التهديد بالافناء البنيوي الوجودي، في الوقت الذي تكون فيه البؤرة التحولية قد دخلت دورتها التشكلية الثالثة، وعبرت حقبتين، أولى قبلية، وثانيه انتظارية ابراهيمه الأصول، لتحل بعدها الحقبة الثالثة الايديلوجية الحزبية، المنطوية على النموذج الكياني والمجتمعي الغربي، وماقد تمخض عنه وبلغه ابان نهوضه الأخير الالي المصنعي، الراسمالي الاستعماري.
ومع كل مايرافق الظاهرة الغربية الحديثة من زخم، ومن مقومات ارجحية على مستوى الكوكب، فانها لن تكون، وليست من حيث الكينونه والمقومات مؤهله، او موجودة بصيغة، او ممايمكنها من السيادة الفعليه كنموذج اعلى نهائي، بقدر ماتكون بالأحرى ظاهرة منطوية على أسباب تحولية محفزه، بالدرجة الأولى على مستوى توفير الأسباب المادية الناقصة، والتي ظلت عملية التحول تفتقر لها، وتحتاجها ابتداء لكي تكتمل عناصر العملية التحولية، وهو ماتؤدية الالة، ومن ثم وبالتحديد، التكنولوجيا كافراز اعلى أخير، ووسيلة انتاج عليا تحولية تكوينا. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، ماتودي اليه القفزة الغربيه الحديثة من اختلال بيئي انتاجي، مع حضور الاله، وتوفر الأسباب معها، وبسببها، للكائن البشري كي يصبح لأول مرة، قادرا على التدخل الواعي المخطط في العملية الإنتاجية، مايؤدي لافقادها الوحدة الطبيعية الإنتاجية البيئية، ويتسبب في اختلال مجتمعي انتاجوي، يتجه للتعاظم لدرجة الاخلال بممكنات الوجود البشري المجتمعي على الكوكب، ذاهبا الى تنامي حالة العيش على حافة الفناء، مع تزايد أسباب الخلل الإنتاجي البيئي، والاضرار المتعاظم بالبيئة، ومايتولد عنه من تداعيات وتفاقم في الأسباب والعوامل الطاردة للإنسان من على الكوكب الأرضي، مع ماينهي امد وتاريخ وجود الكائن البشري عليه.
مع هذا الطور من الحضور الغربي الحداثي، تصاب البنى البدئية الشرق متوسطية بالاختلال الأقصى المفضي الى حالة تقرب من اللانمطية بالمقارنه بالحالين، التاريخي الذي ظل يحكم المنطقة ويعين خاصياتها والاليات التي تحكمها، والحديث المتمثل بالغرب ونموذجه، وهو مايتاتى من حصيلة حضور الغرب واشكال التماهي معه من ناحية، ونوع حضوره، واليات السيطرة التي يمارسها ويلجا اليها، هذا في الوقت الذي يتراجع أصلا حضور الظاهرة الغربية الفعلي، لصالح نوع من الحضور والهيمنه المفهومية بالدرجة الأولى، بالاخص على الطرف الاخر من المحيط، حيث صعود المجتمعية المفقسه خارج رحم التاريخ، وانتزاعها لموقع القيادة من اوربا، التي تدخل حالا من الانهيار مع القرن العشرين والحرب الثانيه، في حين تسود حالة ازدواج ثنائي، من الراسمالية/ الابراهيمه داخل الكيانيه الامريكيه، مع غلبة للراسمال المنقول المهاجر، بالاخص على صعيد الرؤية والتعرف على الذات، مايكرس هنا أيضا حالة من التفارق مع الذات، ومن الاستلاب والتماهي، يعززه بالدرجة الأولى حضور الالة، ودورها في منح البشر القدرة على التحكم بالعملية الإنتاجية المجتمعية، إضافة لقوة النموذج، وهيمنته المفهومية بظل استمرارحال القصور العقلي، وعجز الكائن البشري عن ان يدرك الحقيقة المجتمعية التحولية، الامر الذي يظل منتظرا انبثاقه، والانتقال اليه، من منطقة الشرق المتوسطي، وبالذات منطلق الرؤية الكونيه اللاارضوية الأولى الابراهيميه ارض الرافدين.
لم تنشا المجتمعات كما تقرر الرؤية الأحادية باعتبارها ( تجمعا + انتاج الغذاء)، فهذا المستوى من المجتمعية لم يكن بالأحرى سوى خطوة انتقالية، وعارضة، باتجاه اكتمال العملية المجتمعية التي لم تصبح متبلورة ومتفقه مع الغرض من وجودها، الا بظهور المجتمعية الازدواجية التحوليّة، المرتكزه الى قانون "العيش على حافة الفناء" بيئيا وابتداء، وبنيويا، بانتظار الوصول مع الزمن، واستمرار العملية التفاعليه التصيريه على مستوى المعمورة، وبالذات على ضفتي المتوسط، الى الحال التحولية المادية، مع سيادة وغلبة ظروف واشتراطات العيش على حافة الفناء كوكبيا وقد تعممت من جهة، وانبثاق الرؤية العظمى، المؤجله على مدى عشرات القرون بما هي "قرآن العراق"، دستور الانتقال والتحوليه عند نهاية الزمان الأحادي.
عندها يأخذ الشرق المتوسطي، وارض مابين النهرين بالانتقال ابتداء الى الحال البد ئية الثانيه التحوليه العليا، بينما ياخذ العالم برمته، وبالذات الولايات المتحدة، بالتهيؤ للانتقال الى الذاتيه المطابقه، التي هي بالاصل والحقيقة ذاتيه تحوليّة، تفتقر الى التاريخ، والى تجدده الثاني و"قرانه"، وبمحل النداء "سنبني مدينه على جبل" الذي اطلقه المهاجرون الأول عند سواحل القارة الجديده، يحضر اليوم الصوت الثاني التحولي بصيغته التحولية التي ستطرد وتنهي سطوة الراسمال، والحضور المفهومي الغربي الكلاسيكي، ووقتها يدق ناقوس الانتقال الأعظم ليحل على الكوكب الأرضي، ويصير مابعد غرب، واقعا، وحالا معاشا، ومجابهة أخيرة خلقية عظمى، هي بالأحرى بدئية جديده مضمرة، وكانت وظلت مودعه في الكينونه البشرية والمجتمعية منذ ان وجدت.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كيف علقت الصحافة الإيطالية على زيارة البابا فرنسيس إلى العرا


.. العراق: استقبال رسمي للبابا فرنسيس في القصر الجمهوري بحضور س


.. ليبيا: دبيبة يسلم الأسماء المقترحة لحكومة الوحدة الوطنية إلى




.. ليبيا: عبد الحميد الدبيبة ماض في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية


.. تغذية: علاج لداء السكري يساعد في تخفيض الوزن والحد من السمنة