الحوار المتمدن - موبايل


سفينةٌ شراعية صغيرة

حازم شحادة
كاتب سوري

2021 / 2 / 22
الادب والفن


ـ ما الذي يعرفهُ عشّاقُ هذا الزمنِ عن الشَّوقِ ولهفةِ اللقاء!
عن الرسائلِ الورقيةِ التي تفوحُ عطراً وانتظارِ رنّةِ الهاتفِ الأرضي بعد منتصفِ الليلِ بسيجارتين..

عن المرورِ أمامَ منزلها مرةَ وثانية وثالثة ورابعة دون التمكّن من رؤيةِ وجهِها لأنَّ والدها العبقري قرّرَ أن يشربَ الشاي على الشُّرفة.

ما الذي يعرفونهُ عن الصورِ الحقيقيّةِ التي تحتاجُ خططاً خمسيّة كي تُلتَقطَ قبلَ الطباعةِ والتحميضِ ثمَّ تُحفظُ بتلكَ الألوانِ الداكنة في القلب.

في أقلّ من ربعِ قرنٍ لم تقفزِ البشرية نحو عالمٍ جديدٍ ومُختلفٍ بشكلٍ شبهِ كُلِّي وحسب بل حلّقت نحو عوالم كانَ من المستحيلِ حتّى تخيلها.

الرسائلُ أصبحت إلكترونيّة جامدة تسافرُ بسرعةِ الضوءِ دونَ أن يكونَ لديها الوقتُ لحملِ الشّوقِ فلا يصل والصورُ غدت كذلكَ فلا تحتاجُ خططاً خمسية ولا لحظية وبكبسةِ زر تُلتَقطُ.. وتُحذَف.. وتُنسى.

حتّى الزمنُ الذي كان بحاجةٍ إلى آلةٍ عجيبةٍ في مخيلةِ الإنسان كي ينطلقَ في يمهِ بسرعةِ لم يعد بحاجةٍ إليها وأصبح هو نفسهُ آلةً تمضي بالناسِ كقطارٍ مجنونٍ خارجٍ عن السيطرة نحو المجهول.

لا أحد ينكرُ أنّ الأمورَ أصبحت أسهل لكنّ بريقَ المشاعرِ ـ في اعتقادي ـ خبا كثيراً كي لا أقول خبا فقط.

ذاتَ عيدٍ عشاقٍ في منتصفِ شباط قبلَ الهواتفِ الذكية والأدمغةِ الغبية لم يكن قد مضى زمن طويل على علاقتي بتلك الصبيّة الممشوقةِ القدِّ، جميلةِ الروحِ والوجهِ والجيدِ والناهدين والركبتين والساقين والقدمين، وفي جيبي 85 ليرة هي آخر ما تبقى من مخصصاتي الشهرية لدراستي الجامعية والتي تبلغ ألفي ليرة سورية.

لم يستغرق الأمرُ سوى دقيقة تفكير.
ارتديتُ بنطال الجينز الذي كانَ أزرق قبل عامين، كنزة الصوف التي حاكتها أمي بيديها الكريمتين كي تلازمني يفاعتي وشبابي، المعطف الزيتي الذي ربحتهُ من أخي بعد مراهنة في الشطرنج ثمّ، خرجتُ من غرفتي متجهاً صوب مركز المدينة بحثاً عن هدية بـ 85 ليرة.

قبل أن ارتكبَ حماقة الصعود إلى الحافلة والتفريط بخمس ليرات استدركتُ الأمر ومشيت..
من يدري، قد أحتاج تلك النقود دون نقصان ليرة منها.

ـ حتى المشي في تلكَ الأيامِ كانَ أجمل.

ـ لله درّ الشبابِ كم يجعلُ الأشياءَ تبدو.. أقرب.

بعد ساعةٍ وسبعِ سجائرٍ وصلت ورحتُ أنقّبُ خلفَ واجهاتِ المحلّات عن هديةٍ لا يتجاوز ثمنها الـ 85 وقبل أن أيأس رأيتها..

وقفتُ أمام واجهةِ المحلّ المتاخمِ لساحة الشيخ ضاهر وأشعلتُ سيجارة ثمّ رحتُ أتأملها وهي راسية في ذلك الركن الغامض.

كانت السفينة الشراعية الصغيرة تبحرُ في مخيلتي صوب شواطئ ناصعة وبإمكانكَ وأنت تتأمل أشرعتها البيضاء أن تستنشق رائحة البحرِ وتلامسَ النوارس التي تصاحبها في رحلتها الأبدية.

صاحبُ المتجر، حين رآني واقفاً أمام الزجاجِ ومتردداً ما كانَ منه إلا أن نهضَ عن كرسيه واتجه صوبي ثم قال بلطف:

ـ بماذا أخدمك؟

كنتُ أعبُّ من سيجارتي بارتباكٍ خشية أن يكون الثمن فوق استطاعتي فابتسمتُ ببلهٍ وسألتُ مشيراً بإصبعي نحوها:

ـ بكم؟

عادَ صاحب المتجرِ إلى الداخلِ وفتحَ باباً زجاجياً ثم أخرج الباخرة وراحَ ينظر إليها بشيءٍ من الإعجاب ثم قال:

ـ سأعطيكَ إياها مقابل 200 ليرة.

لم أخفِ دهشتي من سعرها لكنني حزمتُ أمري وقلتُ بجدية:

ـ اسمعني جيداً صديقي
أنت لا تعرفني ولا تهمكَ معرفتي أساساً لكن دعني أخبرك أمراً:
ـ لا يمكنكَ أن تتخيلَ كرهي لعملية الشراء والبيع والنقاش في هذه الشؤون ولو كان بحوزتي 200 ليرة لأعطيتكَ إياها دون جدال ومضيت لكن هذا ما لدي.

أخرجتُ من جيبي المبلغَ كله ووضعته في يديه ثم أردفت:

ـ صدقني إن أخذته ووافقت على بيع السفينة سأعودُ مشياً إلى حارتنا ولك أن تقبل أو ترفض.

عدّ الرجلُ النقودَ ولاحظَ الفرقَ الكبير بين ما طلبهُ وما لدي وبعد دقيقتين من الصمت غمزني قائلاً:

ـ أعتقد أنكَ لن تحتفظ بها لنفسك..
بيدٍ واحدة أخرج من جيب قميصه علبة تبغ وسحب بشفتيه منها سيجارة ثم استدار ووضع السفينة فوق الطاولة وأشعل سيجارته قائلاً:

ـ هي لك.

بعد أن وضعها في حقيبة مناسبةٍ صافحته بحرارة وقفلتُ عائداً.

كانت مخيلتي أثناء طريق العودةِ تحفزني على الإسراع دون تعب.

ـ لله در الشباب كم يجعل الاشياء أقرب.

وصلت الغرفة كمن عادَ بجائزة نوبل وكان موعدي مع تلك الفتاة مساء.

من كانَ يملك 85 ليرة حتى نهاية الشهر ولا يعرف ممن سيستدين حتى نهايته لن يستطيع دعوة حبيبته إلى مطعم كما تعرفون ولا إلى كافيتريا أو ما شابه ذلك..

أمثالي أيها الأصدقاء، وأعتقدُ بتواضعٍ أنهم ليسوا كثر.. يدعون صاحباتهم إلى كرم الزيتون.

حتى الانتظار تحت تلك الشجرة المتاخمة للطريق الفرعي وطعم التبغ كان أجمل..

أما اللقاء ورؤية الهدية وكل شيء في تلك الأمسية المرصعة برائحة الأنثى..

لك أن تتخيل..

وها أنا بعد عشرين عاماً أتساءلُ بجد:

ـ ما الذي يعرفهُ عشّاقُ هذا الزمنِ عن الشوقِ ولهفةِ اللقاء والرسائلِ الورقيةِ التي تفوحُ عطراً وانتظارِ رنّةِ الهاتفِ الأرضي بعد منتصفِ الليلِ.. بسيجارتين..

(من كتابي القادم)








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تونس: مسرحية تلقي الضوء على معاناة المتحولين جنسيًا في مجتمع


.. تونس: مسرحية تعرض معاناة المتحولين جنسيا


.. بتوقيت مصر : جدل حول استخدام اللغة القبطية في الصلوات




.. قصته أشبه بأفلام هوليوود.. كيف ساعد شلومو هليل آلاف اليهود ع


.. بالغناء والصراخ موالو بشار يعبرون ...و وسيم الأسد -هي مو صفح