الحوار المتمدن - موبايل


الدولة العميقة ( 2 )

آدم الحسن

2021 / 2 / 22
مواضيع وابحاث سياسية


بسبب تطرف اصحاب نظرية المؤامرة صارت الدولة العميقة مصطلح يستعمل كثيرا حين يعجز التحليل الموضوعي في الوصول الى نتائج مقنعة بخصوص سياسات و استراتيجيات دول و خصوصا الدول ذات التأثير الواضح على الصعيد الإقليمي أو ذات التأثير الكبير على الصعيد العالمي كالولايات المتحدة الأمريكية .

و كأحد الأمثلة المهمة لتصورات بعض اصحاب نظرية المؤامرة من المهتمين بالشؤون السياسية الاستراتيجية عن الدولة العميقة يمكن تناول تصوراتهم عن الدولة العميقة في امريكا , حيث نجد ان هذه التصورات تقود الى أن للدولة العميقة في امريكا عبارة عن هيكل تنظيمي هرمي و لها قيادة تجلس عند قمة هذا الهرم و تجتمع في غرف مغلقة بعيدا عن الأعلام و الرقابة و يتم داخل هذه الغرف المغلقة اتخاذ القرارات المهمة التي تحدد المسارات العامة للدولة الأمريكية حيث لا يمكن أن يحيد عن مشيئتها كل اركان البنى الفوقية للدولة الأمريكية من الرئيس الأمريكي الى الكونغرس الى مجلس الشيوخ الأمريكي الى القضاء الى كل باقي مكونات الهيكل الفوقي للدولة الأمريكية , وان من خلال قرارات هذا الهيكل التحتي العميق للدولة الأمريكية يتم رسم السياسات العامة للدولة و ما الرئيس الأمريكي الا عبارة عن دمية تم تصنيعها و من ثم تنصيبها من قبل الدولة العميقة في هذا المنصب الحساس , و هذا الرئيس مجبر على الخضوع الكامل لإرادة الدولة العميقة لأنها هي من صنعته و هي من نصبته و كأن الرئيس الأمريكي هو الجهة المكلفة بتنفيذ قرارات تلك الدولة الخفية المتواجدة في العمق و بالتالي فأن تغير الرئيس لا يشكل اي فارق مهمم و ان هذا التغير هو عبارة عن تغير شكلي لا يمس صميم السياسات الخارجية أو الداخلية للدولة الأمريكي , اما الكونغرس و مجلس الشيوخ الأمريكي , في تصور اصحاب نظرية المؤامرة , فهما مجرد هياكل كارتونية يضحكون بهما و من خلالهما على الشعب الأمريكي و على الرأي العام العالمي و كذلك الحال بالنسبة للقضاء الأمريكي فاستقلاليته هي مجرد اكذوبة كبيرة للتمويه على عناصر الدولة العميقة و لتمكين قادة الدولة العميقة من ازاحة من يقف بالضد من تنفيذ قراراتهم ... !!

حين يتم تناول معتقدات المحللين السياسيين اصحاب نظرية المؤامرة بهذا الشكل المتطرف الذي قد يصل عند البعض منهم الى درجة المرض المعتقداتي فهذا لا يعني اطلاقا نكرات وجود دولة عميقة في امريكا .

التطرف الى اي من الجهتين , نحو جهة تضخيم دور الدولة العميقة في امريكا أو نحو جهة نكران وجود دولة عميقة في امريكا و اعتبارها من الأوهام هما امران يقودان الى نتائج بعيدة عن الواقع الأمريكي .

فلا شك أن هنالك دولة عميقة في امريكا لكن السؤال الأهم هو :

متى و كيف تتخذ هذه الدولة العميقة قراراتها و بأي اسلوب يتم تنفيذ تلك القرارات .... ؟

قبل كل شيء , لابد من التأكيد على أن قرارات الدولة العميقة و تأثيراتها لا يمكن أن تكون بالضد من المصالح الوطنية العليا لأمريكا , للدولة الأمريكية أو للامة الأمريكية التي قطعت شوطا طويلا في مسار نشوئها و تطورها , لأن ذلك سيفقد الدولة العميقة أي مقومات للبقاء و سيتهشم هيكلها و يتلاشى تأثيرها ليعاد تشكيل دولة عميقة جديدة وفق متطلبات المصلحة الوطنية العليا للدولة الأمريكية و للأمة الأمريكية .

فالدولة العميقة في امريكا هي الخط الدفاعي الأخير عن المصالح الوطنية العليا لأمريكا .

اما مكونات الدولة العميقة فهي عبارة عن نسيج مجتمعي واسع يتشكل في المجتمع الأمريكي من النخب الذين يمتازون بقدر كافي من المعقولية و الواقعية في افكارهم و في سلوكهم ة المتواجدين في الحزبين الأمريكيين الجمهوري و الديمقراطي و في مؤسسات الدولة المهمة كالقوات المسلحة الأمريكية و الأجهزة الأمنية و المخابراتية و الكونغرس و مجلس الشيوخ و المؤسسات القضائية و المؤسسات المالية الأساسية كالبنك المركزي و في باقي الأركان الأساسية للدولة المؤسساتية الأمريكية .

ان الخطوط الحمر التي عندها يتوجب تحرك الدولة العميقة في امريكا لإعادة السيطرة على الأوضاع و ضبط ايقاع العملية السياسية الدستورية في امريكا هي التالية :

اولا : التجاوز الصارخ على الدستور الأمريكي .

ثانيا : احداث خلل في عملية الفصل بين السلطات الثلاث , التشريعية و التنفيذية و القضائية .

ثالثا : التدخل السافر في عمل المؤسسة القضائية من قبل السلطة التنفيذية .

رابعا : تعرض امريكا لتهديد جدي من الخارج أو من الداخل و الرئيس الأمريكي لا يعرف ماذا يفعل أو كيف يواجه هذا التهديد .

خامسا : عندما يصل سلوك الرئيس الأمريكي الى درجة يمكن وصفها بالخيانة العظمى أو خيانة القسم الذي تعهد بموجبه اداء مهامه وفق الدستور الأمريكي .

حيث تتحرك الدولة العميقة لتمارس فعلها الحاسم حين يتم تجاوز احد هذه الخطوط الحمراء التي تعرض الدولة الأمريكية للخطر و من المؤكد ايضا أن الرأي العام الأمريكي سيتحرك من خلال اهم وسيلة متاحة له و هي الأعلام ليكون عنصرا فاعلا في دعم و تحريك النخب التي بمجموعها تشكل الدولة العميقة لمنع او ردع اي تجاوز على الخطوط الحمر .

و على سبيل المثال لا الحصر بمكن تناول احدى هذه الحالات التي يتطلب فيها تحرك الدولة العميقة :

لنفترض أن شخص ما صعد بطريقة دستورية في انتخابات حرة و نزيهة و تولى منصب رئيس دولة امريكا ثم اتضح بعد فوزه في الانتخابات انه شخص متهور ينفرد باتخاذ القرارات المصيرية و تفرده يشكل خطر كبيرا و حقيقيا على مستقبل امريكا .
عند هذه الحالة ستتحرك الدولة العميقة و تحسم الأمر اذ في حالة عدم تمكن الدولة العميقة من خلال كل نخبها من ردع هذا الرئيس الأمريكي المتهور و منعه من ممارسة تجاوزه على الدستور أو على أي من الخطوط الحمر فلا شك أن النتائج ستكون كارثية على المجتمع الأمريكي و على الدولة الأمريكية و من هذه النتائج هي تعرض الدولة الأمريكية للانهيار و للدخول في حرب اهلية مدمرة ... !!

و من خلال مراجعة الأحداث عبر التاريخ الأمريكي منذ انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية و لحد الان يمكن ملاحظة أن الدولة العميقة في امريكا كانت قادرة دائما على ضبط ايقاع الأحداث و اعادة حالة التوازن و الاستقرار للعملية السياسية الأمريكية التي تسير وفق دستور مرن قابل للتعديل بما تتطلبه المصلحة الوطنية العليا لأمريكا .

(( يتبع ))








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المغرب: كيف يتأقلم قطاع صناعة الطائرات مع الجائحة؟


.. الدولار بعشرة آلاف ليرة.. و-لبنان ليس بخير- يتصدر قائمة التر


.. تزويج القاصرات: طفلات... لا زوجات!




.. فرنسا: مكافأة لمن يساعد في ضبط الصيادين المخالفين


.. بنغازي: كهوف الملح للتداوي من الأمراض