الحوار المتمدن - موبايل


الانسان بين العدم وعبثية الحياة..

عباس موسى الكعبي

2021 / 2 / 22
الادب والفن


قراءة في كتاب اسطورة سيزيف للبير كامو
هل للحياة معنى؟ هل تستحق الحياة ان تعاش؟

بعد الحرب العالمية الاولى ظهرت الدادائية بعد ان يأس الناس من الرحمة السماوية والاخلاقيات البشرية والفلسفات السائدة، لا شيء بامكانه ايقاف الحروب الطاحنة، وآلة الموت المتواصلة.. انكروا ايمانهم بالمعتقدات السماوية والفلسفات والاخلاقيات البشرية.. انتشرت العبثية والعدمية بين الناس.. قرروا العيش بشكل آلي عبثي وان يتصرفوا مع الحياة كالند وتحدي مآسيها فمادام نهايتنا الموت، والموت هو نهاية كل شيء.. الموت مفهوم لا يمكن التعايش معه فهو يعني التلاشي والعدم.. نحن نسمع بالموت لكن لم نجرب سكراته الحقيقة ..شخصيا انا جربت لحظات اقرب ما تكون للموت حينما كنت في ردهة الانعاش.. البعض يحاول التهرب من فكرة الموت، فيحاول ادخال عوالم اخرى وطقوس بدائية ويؤمن بشخصيات ويمنحها المعجزات ويصنع منها آلهة لا يمكن الوصول اليها كابراهما وكريشنا وبوذا والمسيح وما الى ذلك.. فهو يعتقد انه لابد من الايمان بعالم اخر اكثر عدالة وإلا فان الموت سيطبق عليه والعدم سيبتلعه كالثقوب السماء.. الحياة ليست ذات جدوى.. فانت تعيش روتين الحياة المتكرر الممل، تذهب الى العمل وتعود للبيت .. تتناول الفطور صباحا ثم الغداء والعشاء والنوم ثم تكرر نفس الروتين كل يوم كما هو سيزيف ومحنته الازلية وعذابه الابدي حينما حكم عليه بدفع صخرة كبيرة الى اعلى الجبل وإلا فالموت بانتظاره، فاختار سيزيف دفع الصخرة بدلا من الموت.. تلك كانت محاولة عقيمة لتحقيق هدف وجدوى يخلو من اي معنى.. جريمة سيزيف انه اراد ان يكون ندا للالهة.. سيزيف يعلم ان ما يقوم به عمل غير مجدي لكنه افضل من الفناء او الانتحار.. نحن جميعا سيزيف، تجمعنا ذات الايام المتشابهة والروتين الممل.. لكن سيزيف فكر مليا ووجد انه بدلا من الانتحار والاستسلام المخزي للحياة، عليه ان يغير روتين حياته ويتحمل سخافتها، فقال في نفسه: لماذا لا اغير اسلوب حياتي، اغني وارقص اثناء دفع الصخرة كي ابدو سعيدا علي ان اصنع عالمي الخاص وان اجد سعادتي..
العبث هو انك تملك الكثير من الاسئلة التي تتعلق بالكون والحياة والموت، لكن الكون صامت لا يمنحك اي جواب.. ومن هنا يتولد العبث.. بيد ان من يمنحك الاجابة هي الديانات والايمان بالعوالم البديلة الاخرى.. اطلق البير كامو على ذلك الايمان بالانتحار الفكري او الانتحار الفلسفي، اي ان تتخلى عن فكرك وتسلمه الى اشخاص اخرين لانك لا تريد ان تفكر بل جل ما ترغب به هو الاستسلام للوهم، فقط للتهرب من الفناء..
احيانا يسألك الاخرون: وماذا عن العواطف والمشاعر والعذابات هل من المعقول ان تذهب سدى؟ نعم نحن لا نطيق فكرة الموت والفناء، فنبحث عن تعويض.. نتخيل عوالم لا وجود لها سوى في ادمغتنا المريضة، سراب يجعلنا نتحمل الحياة.. جلجامش اراد الخلود لكن استسلم اخيرا للفناء.. منذ الازل، الالهة تحتقر البشر كونها اعلى واسمى منه والبشر فانون.. وذات مرة تسأل الانسان عن السر وراء خلود الالهة وابنائهم ولماذا هو كائن فان؟ وبدأ الصراع بين الالهة والبشر منذ ذلك الحين.. من هنا كتب كامو كتابه اسطورة سيزيف..
يقال انه اثناء الحرب العالمية الثانية، جلب احد الباحثين معه شخص اكل للحم البشري من افريقيا، اراد ان يطلعه على الحضارة والعالم المتحضر.. فجاء به الى اوربا.. وحينما كان يقرأ له من احدى الصحف التي تحتوي على صور تلال من القتلى بعد معركة ستالينغراد، فسأله آكل لحوم البشر: انتم تقتلونهم كي تأكلونهم؟ فاجابه الباحث: كلا، انها الحرب.. فرد آكل لحوم البشر: انتم تنتقدوننا وتشتمونا كوننا ناكل لحم البشر حين نجوع، في حين انكم تقتلون البشر ولا تأكلونهم!
فعلا ، نحن اكثر وحشية من اكلة لحوم البشر كوننا نقتل ونعذب الاخرين بصورة مجانية..
نعود الى سؤالنا: هل تستحق الحياة ان تعاش؟ هل الانتحار هو الحل؟
يجيب كامو: كلا الانتحار ليس حل.. مع ان البعض يدعو للانتحار لكننا نجده يعيش حياة طبيعية.. فالفيلسوف الالماني شوبنهاور الذي يعتبر استاذ اليأس لم ينتحر بل وقع في الحب مع احدى عشيقاته وكان يتناول ما لذ وطاب من الطعام.. وكذلك اميل سيوران لم ينتحر.. لكننا نجد ان من انتحر هو ارنست همنغواي الذي كان مشبعا بالحب والامل.. جقا، انها مفارقة..
فرضية عودة الانسان الى العدم مازالت فرضية قائمة وراسخة.. فانت كنت عدم طيلة عمر الكون الممتد الى حوالي 14 مليار سنة وعمر الارض حوالي 4 مليار سنة، انت كنت فيها عدم، لكنك ولدت وعشت لمدة قصيرة جدا مقارنة بعمر الكون لكنك تريد الخلود؟ مع انك تعلم انك كنت عدم لمليارات السنين قبل ولادتك، فلماذا تستبعد فرضية انك ستعود للعدم مرة اخرى؟
نعود الى كامو فهو يقول نعم الحياة تستحق ان تعاش والانتحار مرفوض.. علينا ان نعيش الحياة وعلينا ان نخلق عالمنا الخاص وان نجد السعادة كما فعل سيزيف حينما شرع بالغناء والرقص وهو يدفع الصخرة.. علينا ان لا نستسلم للحياة.. علينا ان نصنع عالمنا الخاص، مثلا نذهب لرؤية اصدقائنا واحبائنا والتمتع بمشاهدة المناظر الطبيعية والموسيقى والقراءة والفنون والابداع الفكري وما الى ذلك.. انا شخصيا في هذا المكان امامكم اليوم لغرض التهرب من روتين الحياة الممل..
في هذا الصدد، علينا ان نتذكر ريتشارد دوكينز، استاذ التطورية الجديدة او الدارونية الجديدة، يقول: انت انسان عظيم لانك حصلت على الحياة. فحينما كنت حيمن في رحم امك، تنافس معك اكثر من 300 مليون حيمن للوصول الى البويضة، وهم اخوتك، ارادوا ان يروا الحياة لكنهم لم يفلحوا وذهبوا جميعا للعدم، لكنك انتصرت في ذلك المارثون العظيم..
هناك فراشات تطير باريحية وهي فرحة باجنحتها مع انها لن تحصل سوى على ساعات من الحياة..
الانسان هو الكائن الوحيد الذي يفكر بالخلود ويوظف الاديان وباقي المعتقدات لذلك.. لكننا نرى ان الاديان تساهم في التفرقة بين البشر..وعليه، لابد ان نتجه الى سياسات القضايا وخلق دين الانسانية من خلال مساعدة الاخرين واستثمار طاقاتهم وصناعة عالم اقل عنصرية وكراهية..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تونس: مسرحية تلقي الضوء على معاناة المتحولين جنسيًا في مجتمع


.. تونس: مسرحية تعرض معاناة المتحولين جنسيا


.. بتوقيت مصر : جدل حول استخدام اللغة القبطية في الصلوات




.. قصته أشبه بأفلام هوليوود.. كيف ساعد شلومو هليل آلاف اليهود ع


.. بالغناء والصراخ موالو بشار يعبرون ...و وسيم الأسد -هي مو صفح