الحوار المتمدن - موبايل


أَحم، عندنا إنتخابات 3 7

عبدالحميد برتو
باحث

(Abdul Hamid Barto)

2021 / 2 / 22
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق


أفكار وممارسات إنتخابية
تتواصل عملياتُ إنشاءِ أحزابٍ وإئتلافاتٍ لأغراضٍ إنتخابية، وهي في الواقع للدفاع عن الإمتيازات الخاصة القائمة للقوى والشخصيات المهيمنة حسب. هناك مَنْ يَعتقد أنَّ جهودَ الحكومةِ مخلصةٌ صوب الإنتخابات، هذا الى جانب مَنْ يراها مجردَ عمليات مماطلة، ستستمر لفترة طويلة. أما التقديم أو التأخير في موعد الإنتخابات، فهو أمر لا يتعدى حدود المناورات السياسية والإنتخابية، لمواصلة عمليات التعمية والتسويف والخداع، ليس من جانب الحكومة الضعيفة فقط، إنما من جانب كل أطراف "العملية السياسية" الفاسدة، ولكل منهم، ومَنْ يقف وراءهم، أهدافه وتصوراته الخاصة.

وعلى جهة أخرى خارج اللعبة الرئيسية، يواصل بعض إبناء المدن العراقية الدعوة لإنشاء كيانات إنتخابية مستقلة، بعض تلك الدعوات دافعها وطني بريء مع شيء من الغفلة، أما البعض الآخر فهو ضمن خطط المناورات السياسية الرديئة، ولا تخلو الحالة من دوافع شخصية متنوعة أيضاً. كما الحال عند تشتت أطراف ممن ينسبون أنفسهم الى إنتفاضة تشرين الأول/ اكتوبر الباسلة، التي غدرت بها شبكة معقدة من العوامل والأسباب الذاتية (غياب القيادة وبرنامج التغيير) والموضوعية (الخلل الإجتماعي والظروف المحيطة).

تُطرح أفكارٌ وتصوراتٌ كثيرة حول وعن الإنتخاباتِ العامة القادمة. تقع نقطة الخلاف الرئيسية في ميدان طبيعة التوجه الرئيسي أزاءها، أي ما هو الموقف الصحيح. هل هو عبر الإشتراك فيها أم مقاطعتها؟ إن للمشاركة في الإنتخابات إنصارها وللمقاطعة أنصارها أيضاً.

يرى قسم آخر أن الفارقَ ضئيلٌ بين خوض الإنتخابات ومقاطعتها في ظل الأنظمة الفاسدة والفاشلة. ولا معنى لتوقع النتائج الإنتخابية، لأن النتيجة مقررة سلفاً. يصبح أحد الموقفين ضرورياً، إذا جاء ضمن تصور واضح وقراءة متأنية للواقع، الذي تبنى عليه مواقف الأطراف المعنية في الحالتين (المشاركة أو المقاطعة)، أي تكمن أهمية خوض الإنتخابات أو مقاطعتها بما تحققه الحالة من فضح للنظام الفاسد ومَنْ يقف خلفه. ينبغي العمل على تحويل الموقف المقرر من العملية الإنتخابية الى وسيلة للتوعية والتعرية والفضح على طريق خلق مقومات التغيير الحقيقي.

يكون من أساليب الحكومات الضعيفة والفاشلة والقوى المهيمنة الفاسدة عادة، العمل على لفت إنتباه الناس نحو كل شيء غير مثمر وغير مفيد. والسعي الى تشتيت تركيزهم وإبعادهم عن التفكير بالقضية الأساسية، وهي التغيير. يجري الإلهاء بتقصيرات في شؤون هامة ومقلقة أيضاً. هم يخلقونها عن قصد وعمد. وليس خافياً أن الهدف من ذلك كله، هو فتح المسالك لعمليات التزوير اللاحقة، التي تحقق فوزهم الذي يريدونه مضموناً.

لا تقلق الفاسدين الدعواتُ لمعالجة التقصيرات المتعمدة، التي تتعلق بمسائل، مثل: الدعوة الى توزيع البطاقة الإلكترونية "البايومترية" على جميع الناخبين وعدم حصر توزيعها بفترة محددة، مراعاة قرب سكن الناخبين من مراكز الإنتخابية، وضع جميع التفاصيل المتعلق بالإنتخابات أمام المواطنين وتوفير الشفافية بصددها، ضمان مشاركة مئات الآلاف من النازحين والمهجرين ومواطني الخارج، توفير الضمانات بمنع التلاعب في الحساب النهائي للأصوات عبر التحكم بادارة الحاسوب المركزي والبرنامج المستخدم فيه، وذلك لمنع تكرارها في الانتخابات المقبلة، ضمان حيادية الاعلام الحكومي وإتاحة الفرص المتكافئة للقوائم والمرشحين، ودعوة المدن لإنتزاع دورها المستحق، وتقليص نفوذ أطرافها الريفية عليها. إن الذين لا يقلقهم إنحدار ثلث المجتمع العراقي تحت خط الجوع، لا تقلقهم عمليات طرح المطاليب التي تقف عند حدود الطرح فقط.

كل تلك المسائل المشروعة والصحيحة والهامة، هي من الناحية التطبيقية بالنسبة لمراكز النفوذ وقوى الهيمنة والمليشيات ميادين ومنافذ للتزوير والتزييف اللاحق والإستهلاك. طبعاً تختلف في هذه المجالات مواقفهم وأهدافهم أيضاً.

من مواقع الشعور بالضعف أو المسؤولية الوطنية في بعض الحالات، تبذل بعض القوى اليسارية جهوداً لإقامة جبهة واسعة بين القوى الوطنية والمدنية والديمقراطية من أجل التأثير في الإنتخابات العامة القادمة. لاشك في أن ميدان عملهم يمكن أن يكون واسعاً، إذا إستند على مضامين إجتماعية تتعلق بمصالح الغالبية من أبناء الشعب العراق وقوتهم اليومي، وعلى فضح عمليات قتل وملاحقة ناشطي تشرين، ومواصلة المليشيات والأحزاب المتسلطة لعمليات اغتيال وتغيب البعض منهم.

ترى بعض قوى الإنتفاضة أو هوامشها أن المشاركة في الإنتخابات العامة القادمة ضرورية. هذا على الرغم من عدم تكامل الصورة عندهم. بدأ بعضهم تنظيم نفسه على هذا الأساس. ويتم الاعلان عن قيام كتل وتنظيميات جديدة. خاصة بعد تشتت أطراف تنسب نفسها الى إنتفاضة تشرين الأول/ اكتوبر الباسلة، التي غدرت بها شبكة معقدة من العوامل والأسباب الذاتية (غياب القيادة وبرنامج التغيير الجذري) والموضوعية (الخلل الإجتماعي والظروف المحيطة).

إن الحراك الجماهيري الذي بدأ في 2011 وفي 2019 له أسبابه ودوافعه، التي لم تنته، ولم تتغير بعد. يمكن أن يتجدد ذلك النشاط في وقت ما على نحو كبير. إذ أن القوى السياسية والمليشيات تواصل سلوكها المنفرد بالسلطة، والقائم على القهر والعنف ومنطق السلاح واللصوصية. أقدم بعض النشطاء، الذين ساهموا في حراك تشرين الأول/ اكتوبر 2019 أو على حاشيته على تأسيس حركات وأحزاب تحت مسميات عديدة، مثل: الخيمة العراقية، البيت الوطني، 25 تشرين، إمتداد ... وغيرها. يعتقد هؤلاء أنهم يمكن أن يمارسوا دوراً إيجابياً باتجاه التغيير، وهناك من يرى إستحالة التغيير ضمن المعادلات القائمة.

تعاني القوى السياسية المهيمنة والمليشيات في العراق حالياً القلق من إجراء إنتخابات مبكرة، وتدعو الى تأجيلها، لخشيتهم من إحتمال أن يفقدوا نفوذهم أو جزءاً منه. ولكن هناك ما هو أهم عند القوى الرئيسية الولائية، يتعلق بالدوافع الحقيقية للدعوة الى تأجيل الإنتخابات، من شهر حزيران/ يونيو الى شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2021. هو إنتظار المسارات القادمة على صعيد العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية، التي تحظى عندهم بأهمية إستثنائية. وهنالك هامش ينبغي على الوطنيين أخذه بالحسبان. إذ بلغ حجم تراكم المصالح الشخصية عند أتباع إيران حداً وصل حد الخشية عند بعض أوساطهم من إحتمال أن تبيعهم إيران من أجل مصالحها الوطنية بالمفرد والجملة. يتساءل البعض منهم هل من الممكن أن نفقد كل ما نملك من إمتيازات من أجل إيران. هذه الحالة تركت هامشاً من الشك المتبادل بين طهران وبينهم.

ثارت ثائرة أحزاب الفساد والوحشية على مسألة المراقبة الدولية للإنتخابات. وهي بالأساس مراقبة للمعايير وذات طبيعة معنوية حسب. يكمن دافع ثورتهم في علمهم بحجم التزوير، الذي يعدونه لضمان بقائهم. ولأنهم يعلمون أن الشعب لن يتساهل مع مَنْ قذف به في غياهب الفقر والإذلال وفقدان الأمن والأمان، ولو إحتيحت له فرصة المعاقبة عبر صناديق الإنتخاب لأظهر ذلك بأزهى الصور كماً وكيفاً.

يعول بعض الواهمين على الإنتخابات المقبلة لتغيير النظام السياسي، ضمن الشروط القائمة حتى هذه اللحظة. ينتظرون ظهور فئات سياسية جديدة كبديل عن الفئات الحالية، التي دمرت العراق، وسرقت أمواله وممتلكاته، وحتى أجزاءً من مستقبل شعبه. يعولون على أطراف لم تقل كلمة واحدة حول إنتهاك الحقوق العراقية في المياه والنفط وغير ذلك، إنهم يدافعون عن مصالح الآخرين بحرارة نادرة تثير العجب. هل حقاً يمكن دعوة من أوصلوا العراق الى الحالة، التي هو فيها، الى إحترام القانون على الرغم من كل معايبه، وتحريم حمل السلاح خارج الدولة، ودعوة اللص الى إحترام الممتلكات والمال العام.

وضعت القوى المتحكمة بمصائر البلاد إجراءآت لضمان البقاء في موقع المهيمن، ومن تلك الإجراءآت: الإستناد الى قانون غير عادل لتنظيم الإنتخابات، عدم وضوح قانون المحكمة الإتحادية وعدم إستكمال قوامها، كما لم تتفق الأحزاب المهيمنة على تسمية ثلاثة أعضاء فيها، هذا على الرغم من أن المحكمة هي الجهة المخولة للتصديق على النتائج الإنتخابية. ومن المعلوم أن المحكمة الإتحادية تقوم بعملها حالياً وبالأساس على أمر إداري صدر عام 2005 عن إدارة المرحلة الإنتقالية. ووجدت أصلاً لتمرير القرارات المطلوبة حكومياً.

كما إن الحكومة في آخر إجراءآتها شكلت "المفوضية المستقلة" للإنتخابات من قضاة ضمن جداول المحاصصة. وفي كل العالم توجد حرمة بدرجات متفاوتة للقضاء. ولكن القضاء العراقي ظل أداة بيد رئيس الحكومة ليس إلاّ. ومن أولى مؤشرات عدم إحترام "المفوضية المستقلة" للإنتخابات. كان تحديد موعد الإنتخابات من قبل الحكومة دون أخذ رأي المفوضية. هذا الموقف يُعد مخالفة قانونية أصلاً، ولكنه ليس غريباً في العراق الجديد. تجدر الاشارة هنا الى اعتراض ممثلية الأمم المتحدة ورفضها مؤخراً تعيينات لمدراء عامين في المفوضية بسبب الفساد والمحاباة في التعين والإختيار.

ومن أجل وضع مزيد من العراقيل أمام ترشيح الأفراد المستقلين، خاصة الفقراء منهم، وضعت الحكومة شروطاً لا مبرر لها، منها: جمع تواقيع 500 ناخب لكل مرشح من دائرته الإنتخابية. إعتماد 5 ملايين دينار للأشخاص المستقلين و25 مليون للقوائم. هذا كان في البداية، ولكن الأرقام أخذت سلماً تصاعدياً. إن تلك المبالغ لا تشكل إحراجاً للفاسدين، الذين تسلطوا على المال العام، فالمرشح الفرد يدفع 5 ملايين دينار غير قابل للإسترداد، والحزب الذي يشارك في الانتخابات يدفع 45 مليون دينار عراقي عن كل دائرة إنتخابية يشارك فيها. هذه الشروط بمثابة عملية إلتفاف على المرشح أو الحزب، الذي لا يروق لهم، لحرمانهم من المشاركة في الإنتخابات البرلمانية القادمة مع كل علاتها الأخرى.

توجد شكوك عند بعض القوى، التي نصيبها من النفوذ محدود، بصدد إدعاءآت تدريب وكلاء الأحزاب لمراقبة الإنتخابات بصورة جيدة. قالت مصادر "المفوضية المستقلة": تحدثنا عند شركة كورية تجهزنا بأجهزة لتسريع عمليات الفرز. ولكن المفوضية لم تطمئن المعنيين وأسئلتهم، التي تدور حول: هل هذه الأجهزة تختلف عن الأجهزة السابقة؟ وهل سيتم اعتماد نفس الآلية السابقة في عملية الوسط الناقل والجاهز لتسريع النتائج؟ ستثار قضية وكلاء المرشحين بقوة أيضاً. على أمل أن يحد وجودهم في ٥٦ الف محطة انتخابية من عمليات التلاعب، لذلك يتزايد إهتمام الأحزاب والكيانات السياسية بوجود وكلائهم في كل محطة، وفي كل مركز، بسبب تزايد الشك والخلافات بين أطراف "العملية السياسية" المهيمنين والقلقين من بعضهم البعض.

لا حدود لرغبات قوى الإستحواذ في الهيمنة على كل مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسات، التي هم شاركوا في عمليات تأسيسها أو تشكيلها. إن حجم ضغوطهم المتواصلة على المفوضية فاق التصور حتى من التابعين لهم. دفعت تلك التصرفات على سبيل المثال، أعضاء مجلس "المفوضية العليا المستقلة" للإنتخابات في آذار/ مارس 2014 الى تقديم استقالاتهم الجماعية احتجاجا على التدخل السياسي بأعمالهم قبيل الانتخابات البرلمانية المقررة في 30 نيسان/ أبريل 2014 وذلك على خلفية مزاعم بأن الحكومة تستخدم بنداً قانونياً مثيراً للجدل لمنع مناوئين لها من الترشح في الإنتخابات على أساس أنهم لا يحظون بـ"سمعة جيدة".

لم تكن "المفوضية المستقلة" مستقلة منذ اليوم الأول لتأسيسها، على يد الإحتلال من مجموعة موظفين، جرى إعداد بعضهم قبل الغزو وبعده في الخارج. أما عملية إستبدالهم الجديدة بقضاة، في ظل الروح المفروضة على القضاء العراقي، من المحمكة العليا الى أي حاكم في أي ناحية عراقية لا يَعِدُ بالخير. هم موظفون لا صلة لهم بالهموم الحقيقية للناس. ومن الصعوبة بمكان الحديث عن الحيادية وإستقلال القضاء. توجد ضغوط ودوافع سياسية فاسدة وراء كل ما جرى وحصل وما يجري ويحصل الآن.

هناك من يتوهم بأن الانتخابات المُبكرة ستكون أداة للتغيير الذي يطمح له العراقيون. دون أن يسأل عن ضمان حرية الانتخاب ونزاهة العملية الانتخابية ومستلزمات التهيئة للانتخابات المبكرة. تدعي حكومة مصطفى الكاظمي بأن الانتخابات المبكرة تحظى بالأولوية، بل هي مبرر وجودها. وعليه نالت الثقة يوم ٧ آيار/ مايو ٢٠٢٠ من مجلس النواب، الذي أكد على "اجراء انتخابات مبكرة بعد استكمال القانون الإنتخابي، وتفعيل مفوضية الانتخابات، وتطبيق كامل لقانون الاحزاب، لضمان حماية العملية الانتخابية ونزاهتها، وبالتعاون مع الامم المتحدة". وتعهدت الحكومة بتوفير البيئة السليمة والآمنة للانتخابات، حددت موعداً لاجرائها في يوم ٦ حزيران/ يونيو 2021. ثم أقدمت على تأجيل الموعد، ولكن سير الإعداد يوحي بإحتمال وقوع تمديدات أخرى في الطريق. يرتفع الضجيج الآن حول الإنتخابات المبكرة. ولكن الواقع يوشي بحقيقة أنها لم تعد مبكرة تقريباً. تقول ذاكرة الناس وخبرتهم إنه: طبخ حصو.

يتبع:








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تظاهرات في بابل للمطالبة بإلغاء الحظر وإقالة المحافظ


.. البابا في زيارة تاريخية إلى العراق رغم الوباء والاضطراب الأم


.. كيف علقت الصحافة الإيطالية على زيارة البابا فرنسيس إلى العرا




.. العراق: استقبال رسمي للبابا فرنسيس في القصر الجمهوري بحضور س


.. ليبيا: دبيبة يسلم الأسماء المقترحة لحكومة الوحدة الوطنية إلى