الحوار المتمدن - موبايل


مسرحية المفترسون تطرح جملة من الأفكار والقضايا الاجتماعية

عقيدي امحمد

2021 / 2 / 23
الادب والفن


تصور مسرحية المفترسون الواقع الاجتماعي في قالب يتراوح بين التهكم والمأساة، حيث تجسدت وطرحت تجربة مسرحية فرجوية حية، مسرحية المفترسون في خلاصتها حكاية مجتمع يعيش العديد من التناقضات داخل حمام في مدينة ، تعاني من نقص حاد في الماء ومن ثقل الإجراءات التي تحدد استهلاكه هذه الأحداث ينظم إيقاعها هذا السائل الثمين بكل ما يحمله من ميزات تأثيرات تقلبات انخفاض للضغط وحتى انفجار للأنابيب ليخلق بذلك أجواء منعكرة وفضاءات للرشوة تتناقض كليا مع أهداف هذا الحمام الذي تتراكم داخله كل الآفات الاجتماعية.
ومع أن المسرح لم يصبح بعد حاجة شعبية، إلا أنه أصبح مطلبا للوعي الشعبي، يستكمل به صورة المشهد الثقافي الحي، بل النابض بالحياة، ورغم أن التكنولوجيا الحديثة في دعمها لمنجزاتها المرئية، كالسينما والتلفزيون، شكلت خطرا على المتعة الحسية التي يقدمها المسرح، إلا أنه ظل في الوجدان الثقافي حلما يتكاثر عليه الطلب والنقد معا.
حيث شهدت دار الثقافة بولاية أم البواقي إقبالا جماهيريا لمشاهدة عرض مسرحية المفترسون للمسرح الوطني الجزائري هذا العمل الفني الذي استطاع أن يتناول العديد من القضايا الاجتماعية التي أصبح يتخبط فيها المواطن، ومساهمته الفعالة في طرح جملة من الأفكار، فكان في مجمله بؤرة تستقطب الاهتمام، وتمهد الطريق أمام المتعة، فالعرض يستهدف مشاكل إنسانية عامة، تهم البشر على وجه العموم، لجهة تحريك الراكد والساكن في الوجدان نحو ممارسة حقوقه في التعبير والقول، والمساهمة المؤسسية المجتمعية، لرفض هذا الاطمئنان والمباركة لتجليات قوانين السائد المهمشة لحيويات الإنسان، والمرسخة لتهميش الذات، وعزلتها الاجتماعية، ولفقرها المعرفي.
ولكن الأهم في هذا المضمار، ليس في قدرة أحمد بن عيسى على طرح ذلك الفكر الإنساني، وإنما في توازي عمق هذا الفكر مع جماليات اللغة المسرحية التي طرحته، التي برع في إنشائها تجسيدات سمعية مرئية، مظهرت الانهيارات الكبرى وكان الأداء في هذه التجربة المسرحية جله للممثلين منهم نورة بن زراري، وكمال كربوز، وحميد قوري، وفؤاد زاهد، وياسين زايدي، وعبد الكريم بن خرف الله، وجميلة بحر، وسيواني أرزقي ، وسالي.
واضح إذا أن سالي بقدر ما هي حريصة على القيمة الأدبية لأعمالها المسرحية والتلفزيونية بقدر ما هي مهووسة أيضا بتقديمها في قالب فكاهي جمالي، بشكل يجعلها تحقق للمتفرج متعة الأذن والعين معا، ولا عجب في ذلك مادم المسرح وسيلة لتغذية الحواس والروح معا، وإذا كانت سالي تفاجئنا في كل عمل مسرحي، باختيارها لمتون أدبية ولشخصيات ذات ميسم خاص يتمثل في الزخم الثقافي والنفسي الذي تتحمله فسالي الممثلة تملك من الطاقات النفسية والقدرات التعبيرية ما يجعلها تنخرط بقوة وعمق في شخصياتها.
ومن النقاط المضيئة في العرض ظاهرة الإتقان والتي برزت فيها طاقة المخرج في الإمساك بخيوط الحدث الدرامي، وبالتالي إيقاعه، فكان أثر العصر واضحا في السيطرة على زمن الممتد عبر مشاهد سريعة دارت في أكثر على الزمن الممتد عبر مشاهد سريعة دارت في أكثر من مكان واستطاعت لعبة الإيقاع المتواترة والمتوترة أن تنقلنا من مكان إلى آخر على خشبة المسرح المسطحة فلم يتغير فيها سوى النور في حزمه وبقعه المتنقلة.
وقد ساهم الإتقان التي قاده المخرج بمهارة في تقديم الممثلين فإن نورة بن زراري في هذه المسرحية كان لها حضور يملأ الجو، فظهر أداؤها المسرحي في منتهى الروعة وساهم الكاتب "مراد بوربون" والمخرج أحمد بن عيسى لقيمة الأفكار الجديدة في خلق المناخ التغييري الذي هدفت إليه المسرحية، بل وأعطى ذلك مناخا لأغلبية الممثلين كي يعبروا عن ذلك الهدف فكرة وجمالا، فكانت أحكام اللعبة مضمونا وشكلا بإتقان ملحوظ، حقق الميزة الأولى لهذا العرض الذي يمكن اعتباره بعد فترة من الزمن شاهدا على انسجام الفريق المسرحي في تقديم فرجة مهمة، وقد تم التأكيد من الفكرة بمهارة أخلص الفريق لحظة الإخراج في إيصال نية الكاتب حسب التعريف التالي بمسرحه: كان تصور مراد بوبون للعناصر التي تشكل مسرحا مثاليا هو: تكامل ألوان وموسيقى مع حوار وإشارات.
حيث حافظ العرض على رؤية الكاتب بعيدة المدى، وبالرغم من ألوان الربيع التي لونت بها المشاهد، فقد استطاع الجهل الاجتماعي والقمع الصارم إلى إضفاء جو من الحزن لم يخرجنا منه سوى الروح المرحة الذكية التي رافقت إيقاع العرض، وجاءت الموسيقى المرافقة متوازنة وفعالة مع المشاهد.
ويستحق هذا العرض وقفة متأنية لاستعراض مشكلة اللغة في المشهد المسرحي الجزائري المعاصر فالصراع بين الفصحى والعامية ظل قائما وكثيرا ما تحول ذلك الصراع اللغوي إلى جدار سميك يحجب عنا الاهتمام بفنية المسرح، وقدرته على أن يشكل حيوية اجتماعية تعطيه أهميته بين النشاطات الإنسانية الإبداعية كافة، ولم تكن أهمية كاتب النص في كتابته وإعداده له تكمن في استخدامه اللغة المحكية بصورة تثير التساؤل، وهو بحد ذاته يمنح العرض أهميته وقدرة على إحداث تغيير روحي في الموقف من المأساة الإنسانية التي تظهر في قهر الشخصيات وتخبطها في بحيرة التعسف والتعنت والتهجم الاجتماعي، تأتي مسرحية " المفترسون" في الخط المناضل لتوصيل الأفكار والصراعات إلى البشر كشحنات كهربائية تحمل الطاقة الفنية إلى بطاريات الإنسان التي لطالما جمدها التقعر والنفاق اللغوي والسكون المكرور، إن التعامل المتفهم والواعي لأي مخرج من نص باللغة المحكية لا يقل أهمية عن التعامل مع نص بالفصحى، بل ربما فوقه إذا ما استطاع المخرج استعمالها عبر ممثليه بحساسية مستوعبة لفكرة اللغة.
الصراع، إذن ليس بين اللغة الفصيحة واللغة المحكية، بل هو صراع يقوم في عملية التوصيل التي لا بد منها لجعل أي عمل ثقافي لقمة مستساغة لعقول الجمهور إن الإتقان والفهم المبدع للنص هو المقياس الذي يحكم به على أي عرض مسرحي ولقد استطاع المخرج أن يشعل نار التوصيل في مسرحيته، فكانت شاعرية بعض المشاهد تلغي الفوارق بين أنواع اللغة، وكانت البساطة تعطي ثقلا للأفكار المحكية، فإذا بالتواصل بين الخشبة والجمهور يصبح متألقا بحيث يخلف في النفس أثارا لا تمحى، وفي هذا الشكل المسرحي، المعتمد على قدرات الممثلين في تحقيق الفرجة المسرحية، التي ينشدها المشاهد، يتبدى ويتعالى الجسد، كعلامات مركزية، تتصراف وتنتظم العلامات الأخرى في تناغم مع جماليات خطابة، لجهة لغة تقنياته التي تبوح وتهجس بما تعجز عن تحقيقه اللغة الكلامية، إزاء ما مظهرته بهاء لغة هذه الجماليات، التي طجت بها حركات الممثلين في سياق توظيف درامي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تونس: مسرحية تلقي الضوء على معاناة المتحولين جنسيًا في مجتمع


.. تونس: مسرحية تعرض معاناة المتحولين جنسيا


.. بتوقيت مصر : جدل حول استخدام اللغة القبطية في الصلوات




.. قصته أشبه بأفلام هوليوود.. كيف ساعد شلومو هليل آلاف اليهود ع


.. بالغناء والصراخ موالو بشار يعبرون ...و وسيم الأسد -هي مو صفح