الحوار المتمدن - موبايل


ماركس الطبقي واوربا التحوليّة؟/1

عبدالامير الركابي

2021 / 2 / 24
مواضيع وابحاث سياسية


كان متوقعا لماركس ان يقع في الخطأ، لا لاسباب ذاتية بحته، بل باعتباراللحظة التي أراد، و كتب له فيها، ان يبدو وكانه استطاع اكتشاف ماعده قانونا مجتمعيا ناظما ومتحكما بحركة المجتمعات في اوربا، كما على مستوى المعموره. والامر هنا عائد الى الشروط الاستيعابيه التي كانت متاحة له وهو يبحث في الظاهرة المجتمعية الطبقية، عند لحظة انتقال انقلابي مرحلي، هو الانقلاب الالي البرجوازي الراسمالي المصنعي، المفعم باعلى درجات الاحتدام الصراعي الطبقي، والذي لم تكن أسباب واشتراطات استيعابه ممكنه وقتها، فالظاهرة مدار البحث، لم تكن قد أعطت كل، او الغالب مما تنطوي عليه من جوانبها ومتعلقاتها المستجدة، بالاخص النوعية، هذا والمقاربة العقلية البشرية وقتها للظاهرة المجتمعية، ماتزال أولية وبكرا، لم تصل بعد مستوى الاختبار الضروري الكافي لاعتمادها كمصدر للحقيقة في مجالها، ماقد جعل الرؤية الماركسية تسقط مجبرة تحت وطاة قياسات مصدرها البنية التفكرية السابقة على اللحظة الانقلابيه الراهنه، وفي الوقت الذي كان فيه مفكر "الصراع الطبقي" ومآلاته، يتصور انه بصدد تحليل الراهن، لم يكن ليتهيأ له ان ينتبه الى كونه انما كان مضطرا عمليا للاستعانة بالماضي لاسقاطه على ظاهرة مختلفة عنه، ولاتمت له بصله، ان لم تكن هي خاتمته ومنهية عمل الياته.
مانقصده هو الفارق بين المجتمعية البيئية، والمجتمعية الالية، والفارق بينهما على مستوى الاليات والديناميه واشكالها، او اشكال تجليها، ولايخص هذا الامر ماركس بالذات من دون سواه من الباحثين الاجتماعيين، ماضيا والى اللحظة الحالية، فما يعرف ب "علم الاجتماع" الغربي الحديث بجملته، فاته، لابل عجز عن ان ينتبه لنوع وطبيعة، وتعدد مناحي التغير الذي طرا على المجتمعات والعمليه المجتمعية مع دخول الالة عملية الإنتاج، مع مايواكبها ورافقها من اجمالي نهوض في الوسائل التفكرية والعلميه التطبيقية، فاستمر هؤلاء يعممون مفهوم "الظاهرة المجتمعية" كما يرونها،من دون تحري منطوياتها الفعلية، او العامل الفاعل في تشكلها، وفي انماطها، بحيث ظلوا، وبمقدمتهم ماركس وانجلز يتصورون ان المجتمعات كلها نشات "طبقية"، وان هذه ظاهرة خارجة على العوامل البيئية والطبيعيه، مستقلة بذاتها، فلم يبحث انجلز، ولا ماركس في المجتمعات الأولى، وابرزها الشرق متوسطية بنمطيها التاسيسيين، الرافديني والنيلي كمثال، ولا ذهبا، او كانا حتى لوفعلا مؤهلين للبحث في الاختلافات الجوهريه بينهما، ومصدرها، ولماذا امتاز النمط النيلي مثلا باحادية الدولة، وبالسكونية واللادينامية، مقابل دينامية النموذج الرافديني الازدواجي، ودور الحال البيئي الملائم للعملية الإنتاجية المصري، التوافقي الإنتاجي البيئي، مقابل المقارب للفناء، العراقي، كدالتين بارزتين على حضور البيئة والمناخ في تكون المجتمعات ونمطيتها، ونوع بناها، ومن ثم حضورها ودورها، بما في ذلك منها نمطها الطبقي الأوربي، الذي هو نتاج نوع من البيئة الجغرافيه والمناخية ـ وتفاعلاتها مع الجهد البشري الإنتاجي ـ العامل الفاعل والاساس في الكينونه الحية البشرية بالاصل والحاضر، في كل تاريخ الارتقاء الحيوي الحيواني السابق على انبثاق العقل، وصولا الى المجتمعي، وتعدد انماطه الضامنه لفعاليته المتوافقة مع طبيعته، وجوهر وأسباب تشكله، وغاياته التي هو مصمم لكي يبلغها متجاوزا ذاته.
لم يكن لماركس ان يدرك ماذا يعني، او اذا كان هنالك مايمكن ان ينظر له من بين المجتمعات على انه "مجتمع ازدواج"، يكتسب فعاليته وحضوره من ديناميات الازدواج، وفي حين ذهب وبتبسيط الى افتراض كون "الشيوعيه البدائية" هي الافتتاح المجتمعي البشري الشامل والعام، لم يكن ليخطر له ان المجتمعات يمكن ان تكون لاارضوية، ولاتعرف الملكية الخاصة والدولة، او أي من اشكال القوى المنفصله عن المجتمع، كما الحال في اسفل ارض مابين النهرين، المحكومه لقانون الدورات والانقطاعات، والتي تتكررحضورا تاريخيا ضمن الازدواج الامبراطوري، بصفتها "نمط" لادولة، متكررعبر الدورات، أي ان تكون كما حصل، موجوده في الدورة الأولى السومرية البابلية الابراهيمه، ثم تعود باعتبارها نمطا ثابتا ومكتفيا بذاته، في الدورة الثانيه العباسية القرمطية الانتظارية، مايعني كون المجتمعات كظاهرة، ممكن ان تكون مجتمع لادولة ولاملكية خاصة على طول الخط، ومادامت موجوده، من دون ان يطرا عليها مايغيرها، او ينقلها لاي شكل او نمط آخر، ومنه النمط الطبقي الذي حكم اوربا وتاريخها المجتمعي كحالة دائمه لها خواصها هي الاخرى.
ولم يكن لماركس، وصديقه انجلس، ان يخرجا من نطاق اللحظة الاوربيه، الضخمه والمحتدمه التي وجدا ضمنها، ليخصصا ماهو لازم من الوقت والجهد المستحيل وغير المتاح في حينه أصلا، كي يقراوا تاريخ المجتمعات والحضارات، في وقت كان الغرب ينهض، وهم في غمرته، وماخوذين بعظمة المنجز الذي يكتنفهم ويشكل رؤيتهم الأساس، بما في ذلك رفضهم للجوانب الحرية بالرفض، وفي مقدمها الاضطهاد "الطبقي"، ماكان من المستحيل وقتها جعلهم يقفون مثلا امام تلك الزاوية القصية في اسفل ارض الرافدين، وهي تنجب في الالفية الثالثة قبل الميلاد اول امبراطورية في التاريخ، فتحتل على يد سرجون الاكدي، عيلام/ ايران، وساحل الشام، والاناضول، وصولا الى ليبيا، او ان يتوقفا ليبحثا في معنى ودلالة انبثاق الرؤية السماوية الابراهيمه من نفس الموضع والمكان، لتعم العالم بمعظمه، وتظل سارية وراسخه في الدواخل البشرية ليوم الانقلاب الأوربي الراهن، لابل وتقاومه وتثبت بوجهه، برغم كل ماطرا عليه من "علمانية" غامرة، بما يعني ان ماركس الذي اطلق نظريته وقتها، كان بالأحرى محكوما لاسباب نقص عديدة، تحول بينه وبين ان يتوفر ابان لحظة الانقلاب الأوربي، على قواعد تفكرية، تتيح له الوقوع على الحقيقة المجتمعية استنادا للمعطيات الاشمل من تلك التي كان من الممكن ان تقع في نطاق الفحص بين يديه.
وتتشابك عناصر القصور التي تحكم مجهود ماركس الاستثنائي قياسا لممكنات العقل في حينه، وضمن لحظته، بما في ذلك مفهومه العلموي وطريقة معالجته للظاهرة "الدينيه"، فهو لم يكن باية حال قادرا على تحرير الظاهرة الدينيه من السماوية البحته، ليحيلها الى مصدرها المجتمعي اللاارضوي، ومن ثم التحولي المجتمعي على مستوى المعمورة، ولو انه استطاع ان بفعل ذلك لانتقل متحولا من كونه منظرا طبقيا يسم التاريخ وحركته بميسم الصراع بين الطبقات، وصولا لاختفاء الطبقات والدولة، الى فاعل تحولي، مهتم بالبحث في اليات انتهاء المجتمعات كظاهرة، بعد ان تحقق المطلوب منها، والمقصود من وجودها، ماكان من شأنه إخراجه من المكان والزمان اللذين ينتمي اليهما، وهو نتاجهما.
يمكن لشخص من نوع ماركس وعبقريته المحددة زمنيا ومكانيا، ان يحقق كما فعل، رؤية للغرب موافقه لاشتراطات ظاهرته النهضوية المستجده، بما هي حالة بداية، بما يعني او يفترض ان يتمخض عن نوعين من الحالة والاليات والنتائج، أولى هي تلك التي رافقت ونتجت عن انطلاقة الظاهرة الراسمالية المصنعية الاوربية، ونهائية، او حصيله تتمخض عنها تلك الظاهرة، وتصل اليها. هنا يمكن كاجمال مثلا، ايراد شكل من الفارق النوعي بين ماركس الأوربي الكلاسيكي، وبريجنسكي الأمريكي، بين الأول الذي يبنى منظوره في جانب اساس منه على قانون العرض والطلب، واخر يقول بان القانون المذكور توقف، او هو في طور التوقف عن العمل، وان صناعة الحاجات ( الطلب) لدى الكائن البشري، صارت احدى مقومات العملية الانتاجيه الارادية المخططة الواعية.(1)
وهنا يكمن الفارق الأساس بين رؤية ماركس المحكومه لوطاة الماضي السابق على الظاهرة الغربيه، ومنه "الصراع الطبقي"، وبين ماتنطوي عليه من دلالات نوعيه مضمرة، نشات مع الاله، وصارت محكومة بها، وهو مالم يكن لماركس ان ينتبه له، وماجعله في الحقيقة شخصا من الماضي، بإزاء ظاهرة ماتزال في بدايتها، تنتمي للمستقبل، وهنا تجدر الإشارة تنويها الى ماقد ركز عليه مفكر الصراع الطبقي وهو ينظر في عالم الأفكار وعلاقته بالأساس المجتمعي، او ماعرف اجمالا عن العلاقة بين البنائين التحتي والفوقي، وهو مالم يخطر له ان يطبقه على نفسه، وعلى حالته التي وجد ضمنها، بينما هو يطبق نسق تفكير ورثه من الماضي، على حالة ماتزال غير مكتمله، وبناء عليه ماكان ممكنا ان تلقي بالانعكاسات التي تنطوي عليها، مع ماتتضمنه من مستجدات واختلاف، هو في الأساس ـ وهذا مالم ينتبه له ماركس أيضا ـ حالة انتقال من "المجتمعية البيئية"، الى "المجتمعية الالية".
وهنا نتعرف على نقص جوهري أساسي وحاسم بين ماارتكز له ماركس في النظر للمجتمعية، مع تجاهل ماكانت الظاهرة الالية المصنعية تنطوي عليه، فاعتمد كاساس في رؤيته، على الاشتراطات البيئية المجتمعية التي لم يتسن له ادراكها أصلا، في الوقت الذي كانت الالة فيه تفتح في التاريخ المجتمعي طورا جديدا، مختلفا عن ذلك الذي ظل يحكمها منذ ان تبلورت بصيغتها التحولية الازدواجيه في ارض الرافدين، بمعنى ما، وبناء على اصطلاحات ماركس نفسه، فقد كان هو بالأحرى "رجعيا"، مغرقا ومكتنفا بالمنظومه التفكرية البيئية المجتمعية السابقه على الالية، حيث صار الاختلال الإنتاجي المجتمعي هو المسيطر على العملية الإنتاجية، وصار الراسمال، او الكائن البشري، قادرا منذ ظهور الاله، على التدخل في العملية الإنتاجية، ومحاولة توجيهها والتحكم بها، بعد ان كان من قبل، وابان الطور اليدوي، خاضعا لقوانين خارجه عنه، هو فيها عنصر محكوم الى الاشتراطات المسبقه، والى حالة من التناغم البيئي الإنتاجي.
لم تعد قوانين واليات "الصراع الطبقي" السابقة، كما كانت سارية أيام العبودية والاقطاع، هي نفسها اليوم ابان المرحلة الراسمالية، لسبب أساس، هو ان المراحل السابقه كانت يدوية حيت الكائن البشري العامل في الأرض متوافق مع البيئة خاضع لاشتراطاتها، غير متوفر على أسباب الاستقلال عنها، فضلا عن التحكم بعملها، بينما المرحلة الراهنه تغيرت كليا، ماقد حور الاليات، ومايسمى عمل الديالكتيك مجتمعيا انتاجيا كما تصوره، او أراد ماركس اخضاعه لاشتراطاته، منتصرا لزمن مضى من تاريخ المجتمعات، مكرسا بذلك رؤيته الماضوية، مع الإصرار على تطبيقها على حالة لم تعد هي نفسها اطلاقا.
وتبقى المسالة الأكبر بما يخص "الالة"، وهل هي شرط برجوازي حتمي؟، أي هل ان هذا التحول في الوسائل، كان مرهونا ب ومرتبطا حتما وعضويا، بنوع الطبقة التي واكبته اجتماعيا في اوربا العصر الحديث، ام ان"الآلة" منذ وجدت، صارت قابلة للاستعمال من قبل، وضمن شروط ليست بالحتم برجوازية راسمالية كلاسيكيه، بالضبط كما كانت الإنتاجية اليدوية،غير مقصورة على نمط مجتمعي متماثل بعينه على مستوى المعمورة، بنية وكينونة، كما حال نمطي، ارض مابين النهرين، وارض النيل،كمثال ابتدائي كلاسيكي، مع شساعة الاختلافات المتوقعه، بين نوع فعل كل من الوسيلتين ومآلاتهما، مع الاخذ بالاعتبار ما يفصل بينهما من تراكمات ومتغيرات نوعيه.
ـ يتبع ـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) بين عصرين/ أمريكا والعصر التكنتروني/ زيغنيوبريجنسكي/ ترجمه محجوب عمر/ دار الطليعه للطباعه والنشر ـ بيروت 1980م








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل تتدارك أوروبا التأخر في حملة اللقاح؟


.. روسيا ستحظر الملاحة في أجزاء من البحر الأسود وتواصل نشر قوات


.. الانتشار العسكري الروسي قرب أوكرانيا.. للضغط أو تمهيدا لشن ا




.. شجاعة سائق مصري أصبحت حديث الأمريكيين


.. روسيا تحشد أكثر من 150 ألف جندي قرب أوكرانيا.. طبول الحرب؟