الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المواطنة بجنوب شرق المغرب بين القيم الثقافية وحقوق الإنسان

لحسن ايت الفقيه
(Ait -elfakih Lahcen)

2021 / 2 / 24
حقوق الانسان


تعم هذه المقالة المتواضعة، «المواطنة بين القيم الثقافية وحقوق الإنسان بجنوب شرق المغرب»، ثلاثة عناصر: تحديد الإشكالية، والمواطنة والمجالية الثقافية وما يميز بينهما، وأوجه التوتر بين المواطنة والمجالية وهو عنصر أريد به الاستشهاد أو التفسير بالنموذج. والمقالة مداخلة موجهة في الندوة الوطنية في موضوع، «المواطنة وحقوق الإنسان بالمغرب» التي استقبلها رحاب الكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية يوم الخميس 25 من شهر فبراير من العام 2021، و26 منه. ويعد هذا الموضوع اقتباسا موجزا من مشروع كتاب بات قوسين أو أدنى من الانتهاء، سمته «حقوق الإنسان بجنوب شرق المغرب والعوائق السوسيوثقافية».
يذكر أنه بعد أشغال هيئة الإنصاف والمصالحة المغربية بستة مواضع كانت بالأمس معتقلات سرية، كرامة، «Gourrama» و«تزمامارت»، وقلعة مكونة، وقصبة «أيت الشعير» بسكورة، وقصبة «الحد» بأكدز، وموضع «تاكونيت»؛
وبعد الاستماع لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالجنوب الشرقي المغربي يوم 05 من شهر فبراير من العام 2005، وهو إجراء حصل بعد البحث الدقيق في مواقع الحدث بكل من السونتات، وبوزمو، وأملاكو، وكلميمة، و«تيزكي»، بالكاف المعطشة، بحوض تودغى؛
وبعد أمد غير بعيد من إعمال برنامج جبر الأضرار الجماعية الذي يعد وجها من أوجه العدالة الانتقالية التي انفردت بها التجربة المغربية، فوق أنه نشأ عقب ملامسة علاقة تخلف التنمية بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان؛
وعلى الرغم من دينامية المجتمع المدني التي صاحبت البرنامج وانخرطت في تنسيقيات ذات البرنامج التي حصل تشكيلها بأقاليم الجنوب الشرقي المغربي جميعها، لكون هذه الأقاليم جميعها كانت بالأمس بساطا للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وعمقت النقاش في المجالية في علاقتها بتخلف التنمية إبان الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، أو في علاقتها بإمكانيات التنمية. وانتقلت الدينامية ذاتها لملامسة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وسلك مسار النقاش وإثراء الفكر والحوار في مجال الديموقراطية وحقوق الإنسان. وبموازاة ذلك، وفي إطار الوعي بأبعاد المجالية الثقافية، ولدت جهة درعة تافيلالت ذاتها؛
ظلت القيم الثقافية بالجنوب الشرقي المغربي، رغم ما بُذل من جهد، تلتهم حقوق الإنسان. فأين يكمن الإشكال؟.
في البدء نسجل أن الإشكالية سمتها توتر القيم، قيم الحداثة وحقوق الإنسان من جهة وقيم الأنساق الثقافية المبثوثة في الأعراف، والتقاليد الشفاهية، ومجال التعود من جهة أخرى. ويجب التذكير، هنا، تأسيسا للمدخل أن حقوق الإنسان ثلة من القيم، مرتبة مصنفة، مجذذة ومفصلة في أبواب وفصول، ملزمة أحيانا كشأن المعاهدات والاتفاقيات والعهود، أو أريد لها أن تشكل مرجعا للاستئناس كدأب الإعلانات والمباديء. وبموازاة ذلك، نصادف قيما أخرى مبثوثة في الأعراف، مرتبة، وملزمة بقوة الجزاء، أو (النصاف) بلغة العرف تغشى مجالا ترابيا محددا، مجالا وظيفيا لجماعة معينة، يشمل المرعى والمزرعة والمحطب، والمجال المعمر بالدور والمجال المعمر بالقبور.
نحن أمام أنساق ثقافية تقليدية قائمة على مرجعية الدم والقرابة بين الإنسان والأرض، أنساق تؤسس للعرف، أريد لها أن تستمر في العصر الحالي تضايق نزول أنساق من القيم الحقوقية ذات مرجعية فلسفية طبيعية، مبوبة ومفصلة، ومبثوثة في مواد تؤسس للقوانين. نحن أمام القبيلة المستمرة في المجال والمؤسسة الحديثة التي غزت المجال. كلتا المؤسستين تتنافس على السيادة.
ورغم التنافر والتوتر بين النسقين نجد كلاهما قائم على ارتقاء القيم الثقافية كما هي مبوبة في النص العرفي، أو القيم الحقوقية الحديثة، كما هي مبوبة في اتفاقية دولية، أو في نص قانوني. وكلا النسقين مجرد، في الغالب، من المؤثرات الدينية، عدا بعض الاستثناءات في الأعراف الأمازيغية، كنحو المادة 35 من عرف «أيت يزدك» التي تجيز إرث المرأة الأرملة. وكلاهما وظيفي يخدم الإنسان، بما هو فرد، كما في النصوص الحقوقية، أو فرد وجماعة، كما في الأعراف الأمازيغية.
يلتقي النسقان الثقافيان في العلاقة بين الإنسان والأرض. فالانتماء إلى الأرض بالاستيطان، يضمن ثلة من الحقوق ويفرض مجموعة من الالتزامات. إلا أن العلاقة في المواطنة الحديثة تخص الفرد (الشخص)/ المواطن، وفي المجالية الثقافية الأمازيغية تخص الجماعة/ القبيلة. وتكمن الإشكالية، فضلا عن التوتر بين الأنساق ذات مرجعية ثقافية محضة، كنحو ثقافة الدم، والأنساق ذات مرجعية طبيعية حقوق الإنسان، أنه كلما واجهت الثقافة الطبيعة يميل الصراع، في حال التدخل السلبي للدولة، إلى نصرة الثقافي، في الغالب. وتكمن الإشكالية، فوق ذلك، في أن الجهة، التي باتت في التقطيع الإداري الأخير تحمل اسم جهة درعة تافيلالت، تعيش أجواء ما بعد العدالة الانتقالية، وهي جهة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان لاحتضانها خمسة معتقلات سرية، وأربعة مواضع كانت بالأمس ساحة للتوتر، كنحو أحداث سنة 1973، فوق أن إقليم تافيلالت جميعه احتضن تمرد القائد عدي وبيهي المعروف بعصيان تافيلالت، سنة 1958. والسؤال الذي يظل عالقا: كيف سنحقق الانتقال من مجالية ثقافية تقليدية إلى مواطنة تركن إلى الديموقراطية وحقوق الإنسان؟ كيف نكيف القيم التقليدية وقيم المواطنة؟ ما العمل لتنزيل القيم الحديثة؟ إن الجواب على السؤال مشروط بدينامية التحول، ووتيرتها بجنوب شرق المغرب. ولنكتفي بتشخيص واقع التعارض بين المواطنة والمجالية الثقافية، في العناصر التالية:
ـ المواطنة مفهوم ديناميكي متعدد الأبعاد مقابل مجالية ثقافية جامدة ستاتيكية غير قابلة للتجديد.
ـ تستصحب المواطنة الاستقلال، أو النزوع نحو الاستقلال، ببساط مجالية ثقافية مقيدة بأنساق ثقافية قديمة، تفرض التصرف المحدود، وفي مجال محدود مغلف ثقافيا.
ـ تميل المواطنة إلى تكريس المساواة بين جميع الأفراد داخل الدولة/ المجال. وتكرس المجالية الثقافية التفاوت حسب المساهمة في الدفاع الذاتي.
ـ تظل المواطنة إعمالها مظهرا من مظاهر حقوق الإنسان، وتظل المجالية الثقافية تركن إلى العرف التقليدي.
ـ لن تخال المواطنة غير أنها قيم تغشى الوطن كله، مقابل مجالية تغشى مجالا محددا.
ـ الوطنية، بما هي روح نضالية، يمكن أن يتشبع بها كل المواطنين بلباس سياسي حديث تنفر من التزامات تفرضها ثقافة الدفاع الذاتي، وفق اللباس الإثنوغرافي.
ـ لن تجد حجر الزاوية في البناء الديموقراطي بعيدا عن حقل المواطنة. وإذا دخلت المجالية الثقافية ستصادف ما يليق للبناء العشائري، والتمثيل العشائري.
ـ إن هذه تكرس هوية مواطنة، وهي مدخل لممارسة الحقوق والواجبات، وتلك لا تزال تكرس هوية ثقافية داخل مجال يغشاه اللباس الثقافي الإثنوغرافي المقيد بالطقوس.
ـ موضوع المواطنة أخيرا، وليس آخرا، مرتبط بالديموقراطية وحقوق الإنسان، في وقت ظل فيه موضوع المجالية الثقافية متصلا بالنظم التقليدية العرفية التي تركن لسلطة الشيخ والقائد.
إن التعارض بين المواطنة والمجالية الثقافية قائم، لكنه غامض ما لم يجر العمل، بالنموذج، على التوتر المثبط لإعمال الديموقراطية وحقوق الإنسان، كنحو الأرض والإرث وقيم الميز، والهوية المجالية، وزواج القاصرات، والعلاقات الجنسية خارج مؤسسة الزواج، والحق في الماء. وكلها مجالات للاستشهاد.
إنك لا تكسب انتماء سليما للمجال ما لم تقدر على المشاركة في الدفاع عن الأرض، بلباسك الإثنوغرافي. ولا يمكن للعراة المجردين من هذا اللباس أن ينخرطوا في معارك تحرير المجال والدفاع عنه. والمقصود بالمجال الثقافي الوظيفي، ذاك الذي يشمل المرعى والمزرعة والمحطب والشريط الزراعي والمجال المعمر بالدور، والمجال المعمر بالقبور. وفي كل مجالية ثقافية بالجنوب الشرقي المغربي تصادف مجاليات ثقافية ذات لباس إثنوغرافي، مجال قبيلة «أيت عطا» بالجنوب الشرقي المغربي، يشمل جبال الأطلس الصغير وجزءا كبيرا من واحات درعة وتافيلالت. وهو مجال قائم على أساس تحالف قبلي يدعى كونفدرالية «أيت عطا»، استطاع أن يجلب إليه قبائل أخرى بالولاء كالجهابلة، وبني امحمد. ويقابله مجال «أيت ياف المان» ولد ليضمن الدفاع عن مجال جبلي يمتد من أعالي ملوية إلى الانكسار الأطلسي الجنوبي ومن البحيرات إلى حمادة كير، وينثني إلى جزء من تافيلالت وغريس، ويشمل قبائل، «أيت مرغاد»، و«أيت حديدو»، و«أيت يحيى»، و«أيت يزدك» و«عرب الصباح»، وله قبائل أخرى بالولاء كقبيلة «أيت عيسى»، و«أيت سغروشن». وأما العراة إثنوغرافيا فهم الأقليات من أفريقيا جنوب الصحراء، واليهود، والذين أسلموا منهم، لأن اليهودية وجه من أوجه الخوف في الثقافة الأمازيغية، والقاتل، والوافد على المجال، «البراني» الذي حصل على الحماية والرعاية بناء على الجزور «تيغرسي». ومن العراة إثنوغرافيا ذووي النسب الطيني «الشرفاء»، وذووي النسب الروحي الذين اختاروا اعتناق طريقة صوفية معينة، كنحو شيوخ الزوايا ومقدميها.
فالمجالية الثقافية قائمة على التحالف الإثنوغرافي الوظيفي، والتحالف القائم على الدم، إذ لا صلة تربطك بالأرض حتى تفلح في تحريرها بالدم. ويستقيم التحالف، ويضمن تماسكه بالاتفاقيات القبلية التقليدية، كاتفاقية «تاضا»، و«تايسا»، و«تافركانت». وتقوم المجالية الثقافية، فضلا عن ذلك ،على ثقافة الدم. والدم عامل من عوامل القرابة، أن كانت بين الإنسان والإنسان، وهي قرابة عشائرية، أو كانت بين الإنسان والأرض. وما كانت القرابة بين الإنسان والأرض تطرح أي إشكال، لأنها قرابة دموية أيضا، وإنها هي التي تضمن تماسك العشيرة بأكملها، وتثبت نسبها إلى أب واحد، وأم واحدة. إنها قرابة دموية محضة. فلا حديث عن المجالية الثقافية حتى يجري التحكم في الأرض بالدم. ولا تصح طهارة الأرض بدون دم. هنالك تحوي المجالية الثقافية طبيعة التحالفات وتؤسس لعلاقة الإنسان بالعالم. وبرابط الدم يجري تغليف الأرض إثنوغرافيا، وكثرت نماذج للبيان بالجنوب الشرقي المغربي. وحسبنا أن المادة 80 من عرف بودنيب تفسر بوضوح المجالية الأمازيغية القائمة على الدم. فلا يحق لامرئ التصرف في المجال ما لم يساهم في الدفاع عنه بدمه. وكأني أمام هذا المشهد أستلهم نص التوراة الذي يفسر العهد بين الإنسان والإله أنه يتجسد في تقديم غرلته تعبيرا عن الوفاء بالعهد. لذلك برز الختان تقليدا سُنةَ.
ومن نماذج التحالف القبلي القائم على سقي الأرض بالدم ما هو مضمن في وثيقة التحالف بين سكان قصر بودنيب و«أيت خباش» في حدود سنة 1876 والذي رام تحقيق ثلاث غايات: إيجاد موطء قدم لقبيلة «أيت عطا» بواد كير، وإحداث درع بشري واق لقصر بودنيب، وتحصين مراعي الحمادات الشتوية. ولغاية إنشاء الدروع البشرية الواقية وُجد درع «أيت سدرات» بواحة مزكيطة بدرعة. وفي هذا الصدد قال الحبيب التمنوكالتي: «نزل أيت سدرات شرقيها وانساب بنويحيى على مستضعف أهلها جلبين عليهم كل عام بخيلهم ورجلهم». وحسبنا أن الدرع البشري «أفرا»، أي: السلم بالأمازيغية، وضع حدا لزحف أولاد يحيى.
وأما «تاضا» فهي أسلوب من أساليب التحالف، وتقضي سقي طعام الكسكس بحليب نساء الحليفين المتعاقدين. «تاضا» من «أضوض» أي: الرضاع بالأمازيغية. نقول: « أو تاضا»، أي: الحليف. وقد تعني «تاضا» السيادة، كما في نص الاتفاقية بين سكان قصر «كفاي»، على الضفة اليسرى لواد زيز، وقصر الزاوية الوكيلية المجاور له، بجماعة امزيزل إقليم ميدلت، والتي تعود إلى سنة 1912، في الغالب. إن كل الأنظمة القبلية تحتكم إلى نظام «تاضا»، ويسمى كل منخرط فيه «أو تاضا»، ويرسو بالدم، أو بالحليب كما سلفت إليه الإشارة.
وتحمل المجالية الثقافية تقاليد أكثر تحررا مما يمكن أن يضمن في الوطنية من الحريات كنحو العلاقات الجنسية خارج الأسرة، فهي ليست سلوكا محرما لدى المرأة المطلقة في بعض الأوساط الأمازيغية، غير أن مؤثرات الدين تبدو واضحة في بعض الأعراف، كأن يقدر الجنس الرضائي أنه زنا، كما في عرف بودنيب «adultère»، وينعت الاستغلال الجنسي أنه فاحشة. ويبدو أن هذا العرف المعدل يشكل استثناء. وفي المحيط المجاور، قصر «تلزمت» مثلا، يخلو العرف من هذه القيمة.
وإذا عرجنا إلى القيم العنصرية التي تحويها المجالية نجد التقاليد الشفاهية والأعراف مسجورة بالقيم العنصرية، وقد تشكل في الحال بيئة لائقة للاتجار في البشر. هنال نقرأ في العرف، «أما من باع الدار للقبلي نصافه مائة مثقال للبائع والشاري......»، تقول المادة 21 من عرف الكارة بواحة الرتب. والمقصود بالقبلي الإنسان القادم من أفريقيا جنوب الصحراء، أي بلاد القبلة. «وأما من أدخل دميا يعطي عشرين مثقالا ويخرج»، المادة 56 من العرف المذكور، والدمي يعني اليهودي. و«أما شهادة الحراطين فإنها غير جائزة في داخل البلد» المادة 120 من العرف المذكور، و«الحرطاني» كالقبلي، أي: القادم من أفريقيا جنوب الصحراء. و«أما من قتل الحرطاني نصافه عشرة مثاقيل للقبيلة ومنه لطاطته»، المادة 281 من العرف المذكور.
وفصلا عن القيم العنصرية لا تزال النساء في بعض الأوساط بالجنوب الشرقي المغربي لم تلجن الى الحق في الإرث.
تلك هي بعض القيم الثقافية المثبطة للمواطنة بالوجه الحقوقي إذ تقيد حرية الإنسان الشخصية وحرية تحكمه في المجال الذي يسكن فيه. إنها قيم المجالية الثقافية التي لا تزال تمثل ذلك الوجه التقليدي للمغرب، مغرب ما قبل الحماية الفرنسية. ولم تنجح التحولات التي صاحبت ظرف ما بعد العدالة الانتقالية بالجنوب الشرقي المغرب من التأثير عليها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تفاعلكم : السعودية تدشن جسرا جويا لإغاثة سوريا وتركيا وحملة


.. تغطية خاصة | جهود الإغاثة والإنقاذ بعد زلزال تركيا وسوريا (3




.. فرق الإغاثة تسابق الزمن مع استمرار ارتفاع حصيلة قتلى زلزال س


.. زلزال سوريا وتركيا | تحرك دولي لإغاثة المنكوبين في الشمال ال




.. تغطية خاصة | جهود الإغاثة والإنقاذ بعد زلزالي سوريا وتركيا (