الحوار المتمدن - موبايل


الاعتماد على مصدر وحيد في العراق يكشف ضعف الدولة

عادل عبد الزهرة شبيب

2021 / 2 / 26
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق


يتميز الاقتصاد العراقي بأنه اقتصاد ريعي استهلاكي استيرادي بامتياز يعتمد كليا على تصدير النفط الخام وعائدات بيعه في الاسواق العالمية والتي هي المصدر الرئيسي لاقتصاد البلاد. وقد ساهم الاقتصاد الريعي الوحيد الجانب تاريخيا في تدعيم تسلط السلطة وتعطيل المشاركة السياسية والتطور الديمقراطي للبلاد حيث تركز الانفاق العام على تأسيس وتحديث الاجهزة القمعية للدولة لتأمين استمرار النظام الحاكم والتصدي لأي قوى مناوئة يمكن أن تشكل تحديا قائما للنظام القائم , كما حصل مع قتل المتظاهرين السلميين.
ان الاعتماد على مصدر وحيد مثل النفط يكشف عن ضعف الدولة والتخطيط حيث ان اسعار النفط متقلبة بين الارتفاع والهبوط وهي غير مستقرة وتتأثر بالأسواق العالمية كما يجري الان حيث تعاني البلاد بسبب انخفاض اسعار النفط في الأسواق العالمية من ازمة اقتصادية حادة حتى انها عجزت عن دفع رواتب الموظفين مع الاعتماد على القروض لحل المشاكل المالية للبلاد . . ولم تفعل الحكومات المتعاقبة منذ التغيير في 2003 والى اليوم اي شيء لإيجاد مصادر اخرى للدخل القومي وتفعيل القطاعات الاقتصادية غير النفطية , اذ تم تهميش الصناعة والزراعة والسياحة والتعدين وغيرها من القطاعات الاقتصادية , فالزراعة في العراق تعاني التخلف وينظر اليها كقطاع ثانوي وتحول العراق من منتج الى مستورد لسلة غذائه من الدول المجاورة والدول الأخرى. اما الصناعة فهي ميتة ما عدا بعض الصناعات الاستهلاكية الصغيرة, ولم يكن هناك اي طموح للقوى المتنفذة الحاكمة بتحويل البلد الى بلد صناعي متقدم على الرغم من توفر مقومات الصناعة في العراق وذلك لانعدام الرؤى الاقتصادية والاستراتيجية ولتفشي الفساد الاداري والمالي والاقتصادي. اما بالنسبة لقطاع السياحة فالعراق بلد متعدد المواقع الأثرية والتاريخية الى جانب المواقع الدينية, ويحتاج هذا القطاع الى الدعم والارتقاء به بشقيه الديني والتاريخي وجعله مركز جذب للسائحين من مختلف انحاء العالم . فالاقتصاد العراقي يعد من الاقتصادات الهشة اذ يعاني من مشاكل كثيرة كالبطالة والفقر والعجز المالي والدين الخارجي الضخم وانخفاض اجمالي الاحتياطيات الرسمية وضعف البنى التحتية بسبب عدم اتباع السياسات السليمة التي تمنع او تحد من تلك المشاكل وهيمنة الدولة على النشاط الاقتصادي وريعية الاقتصاد العراقي .الى جانب تفشي الفساد الكبير الذي يعيق عملية التنمية الاقتصادية – الاجتماعية , فالدولة على الرغم من تبنيها لفلسفة جديدة في الدستور العراقي ضمن المادة (112 ) ثانيا (( تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة معا برسم السياسات الاستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز بما يحقق اعلى منفعة للشعب العراقي معتمدة احدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار)), الا انها ما زالت بعيدة عن تحقيق هذا الأمر حيث لا زالت تهيمن على النشاط الاقتصادي وما زالت تعتمد على النفط بشكل كبير جدا في تمويل النشاط الاقتصادي ولم تحسن ادارة النفط والاقتصاد ولم تنصف حقوق الشعب من النفط على الرغم من ان الدستور قد اشار ايضا ضمن المادة (112) اولا : (( تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة على ان توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع انحاء البلاد مع تحديد حصة لمدة محددة للأقاليم المتضررة والتي حرمت منها بصورة مجحفة من قبل النظام السابق والتي تضررت بعد ذلك بما يؤمن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد وينظم ذلك بقانون )). فهل تحقق ذلك؟؟؟
من المشاكل الاقتصادية المستفحلة والتي عجزت كل الحكومات المتعاقبة منذ 2003 والى اليوم عن حلها والتي ادت الى انتفاضة الجماهير الشعبية في مختلف المدن العراقية والتي عبرت عن معاناتها والتي واجهتها الحكومة الحالية ( خلافا للديمقراطية التي تدعيها وخلافا للدستور العراقي ) بالقمع والرصاص الحي وخراطيم المياه والغاز المسيل للدموع والهراوات وملاحقة واعتقال الناشطين المدنيين واغتيالات المحامين وغيرهم:
1) البطالة : استفحلت البطالة بشكل كبير جدا وبكافة اشكالها وشمولها لأصحاب الشهادات العليا وخريجي الكليات والمعاهد وغيرهم وقد اختلفت الاحصائيات بشأنها ولكنها تتراوح بين 25 – 40 % وهذه نسبة كبيرة جدا حيث ان المسموح بها اقتصاديا ينبغي ان لا تتجاوز الـ 5% , وقد وقفت كل الحكومات المتعاقبة بعد 2003 عاجزة امام هذه المشكلة المتفاقمة .
2) الفقر :حسب احصاءات وزارة التخطيط فإن حجم الفقر في العراق قد ازداد الى 30% عام 2016 بسبب انخفاض اسعار النفط واحتلال داعش الارهابي لمناطق عديدة من العراق والتي تم تحريرها ولكنها ما زالت تعاني. وعلى الرغم من غنى العراق بثرواته الطبيعية الا انه من اكثر البلدان فقرا بسبب سوء الادارة وتفشي الفساد بكافة اشكاله واعتماد نظام المحاصصة سيء الصيت .
3) عجز الموازنة العامة : حيث سجلت الموازنة عجزا كبيرا اذ بلغ 13,6 مليار دولار عام 2013 و22,6 مليار دولار عام 2016 وبلغ عام (2017) 21 مليار دولار و10,6 مليار دولار عام 2018 وفي موازنة 2021 يبلغ العجز اكثر من 73 ترليون دينار ويتم تغطية هذا العجز عن طريق الاقتراض الداخلي والخارجي , ويعتبر الدين الخارجي للعراق في حالة تراكمه يشكل خطرا على العراق .
4) الدين الخارجي الاجمالي : اذ ارتفعت نسبة الدين الخارجي للعراق بالنسبة الى الناتج المحلي الاجمالي وقد لجأ العراق في السنوات الأخيرة الى القروض الخارجية لمواجهة العجز في موازنته من خلال صندوق النقد الدولي والبنك الدولي واللذين يحاولان فرض شروطهما ووصفتهما الجاهزة التي ينبغي على العراق تطبيقها مقابل حصوله على القروض وهذا ما يربك اقتصاد البلاد ويجعله خاضعا لأجندات اجنبية تمس السيادة .
5) انخفاض اجمالي الاحتياطيات الرسمية : حيث اخذت بالانخفاض من ( 66,7 ) مليار دولار عام 2014 الى (42,4 ) مليار دولار عام 2016 وفقا لتقرير مناخ الاستثمار في الدول العربية لعام 2016 وهذا يشير الى وجود مشكلة في الاقتصاد تستنزف هذا الاحتياطي الذي ينبغي زيادته وليس نقصانه ليستخدم في الأوقات الحرجة .
6) انهيار البنى التحتية: ان وجود بنى تحتية قوية من طرق مواصلات ووسائل اتصال وطاقة كهربائية وتقنيات الانتاج وغيرها , يعد عاملا مهما لإمكانية تحقيق التطور الاقتصادي. وفي العراق وبسبب الظروف التي مر بها فقد انخفضت نسبة تخصيصات النفقات الاستثمارية من النفقات الحكومية الاجمالية للعراق والمعروف ان هذه النفقات هي التي تخصص لأغراض تطوير البنية التحتية للبلد . وتتميز موازنات العراق بارتفاع نسبة النفقات الاستهلاكية على النفقات الاستثمارية مما ينعكس سلبا على البنى التحتية .
7) الفساد المالي والاداري: والذي يعتبر من الآفات الكبيرة التي تعيق عملية التنمية الاقتصادية- الاجتماعية وتؤدي الى نخر الاقتصاد من الداخل وبالتالي انهياره السريع ., وقد احتل العراق حسب منظمة الشفافية الدولية المراتب الأولى من بين الدول الأكثر فسادا , ولم تتمكن كل الحكومات المتعاقبة من معالجة الفساد ووضع حد له بل بالعكس استفحل لينتشر في معظم مفاصل الدولة المدنية والعسكرية في ظل عجز الحكومة وعدم تمكنها من تنفيذ وعودها في مكافحة الفساد .. وكان موضوع مكافحة الفساد وتقديم كبار الفاسدين للمحاكمة احد مطالب الجماهير الشعبية .
8) التضخم : اي انخفاض القوة الشرائية للنقود او زيادة اسعار السلع والخدمات وهو في ارتفاع.
ان مشكلات الاقتصاد العراقي لم تكن وليدة اليوم بل انها ترجع الى تراكمات تمتد الى عقود من الزمن وساعد عل تعميقها هبوط اسعار النفط ونظام المحاصصة المقيت. ان مشكلات الاقتصاد العراقي هي مشكلات بنيوية كبيرة اسهمت في ايجاد هذا العجز الحاصل الان في الموازنة الاتحادية . ولابد من ايجاد السبل لتطوير الاقتصاد العراقي والانتقال به من اقتصاد مشوه الى اقتصاد متطور . وان حالة العجز في الموازنة لا تنفصل عن مشكلات النظام الاقتصادي في البلد التي تتمثل بالاعتماد على النفط كمورد احادي لموازنة الدولة واهمال القطاعات الاخرى كالزراعة والصناعة والسياحة التي تمثل موارد مهمة للبلد والتي يمكن ان تحول البلد الى جانب النفط الى بلد منتج ومصدر وليس مستهلك فقط لو احسن ادارتها . ومن الضروري في هذا المجال وضع الحلول الجذرية وليس الترقيعية كما يجري الان والحلول غير الواقعية التي يشوبها الفساد والتي عززت ملامح التمييز الطبقي بين المواطن والمسؤول الذي ضمن منافعه الاجتماعية وامتيازاته . ولابد من اعادة هيكلة القطاعات الاقتصادية الصناعية والزراعية والسياحية بشكل كامل بحيث تصبح ايراداتها موازية للإيرادات النفطية وعدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل القومي وان بناء اقتصاد لا يعتمد على النفط وحده سيضاعف ثروات البلاد .
ولغرض وضع حد لتدهور الاقتصاد العراقي والنهوض به فمن الضروري :
1) العمل على تطبيق ما جاء في الدستور بشكل جدي وحقيقي من خلال تحويل دور الدولة من الهيمنة في ادارة النشاط الاقتصادي الى مشاركة القطاع الخاص والدخول معه في استثمارات لتحفيز وتشجيع القطاع الخاص .
2) الخلاص من الصفة الاحادية للاقتصاد العراقي الريعي والعمل على تنويع مصادر الدخل القومي وتفعيل الصناعة والزراعة والسياحة والضرائب العادلة التصاعدية ولا بد من ادارة الايرادات النفطية بالشكل السليم الذي يضمن تحقيق التنويع الاقتصادي.
3) توفير الارادة السياسية الحازمة في تبني برامج الاصلاح والقادرة على تحقيق الكفاءة الاقتصادية وسيادة القانون.
4) توفير الخبرات والمهارات القادرة على القيام بعملية الاصلاح .
5) اصلاح الأطر التشريعية والقانونية لتنظيم عمل الأسواق المالية وتداول رأس المال والاسهم والسندات للمشاريع العامة والخاصة .
6) اعادة هيكلة الاقتصاد العراقي وافساح المجال امام القطاع الخاص للقيام بنشاطه وبالاشتراك مع القطاع العام.
وبهذا الصدد يرى الحزب الشيوعي العراقي حسب ما ورد ذلك في برنامجه :
((ضرورة تبني استراتيجية تنمية مستدامة واعتماد خطط تنموية متوسطة وقصيرة الأجل بالاشتراك مع حكومة الاقليم والحكومات المحلية تهدف الى توسيع وتنويع وتحديث قاعدة الاقتصاد وتنمية القدرات البشرية والاستخدام العقلاني والكفوء لموارد البلاد بما يحقق مستوى ونوعية حياة افضل لجميع المواطنين , مع وضع سياسة اقتصادية فعالة والقيام بالإصلاحات الضرورية لتأمين ما يقتضيه ذلك من تنسيق وتكامل بين السياسة المالية والسياسة النقدية وتطوير آليات وضع الموازنة العامة وتخطيط وتنفيذ البرامج الاستثمارية ومكافحة التضخم وتحفيز النمو .
كما يرى الحزب ايضا , ضرورة توظيف العوائد النفطية لأغراض الاستثمار والتنمية بالدرجة الأساسية وتأمين الرقابة والاشراف عليها من قبل المؤسسات التمثيلية للشعب ومكافحة البطالة وتنمية الموارد البشرية وتأكيد دور الطبقة العاملة وسائر الشغيلة واعادة اعمار الريف وتطوير قواه المنتجة والنهوض بالقطاع الزراعي والاهتمام بقطاع الدولة باعتباره قاعدة رئيسية للاقتصاد الوطني , والوقوف بوجه الدعوة الى اعتبار الخصخصة قادرة على حل مشكلات الاقتصاد مع تشجيع القطاع الخاص ومبادراته ومحاربة الفساد الاداري والمالي والاقتصادي ودعم الهيئات الرقابية المتخصصة واستقلاليتها , وتحديث وتوسيع النظام المصرفي بشقيه الحكومي والخاص ومكافحة عمليات غسيل الأموال وتوفير ضمانات العيش الكريم للمواطنين وحمايتهم من الفقر والعوز , واصلاح النظام الضريبي وتفعيله ومعالجة ازمة السكن وحفظ حقوق المتقاعدين وتأمين حياة لائقة لهم وتنفيذ قانون الخدمة المدنية العامة , واعادة بناء العلاقات الاقتصادية مع البلدان العربية والاقليمية ودول العالم الاخرى على اساس المصالح المشتركة.
ويؤكد الحزب على اهمية مقاومة ضغوط المؤسسات النقدية والمالية الدولية لفرض برنامج وشروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الرامية الى اعادة الهيكلة وتطبيق الاصلاحات الاقتصادية الليبرالية الاخرى وضمان عدم تدفق الرأسمال الأجنبي لأغراض المضاربة والتأكيد على الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تخلق طاقات انتاجية وفرص عمل تساهم في نقل خبرات ومعارف تكنولوجية وادارية. ويرى الحزب الشيوعي العراقي ايضا ضرورة ضمان دعم الدولة للمشاريع الصناعية ذات المكون التكنولوجي العالي والمتطلبات التمويلية الكبيرة الى جانب اعادة النظر في قوانين الزراعة والاصلاح الزراعي والنهوض بالقطاع الزراعي والسياحي وغيرها .
فما الذي ستفعله الورقة الحكومية البيضاء في هذا المجال ؟؟؟!!!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ليبيا..إخراج المرتزقة شرط ضروري لتوحيد المؤسسة العسكرية


.. توحيد المؤسسة العسكرية في ليبيا أبرز التحديات | #غرفة_الأخبا


.. بايدن: رفع طهران التخصيب إلى 60% لا يسهم بإنهاء الأزمة




.. الصين: تايوان وشينغيانغ من الشؤون الداخلية ولا ينبغي التدخل


.. سوريا..ترقب لردود الفعل الحكومية والمعارضة بشأن وثيقة الدستو