الحوار المتمدن - موبايل


لمحة عن الاقتصاد التركي المعاصر

نادر عازر
(Nader Azar)

2021 / 2 / 27
الادارة و الاقتصاد


مرَّ الاقتصاد التركي بتحولات عديدة منذ سبعينيات القرن الماضي، ودخل بفترة ركود وعانى من تضخم شديد، ثم أُدخلت إليه إصلاحات هيكلية، وأُطلقت عملة "الليرة التركية الجديدة"، ووُسِّع باب الاستثمار فانتعشت الصناعة والتجارة والسياحة، لكن فترات الاضطراب السياسي ومحاولة الانقلاب الفاشلة عام ٢٠١٦، والإجراءات القمعية الداخلية لحزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان، والانخراط في صراعات إقليمية، ومواصلة اعتماد البلاد الكبير على الاقتراض بالعملة الصعبة، أعادت جميعها الاضطراب للاقتصاد وتدهورت قيمة العملة، وبدأ المستثمرون بالهروب.
يعتبر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أن اقتصاد تركيا هو اقتصاد سوق ناشئ، وأن دخل المواطن فيها هو متوسط-مرتفع من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ويعادل ٦٤٪ من متوسط دخل مواطني ​​الاتحاد الأوروبي في عام ٢٠١٨.
كما يعرّف اقتصاديون وعلماء سياسة تركيا على أنها إحدى الدول الصناعية الجديدة في العالم.
وفيما تتركز ثروة البلاد في غربها وشمالها الغربي، يعاني الشرق والجنوب الشرقي من الفقر والبطالة وضعف الإنتاج الاقتصادي، أما مناطق وسط تركيا بدأت تصل إلى مستويات اقتصادية أعلى.
تركيا هي عضو مؤسس في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD عام ١٩٦١، ومنتدى مجموعة العشرين G20 عام ١٩٩٩ الذي يمثل ثلثي التجارة في العالم. ولدى تركيا اتفاقية جمركية مع الاتحاد الأوروبي منذ العام ١٩٩٥، استفادت منها في الاستثمار وزيادة الصادرات. كما لديها اتفاقيات تجارة حرة مع أكثر من عشرين دولة.
يعتمد اقتصاد تركيا إلى حد كبير على الصناعة وقطاع الخدمات بشكل متزايد، على الرغم من أن قطاع الزراعة التقليدي لا يزال يمثل حوالي ربع القوة العاملة.
من نقاط ضعف الاقتصاد التركي، الميل إلى الادخار المنخفض، والاقتراض الكبير للمصارف والشركات بالعملات الأجنبية، والاعتماد الكثيف على تدفقات الاستثمار الخارجي، مما يجعل الاقتصاد عرضة للأزمات، والعجز عن سداد القروض، وسهولة تزعزع ثقة المستثمرين.
بعد أن عانت تركيا من أزمة مالية حادة عام ٢٠٠١، تبنّت إصلاحات مالية واقتصادية كجزء من برنامج صندوق النقد الدولي، وبدأ النمو الاقتصادي منذ عام ٢٠٠٣، وأطلقت عام ٢٠٠٥ عملتها "الليرة التركية الجديدة"، لتستبدل القديمة التي فقدت الكثير من قيمتها بين سبعينيات وتسعينيات القرن الماضي، وعانى خلالها الاقتصاد من تضخم كبير، فأصبحت الليرة الجديدة الواحدة تساوي مليون ليرة قديمة، وأزيلت بالتالي ستة أصفار منها.
دخلت بعدها تركيا في حقبة من النمو القوي، بلغ متوسطه أكثر من ٦٪ سنوياً حتى عام ٢٠٠٨ الذي شهد أزمة مالية عالمية، لكن التنظيم الجيد لسوق المال والنظام المصرفي، ساهم في مواجهة الأزمة وانتعش نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى حوالي ٩٪ في عامي ٢٠١٠ و ٢٠١١، كما تعافت الصادرات والاستثمارات.
لكن الاضطرابات السياسية في الأعوام الأخيرة، جراء محاولة الانقلاب الفاشلة عام ٢٠١٦، وحملات الاعتقالات والقمع المتتالية للمعارضة، واضطهاد وسائل الإعلام والصحفيين، والتوترات مع معظم دول الجوار، أثّرت في النمو الاقتصادي، وأدت إلى تدهور قيمة العملة أمام الدولار الأمريكي، بعد أن قوّضت ثقة القطاع الخاص بالنظام القضائي وسيادة القانون، ونشرت مخاوف أمنية، حيث استخدمت مؤسسات الدولة والاقتصاد لاستهداف المعارضين السياسيين، وازداد استبداد حزب العدالة والتنمية الحاكم.
في عامي ٢٠١٦ و ٢٠١٧ لوحدهما، غادر تركيا أكثر من عشرة آلاف مستثمر ممن يمتلكون أصولاً صافية تزيد عن مليون دولار.
ومنذ العام ٢٠١٦ تقوم وكالات التصنيف الائتماني العالمية بخفض تصنيف ديون تركيا السيادية إلى مرتبة عالية المخاطر، وعلى أنها منطقة غير مرغوب بها، مشيرة إلى القلق المتزايد بشأن توقعات التضخم وسط عمليات بيع الليرة التركية.
ركزت سياسات أردوغان عبر سنوات حكمه على تغذية قطاع البناء، وتسهيل الإقراض والإنفاق الحكومي، حيث ينشط العديد من حلفائه التجاريين، ما تسبب بطفرة وجود منازل غير مباعة وصل عددها للمليونين عام ٢٠١٨، وهو تراكم بقيمة ثلاثة أضعاف بما يحصل سنوياً.
كما تسببت السياسات المالية الحكومية عام ٢٠١٨ بأزمة ديون بالعملات الاجنبية، وانخفاض في قيمة العملة التركية، وارتفع التضخم وتكاليف الاقتراض والتخلف عن سداد القروض، ما أدى إلى توقف مسيرة النمو.
وفي ١٠ آب/أغسطس ٢٠١٨، وبسبب تغريدة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على موقع تويتر حول مضاعفة الرسوم الجمركية على الفولاذ والألمنيوم التركي، ضعفت العملة ١٧٪ أمام الدولار، ثم فقدت ما يقرب من ثلاثين في المائة من قيمتها في ذلك العام، ودخلت تركيا في حالة ركود.
بحسب تصنيفي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي للعام ٢٠١٩، فإن تركيا تحتل المرتبة التاسعة عشر من حيث الناتج المحلي الإجمالي وعدد سكانها ثلاثة وثمانين مليون نسمة، ويأتي قبلها السعودية التي عدد سكانها أربع وثلاثين مليوناً، وبعدها سويسرا بثمانية ملايين نسمة.
وبحسب تقديرات العام ٢٠١٧، فإن القوى العاملة في تركيا يزيد عددها عن ٣١ مليون، وهذا لا يشمل اللاجئين ولا حوالي ١,٢ مليون تركي يعملون في الخارج.
ويعمل أكثر من نصف القوى العاملة في تركيا في القطاع الخدمي، وربعها في القطاع الصناعي، أما الباقي يعمل في الزراعة والقطاعات الأخرى.
بلغ معدل البطالة ١٣,٧ في المائة عام ٢٠١٩، بعد أن كان ١٠,٣ في المائة عام ٢٠١٥.
بلغت نسبة المواطنين تحت خط الفقر ٢١,٩ بالمائة عام ٢٠١٥.
احتياطيات النقد الأجنبي انخفضت إلى ٧٨,٦ مليار دولار عام ٢٠١٩، بعد أن كانت ٩٢,٩ مليار عام ٢٠١٥.
بلغ الدَّين الخارجي عام ٢٠١٧ أكثر من ٤٥٢ مليار دولار، أي ٥٣ في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ليرتفع الدَّين إلى ٥٨ في المائة منه عام ٢٠١٩.
وجاء نمو الناتج المحلي الإجمالي على الشكل التالي:
٧,٤٪ (تقديرات عام ٢٠١٧)
٣,٢٪ (تقديرات عام ٢٠١٦)
٦,١٪ (تقديرات عام ٢٠١٥)
أما مساهمة القطاعات الرئيسية في الناتج المحلي الإجمالي وفقاً لتقديرات العام ٢٠١٧ كانت:
الخدمات: ٦٠,٧٪.
الصناعة: ٣٢,٣٪.
الزراعة: ٦,٨٪.
تاريخياً، كان مزارعو تركيا مجزأون إلى حد ما، ووفقاً لإحصاءات العام ١٩٩٠، فإن ٨٥٪ من الأراضي الزراعية كانت أقل من ١٠ هكتارات، و ٥٧٪ منها مجزأة إلى قطع زراعية غير متجاورة.
لكن خلال العقود الأخيرة، نفذت مشاريع عديدة من سدود ومحطات طاقة وري، واعتباراً من العام ٢٠١٦، أصبحت تركيا أكبر منتج في العالم للبندق والكرز والتين والمشمش والرمان، وثاني أكبر منتج للسفرجل والبطيخ، وثالث أكبر منتج للخيار والفليفلة الخضراء والعدس والفستق، ورابع أكبر منتج للتفاح والطماطم والباذنجان والزيتون، وخامس أكبر منتج للشاي والحمّص وقطع السكر، وسادس أكبر منتج للوز والبصل، وسابع أكبر منتج للحمضيات والقطن، وثامن أكبر منتج للشعير. كما لديها إنتاج مميز من التبغ والحبوب والبقوليات.
رغم الإنتاج الزراعي الكبير إلا أن حصة الزراعة في الناتج الإجمالي المحلي بدأت بالتقلص منذ عام ١٩٨٠، وتأثرت بالتغير المناخي في تركيا، مقابل توسّع قطاعي الصناعة والخدمات.
أظهرت الثروة الحيوانية، تحسناً في الإنتاجية، وساهمت منتجات المواشي، بما في ذلك اللحوم والحليب والصوف والبيض، إلى جانب صيد الأسماك، في أكثر من ثلث قيمة الإنتاج الزراعي.
تعتبر السياحة واحدة من أكثر القطاعات ديناميكية والأسرع نمواً في تركيا، ويوجد فيها فنادق من الأفضل في العالم، وعلى مر السنين برزت تركيا كوجهة سياحية مرغوبة للعديد من الأوروبيين، متنافسة مع اليونان وإيطاليا وإسبانيا.
جذبت تركيا عددا قياسياً من الزوار بلغ ٥١,٩ مليون شخص عام ٢٠١٩، بزيادة قدرها ١٣,٧٪ عن العام السابق، وكان ٨٦٪ منهم سياح أجانب والباقي مواطنون مقيمين في الخارج. وكانت إسطنبول وجهة ثلث الزوار، تليها أنطاليا ومقاطعة أدرنة في الشمال الغربي. وشكّل الروس ١٥,٦٪ من السياح، أي حوالي ٧ ملايين شخص، تليها ألمانيا ١١,٢٪، وبلغاريا ٦٪، وبلغت عائدات السياحة ٣٤,٥ مليار دولار، لكن وبسبب أزمة كورونا فإن عدد السياح انخفض بنسبة ٨٦٪ عام ٢٠٢٠.
تعتبر تركيا دولة منتجة للنفط والغاز الطبيعي، لكن مستوى الإنتاج لا يكفي حاجتها الداخلية، ما يضطرها للاستيراد بشكل كبير، والعمل على توسيع الاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة النووية السلمية. يمر عبرها أنابيب نفط وغاز من أذربيجان وروسيا وإيران، كما اكتشفت تركيا حقلاً كبيراً للغاز في البحر الأسود عام ٢٠٢٠.
لدى تركيا بنية تحتية جيدة من مطارات وطرق برية وسكك حديد ومرافئ، وهناك استثمارات أجنبية عديدة لصانعي السيارات وقطع الغيار، وتتركز في منطقة مرمرة، وتشمل شركات تويوتا ورينو وهيونداي وفيات وهوندا وفورد، كما توجد شركات تركية خالصة للحافلات والشاحنات مثل تيمسا وأوتوكار وبي إم سي.
أنتجت تركيا عام ٢٠١٥ أكثر من ١,٣ مليون سيارة، لتحتل المرتبة الرابعة عشر في العالم.
تشمل الصناعات العسكرية التركية دبابات وفرقاطات ومدافع وصواريخ متنوعة وطائرات هليكوبتر، كما أطلقت أقماراً صناعية عسكرية واستخباراتية مبنية محلياً، وتعمل على تطوير طائرات. عام ٢٠٠٢، أصبحت شريكاً في برنامج تطوير طائرة F-35 الأمريكية لكن واشنطن أنهت شراكتها في المشروع عام ٢٠١٩. بلغت صادرات تركيا من السلاح ٢,٧ مليار دولار عام ٢٠١٩.
عملت الحكومات التركية المتعاقبة على تطوير العلوم والتكنولوجيا والصناعة وجذب الاستثمار، وازدادت أهمية صناعة السلاح والسيارات والبتروكيماويات والإلكترونيات، وتجاوزت المنسوجات والملابس في مزيج الصادرات التركي التي تشمل أجهزة التلفاز والأدوات المنزلية والكهربائية، ومواد البناء والخشب والورق، إلى جانب الخضروات والفواكه والمواد الغذائية ومعدات النقل، وأكثر من ٦٠ نوعاً من المعادن المختلفة تشمل خام الحديد والنحاس والكروم واليورانيوم والزئبق والذهب، إضافة إلى الرخام وأملاح البورون والفحم.
بلغ مجموع الصادرات التركية ١٨٢ مليار دولار عام ٢٠١٩، بعد أن كان ١٥٥ مليار عام ٢٠١٥.
وفي العام ٢٠١٨، توجّهت نصف الصادرات التركية إلى الاتحاد الأوروبي، وخاصة ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا، كما كانت ٦٪ من الصادرات إلى الإمارات العربية المتحدة، و ٥,٨٪ إلى العراق، و ٥,٥٪ إلى الولايات المتحدة، وأقل من ذلك إلى روسيا والصين.
بلغت الواردات إلى تركيا ١٩٩ مليار دولار عام ٢٠١٩، مقابل ٢٠٤ مليار دولار عام ٢٠١٥، وشملت آلات متنوعة ومنتجات بتروكيماوية وسلع نصف مصنعة، ووقود ومعدات نقل، وتعتبر أكثر الدول المورّدة بالترتيب: الصين بنسبة ١٠٪، وألمانيا ٩,١٪، وروسيا ٨,٤٪، والولايات المتحدة ٥,١٪، وإيطاليا ٤,٨٪.
في العام الجاري ٢٠٢٠، فقدت العملة التركية ٢٥٪ من قيمتها، لأسباب عديدة، أهمها المخاوف من تبدد احتياطيات البنك المركزي من النقد الأجنبي، والتدخلات المُكلفة في سوق العملة، واستمرار فرار المستثمرين، والمخاوف من عقوبات أمريكية محتملة، وانخراط تركيا في صراعات إقليمية في ليبيا وسوريا وأذربيجان، ومع اليونان وقبرص ومصر والعراق، واضطراب العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، والسجال مع الولايات المتحدة بخصوص منظومة الدفاع الجوي الروسية إس ٤٠٠، ما ينذر بأزمات إما قد تكون وشيكة أو تظهر نتائجها في موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية التركية عام ٢٠٢٣.
المراجع:
البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، موقع فوكوس إيكونوميكس، موقع كتاب حقائق العالم، موقع صحيفة حرييت التركية ودايلي صباح.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. #عاجل | مدبولي: اتفقنا على إعادة العلاقات السياسية والاجتماع


.. معبر -روصو- شريان اقتصادي مهم بين موريتانيا والسنغال


.. تذبذب أسعار النفط وتراجع الإيرادات يؤثران على الاقتصاد العر




.. محمد معيط: مصر ثاني دولة بالشرق الأوسط تنضم لمؤشر جي بي مورغ


.. الرئيس التنفيذي لشركة -CFI DUBAI- :الدولار يستسلم أمام العمل