الحوار المتمدن - موبايل


كوردستان العراق، العقدة التأريخية الواجب فكها. (في الذكرى العاشرة ل -حركة ١٧ شباط ٢٠١١)

نادر عبدالحميد
(Nadir- Abdul-hameed)

2021 / 2 / 28
مواضيع وابحاث سياسية


1- تمهيد
مر عقد من الزمن علی موجة المظاهرات التي إنطلقت من مدينة السليمانية وعمّت معظم مدن وبلدات المحافظة والواقعة تحت حکم وميليشيات (الإتحاد الوطني الكوردستاني)، واشتهرت بـ"حركة ١٧ شباط ٢٠١١" والتي دامت شهرين واخمدت في (٢٠٤٢٠١١) بقوة السلاح والعنف وقتل العشرات من المتظاهرين.
علی الرغم من إن هذه الحركة إنبثقت علی ارضية محلية واقعية إحتجاجا علی إنعدام الخدمات ونهب الثروات من قبل السلطة الفاسدة في الإقليم، وكذلك ضد التحجيم المستمر للحريات وتزايد القمع وقتل الصحفيين وإغتيال السياسيين، إلا إن تأثير ثورتي تونس ومصر عليها کان جليا.
لقد غمر قلوب الجماهير في تلك اللحظة بفرح جراء التأثر بالثورتين، وولدت قناعة لديها بأن أيام حكام الإقليم باتت معدودة وينتظرهم مصير كمصير (زين العابدين) و(حسني مبارك). حين أدركت الأحزاب الحاكمة نوايا الشعب هذه، لم تترددوا في ممارسة أعمال القمع والقتل وزج المتظاهرين والمعترضين في الزنزانات.
2- تغييرات هيكلية في التركيبة الإجتماعية للطبقات
عادة يتم بحث التجارب المستوحاة من ذاكرة كل حركة وانتفاضة وثورة ومنها "حركة ١٧ شباط ٢٠١١"، ما يجب علينا ان نأخذه بنظر الإعتبار بالنسبة لهذه الحركة، هي إن الواقع الإجتماعي-السياسي لكوردستان اليوم قد تخطى هذە الحركة.
فقراءة الواقع الحالي للإقليم من وجهة نظر المادية التاريخية تبين بوضوح بأن هذا الواقع قد تغير بشكل ملحوظ من حيث الوضع الإقتصادي-الإجتماعي والسياسي مقارنة بما كان عليه قبل عشر سنوات، وهو ما ادی إلی محو الأرضية الإجتماعية التي نشأت عليها هذه الحركة وانطلقت منها وذلك بسبب تطور الرأسمالية وتراكم رأس المال في الإقليم.
فقد تزايدت الآن اعداد الشبيبة المتعلمة والعاطلة عن العمل بشكل كبير، وذلك نتيجة لتخرج حوالي ثلاثين (٣٠) الفا من طلبة الجامعات والمعاهد كل سنة في الإقليم، الذين ليس بإمكانهم العثور علی فرص العمل بسبب إتباع الإستراتيجية النيو-ليبرالية وسياسة الخصخصة الإقتصادية من قبل حكومة الإقليم، حيث سدت ابواب التوظيف والتشغيل المركزي بوجههم، مما ادی إلی سقوط هذه الشرائح الواسعة والمتزايدة الی صفوف بروليتاريا كوردستان، في حين إنها لم تكن في هذا الوضع البائس قبل عشر سنوات، بل كانت تتمتع بمكانة توفر لها فرصة الإلتحاق بحاشية الطبقة المتوسطة والبرجوازية ولم تتوقع الوقوع في هاوية المجتمع.
هذا وإن جزءا كبيرا من البرجوازية الصغيرة من التجار والكسبة والملاكين الصغار قد سقطوا في صفوف الطبقة العاملة وذلك نتيجة الأزمة الإقتصادية في الإقليم، في حين کانوا يحققون أرباحًا في فترة الإزدهار (٢٠٠٣٢٠١٠) نتيجة تطوير حرفهم وأعمالهم التجارية ويسعون جاهدين لتسلق السلم الاجتماعي للانضمام إلى البورجوازية الثرية.
هكذا طرأت تغييرات هيكلية في التركيبة الإجتماعية للطبقات، إذ تقلصت حجم الطبقة الوسطى والبرجوازية الصغيرة وتوسعت قاعدة الطبقة العاملة علی حسابهم، بحيث تشكل الآن الأكثرية العظمى من سكنة الإقليم وتم تجريدهم من وسائل الإنتاج (وهي النقطة الجوهرية في تعريف الطبقة العاملة) وينتظرون توفير فرص العمل من قبل الرأسمال كي يتسنى لهم أن يعيشوا بشكل متواضع. من هنا تبين بأن القاعدة الاجتماعية للحركات الإحتجاجية قد تغيرت بطريقة تعبر بشكل أوضح عن إعتراض شرائح متعددة من البروليتاريا في كوردستان بوجه السلطة البرجوازية المحلية.
ليس بمقدور الرأسمال ولا من مصلحته ان يوفر حياة متواضعة لكل هذه الحشود من جمهرة الطبقة العاملة حتی لو لم تكن الأزمة الإقتصادية ومرض كورونا موجودين. نری الآن بشكل واضح بأن الرأسمالية وسلطة البرجوازية القومية الكوردية تقف في الطرف المضاد مع توفر حياة متواضعة لأكثرية ساكني الإقليم، وهذا يعني، من الناحية الموضوعية، بأن الأرضية المادية متوفرة لإلغاء هذا النظام الإقتصادي والسياسي الإجتماعي الذي يناقض حياة الأكثرية في الإقليم، وأن إرساء نظام إقتصادي وسياسي إجتماعي جديد مكانه بات ضرورة موضوعية ملحة.
خلال السنوات الثلاثين الماضية من حكم الأحزاب القومية الكردية، وقعت كافة مفاصل اقتصاد الإقليم في يد أقلية من الرأسماليين من اصحاب الشركات والدولارات بالملايين والمليارات. لب هذه الأقلية يتكون من المسؤولين الحكوميين وذوي المراتب العليا في البرلمان وقيادات الأحزاب القومية والاسلامية وحتى المعارضة، وتكونت بالأخص شريحة، داخل هذە الطبقة الرأسمالية، من المحتكرين الذين يمثلون الرأسمال الاحتكاري في الإقليم من العائلتين الحاكمتين والمسؤولين ذوي المراتب العليا لحزبي السلطة الحاكمة (حزب البارزاني وحزب الطالباني) وميليشياتهما.
هكذا انقسم المجتمع في كردستان إلى قطبين متضادين، اقلية ميسورة، تحتكر وسائل الإنتاج والثروة، لديها ميليشيات وآلة إعلامية ضخمة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تقف الغالبية التي فُرضت عليهم البطالة والفقر والحرمان من الحقوق، وهم يتعرضون للقمع عند قيامهم بالاحتجاج على هذا الواقع البائس المفروض عليهم.
لم تتمتع أية من حركتي سردشت عثمان في (٢٠١٠) وحركة السابع عشر من شباط (٢٠١١) بالقاعدة الاجتماعية العمالية الواسعة علی غرار الحركات الإحتجاجية الاجتماعية الراهنة، فإلى جانب اعتراضات الكادحين على انعدام الخدمات وتفشي الفساد، كانت هناك أيضًا اعتراضات واسعة للمثقفين الليبراليين والقوميين الإصلاحيين، حيث يطالبون بحكومة القانون ودولة المؤسسات ومدى أوسع لحرية الرأي والصحافة، وكانت هذە الفئات وإعتراضاتها جزءً مكوّنا من هذين الحركتين، وقد تمكنوا من قولبة آفاق وأهداف الحركتين، وتهيئة المناخ لسيطرة الأحزاب القومية والاسلامية المعارضة لهما.
ما نراه اليوم على وجه الخصوص بعد موجة مظاهرات أكتوبر (٢٠١٥) في الإقليم، هو ان المثقفين الليبراليين والأحزاب المعارضة والشبه معارضة من القوميين والإسلاميين لا يستطيعون التحكم بآفاق وأهداف هذه الحركات الاعتراضية ولا على ركوب الموجة بسهولة كما كان الوضع قبل عشرة أعوام. لا يعود السبب هنا الی اكتساب الخبرة السياسية لدی الجماهير في ممارسة تجربتها معهم، رغم ان هذا هو احد الاسباب، بل لان القاعدة الاجتماعية لهذه الحركات الاعتراضية تجعل هذه التيارات الفكرية-السياسية والحزبية البرجوازية غريبة عنها. ولكن ما لم تسيطر الآفاق والأهداف الاشتراكية داخل هذه الحركات الاعتراضية، سيكون هناك دائما مجال لآفاق وأهداف البرجوازية القومية والليبرالية أو الفاشية والرجعية الإسلامية لبسط سيطرتها بشكل أو بآخر ومن خلال قنوات جديدة.
3- احدى الاحتمالات الموضوعية الواردة
إن هذە الحركات الإحتجاجية تنبثق وتتكرر في الإقليم في فترات زمنية معينة وتتمحور حول مطالب اقتصادية واجتماعية، وتواجه سلطة حاكمة لا تبخل في استعمال القوة لقمعها وإجهاضها، لأنها لا تملك القدرة حتى علی القيام بإصلاحات هزيلة ومحدودة كمساومة مع الجماهير لإخماد نار غضبها. لذا فان احدى الاحتمالات الموضوعية الواردة هي تطور هذه الحركات الإحتجاجية وارتقائها الى مستوى اعلى من الصراع ضد السلطة، إلی مستوى تحدي النظام القائم بأكمله وكل اركان وجوده. إن تجسيد هذا الإحتمال يعتمد علی أفق سياسي ثوري شيوعي يعمل هادفاً داخل هذه الحركات.
4- العقدة التي يجب فكها
إن بسط سيطرة الأفق السياسي الشيوعي على الحركات الاحتجاجية لا يأتي فقط من كوننا شيوعيين نرغب في ذلك، بل لأن نمو هذه الحركات وتطورها إلى مستوى يمكنها فيه هدم ركائز الاستبداد القومي البرجوازي في كوردستان وتحقيق مطالب الجماهير وتوفير الحرية والازدهار يقتضي ذلك، ويتطلب كذلك جمع مجمل الحركات الاعتراضية ولمختلف الشرائح الاجتماعية للعمال والكادحين والشبيبة العاطلة عن العمل والفئات المهمشة والمحرومة والمفقرة في إطار حركة اشتراكية متراصة موحدة، وجعلها جزءا حيا من الحركة الإشتراكية للعمال والكادحين على صعيد العراق.
تلك هي العقدة التأريخية الحاسمة التي يجب على الشيوعيين القيام بأمر حسمها في كوردستان العراق.
١٢٢٢٠٢١








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المغرب.. فرض رسوم جمركية لمدة 5 سنوات على منتجات تركية


.. فرنسا..جمعيات خيرية تواصل نشاطها الخيري الرمضاني خلال العيد


.. الجراحة الروبوتية.. كيف نجح الروبوت دافنشي بأصعب العمليات؟




.. -النقصة-.. تقليد كويتي في مواسم رمضان والأعياد


.. قصف مكثف للمدفعية الإسرائيلية على عدة مواقع في قطاع غزة