الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مقطع من يومياتي بعد موتي! الجزء الثالث

محمد عبد المجيد
صحفي/كاتب

(Mohammad Abdelmaguid)

2021 / 3 / 4
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم


هذا المقال لن يُفْهَم بدون قراءة الجزء الأول والجزء الثاني!

لم أعرف متى ينتهي اليوم أو يبدأ اليوم التالي، فلا شمس ولا قمر ولا نجوم في السماء، والأرض على مبعدة ملايين من السنوات الضوئية وكل شيء مُعَدّ إعدادًا متكاملا ليناسب موقع الانتظار لمليارات من البشر ينتظرون هنا حتى يأذن الله بيوم القيامة.
منذ وصولي لم أشاهد أحدا جالسا، فأنت إما أن تمشي أو تطير، والجلوس لمن أصابهم تعب أو نَصَبٌ أو ارهاق.
لمحته أخيرًا وكان جالســًا، ساهمــًا، واجمــًا لا تبدو عليه سعادة أو تعاسة؛ ولكن استعجال يوم البعث حيث يُقَدّم حسابه النهائي لخالقه جعل منه حالة لا توصَف من كل جوانبها.
اقتربتُ منه على حذر وأظن أنه عاش حياة ملؤها العبث واللهو والسطوة والجنس والمال في القرن الثامن عشر بإحدى القرى الواقعة على المحيط الهندي.
قلت له: أراك حاملا ثِقَل جبلٍ لا يرى واديه سفْحَه؛ فماذا كنتَ تفعل في حياتِك الدنيا؟
قال بلغةٍ لم أعرفها لكنني فهمتها كعربيتي: عشتُ حياتي أنفث كراهية لبني آدم، واختارني حاكمُ قريتنا لأفصل بين الناس بالباطل، وأضع نهايةً لكل حياة أرادها صاحبها تعبيرا عن الكرامة، وأردتها أنا خنوعــًا من أجل سيدي الحاكم.
ثم أكمل: كنت أتلذذ بتعذيب الأبرياء، وأستمتع بآلامهم، وأنتشي بأوجاعهم! كنت مخلوقا من بغضاء، ومعجونا باحتقار الناس، فلما اختارني الحاكمُ لأفصل بالباطل بينهم، وجدتها فرصة للانتقام.
أبدىَ دهشته لتعبيرات وجهي المستنكـِرة لما فعله على الأرض، فكأنني استثرت كوامنَ الغضب في نفسه، رغم أننا في موقع الانتظار لا نغضب إلا لِمامــًا، فقال لي: لماذا تتعجب وأنت قادم من العالم العربي الواقع بين سجن وسجن، والذي إذا صرخ فيه مُعَذَبٌ سمعتْ جدرانُ كل السجون والمعتقلات أنينــَه؟
ثم بدأ يتحدث عن عالمي بدلا من تكملة حكاياته عن قريته الظالم حُكّامها!
أنتم أكثر ظلما من الدنيا برمتها، وإذا حكمتم.. ظلمتم، وإذا حُكِمْتم.. صمتم، وخرستم، واختبأتم!
سجونكم ومعتقلاتكم يتوارثها حُكــّامٌ عن حُكّامٍ، أبناءٌ عن آباءٍ، عسكرٌ عن ضباط، رعيةٌ عن أسياد.
ثم كاد يتهكم وهو يقول بحسرة: نزلتْ أديان سماوية ثلاثة في منطقتكم، وكان يمكن أن تصنع منكم ملائكةً يمشون في الأرض مطمئنين، فطردتم الملائكة واستبدلتم بهم شياطين في أكثر مؤسسات عالمكم.
تعجنون ألسنتكم بكل الكتب المقدسة، وتذكرون اسمَ اللهِ صبحــًا ومساء، وتزعمون الفضيلة في كل مجلس وحوار ونقاش، وتتحدثون عن تعاليم السماء وأنتم ملتصقون بطين الأرض!
طلبتُ منه أن يصمت قليلا فأنا أريد أن أسمعه وهو يقرع ضميره فإذا به يُلهب ظهري بعالمي العربي وشعوبه وحُكّامه ومزايداته الدينية.
سألته حتى أُغطي على خجلي: ماذا تتوقع أن يفعل بك اللهُ عندما تقوم الساعة؟
ردّ بصراحة منقطعة النظير: لا أعرف إنْ كنتُ أنا مؤمنا أم لا، فاللهُ تركني سنواتٍ طويلةً .. بل كل حياتي أظلم خَلــْـقَه، وفي النهاية انتهت حياتي على فراش أبيض في مستشفى أمريكي تم نقلي إليه تسبقني كرامة لم يعرف المعذَبون بين يدي مشهدا صغيرا فيها.
قلت: ألم يكن من الممكن الاستغفار قبل موتك؟
قال: عن أي استغفار تتحدث؟ من خلال أديانكم الثلاثة وتاريخ القرون السابقة تشهد أن استغفارَكم كان دائما مُقَدّمة لمزيد من الظلم؟
لقد انتظرت أن يهديني إلـَـهي أو حتى إلـَهُكم إلى الصراط المستقيم، وهذا ما سأستفسر عنه عندما أقف أمام اللهِ، مع افتراض أنه سيجمعنا يوم القيامة ليحاسبنا!
هدأت من روعه، وابتسمتُ وأنا أسأله إنْ كانت ستتاح له فرصة الحوار مع الله!
بدا أنني جرحته؛ فانتفض قائلا: هل يقبل اللهُ الحوارَ مع إبليس ويرفضه إنْ كان معي؟
شعرت بالخجل من سخريتي، فمهما كانت جرائمه وتجاوزاته وكُفْرُه العلني فليس من حقي أن أبث اليأس في نفسه للحديث إلى الله.
كان في حاجة شديدة للصراخ وإخراج ما تعتمل به نفسه فقد حوَّلتها حياتُه إلى أخاديد متعرجةٍ تَمُر على القلب والنفس والروح والجسد.
كان الوقت قد أزف لأتركه في حاله وأتمنى له، رغم كل شروره في الحياة الدنيا، أنْ يشرح قضيته أمام رب العزة ؛ فربما يجد اللهُ فيه من الخير ما لم تعرفه قلوب كثير من المؤمنين.
وقعت عيناي على امرأة أظن أن مَلــَـكَ الموت لم يستطع أن يقبض روحها عدة مرات، وكلما جاءها وشاهد جمالها لم تطاوعه نفسه أن يقبض روحها، فيعود إلى السماء السابعة مُعتذرًا عن مهمته الثقيلة.
ثم تتكرر المحاولة فينظر إليها، ويتخيل نزولها في القبر محشورة بين أتربة تستعد ديدانها لمأدبة موت تحت الأرض.
ثم في المحاولة الخامسة يقبض روحها، ويصعد فورًا ليقصّ على الملائكة الآخرين حكاية الأميرة النائمة.
جذبني شعاع من ضوء باهر إليها، فدنوت منها، وسألتها عن حكايتها وكيفية وصولها إلى مكان الانتظار توطئة ليوم الحساب!
قالت: أنا عشت حياتي الأرضية حتى بلغت الأربعين من العُمر، وشهد مولدي ظهور جحافل من رجال زيّفوا أقوالَ الله، وقاموا بتأويل آياته لتصب في صالح أكبر جريمة إنسانية، وأد المرأة وهي حيّة تختبىء.. لا حيّة تسعىَ!
عشت في مجتمع مخلوطة كل كلمة فيه بالجنس، ومنشغلة كل نظرة بالمرأة، ومهووسة حياة ذكوره بإناثه.
عشت في مجتمع تعلـّم شيوخُه كيفية التغطية على الجرائم والتحرش والخيانة الزوجية والتهريب والإرهاب فلم يترك ذكورُه إنســًا أو جـِنــًا أو صورة أو تمثالا عاريا أو طفلا بريئا إلا والتهبت أعضاؤهم التناسلية من هول خيالاتهم المريضة.
ثم أكملتْ: وكانت الكارثة عندما حجبوا ذكريات الأقارب والأحباب والزملاء والجيران والأصدقاء عني، وضربوا بعُرض الحائط توجيهات العلي القدير الذي خلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف، فزعموا أن التعارف مقدمة للزنا حتى لو كان الذي يقوم بزيارتي في مرضي ابن عمي.
وانشقتْ الأرض لتُخرج وحوشــًا آدمية ألسنتها في أعضائها التناسلية، وحكاياتها عن العبادة والصلاة وعظمة الدين لا تخرج عن وصف مسرحية جنسية.
وتنهدت تنهيدة كادت تشق صدرها وهي تقول: الوحوش الآدمية تلك كانت مُسلحة بكتب مقدسة، وتحفظ عن ظهر قلب خرافات وأساطير ما أنزل الله بها من سلطان.
كانوا كتلة من الكراهية مُقسّمة على المنابر، وأشكالهم تتشابه مع القردة، ووجوههم عليها لعنة لم تعرفها البشرية من قبل.
ثم قالت: الأكثر وجعــًا وإيلامــًا أن الناس أطلقوا على جهلهم علوما شرعية، فجاءتْ الطامة الكبرى عندما أقنعوا ذكورَ الأمة أمام إناثها أن خالق الكون أعد لهم ماخورًا بطول السماوات والأرض، ولكل ذكر حق المتعة الجنسية في سبعين امرأة من الحور العين، تعاون كل َ واحدة سبعون وصيفة فيحتاج الرجل في الجنة إلى ربع مليون سنة حتى ينتهي من قذف ما لديه فيهن، ثم يعاود الكــَـرّة.
قلت لها: أرجوكِ أن لا تكملي فغضبُك مفهوم، وإجبارُك على تغطية وجهك هدفه معروف، لكن ماذا حدث يوم نزولُك إلى القبر.
بدا أنها استراحت بعض الشيء ثم قالت: أصابني اكتئاب في مجتمع الكآبة، فانسحبت نهائيا من المجتمع، وكنت أحتفظ بجمالي الذي بدأ يذبل، ويبهت حتى رجوت مَلــَـكَ الموت أن يقبض روحي بعدما زارني عدة مرات وتردد من سطوع جمالي وانبهاره بعظمة خلق الله في وجهي.
تأثرت كثيرا بهذه الحكاية وتخيلتها وهي تقف يوم القيامة تُحاسَب حسابــًا هيّنــًا، يسيرًا، جميلا فالمجتمع المريض الذي عاشتْ بين ظهرانيه تشفع لها حماقاته كلَّ ذنوبــِها وهي ذنوبٌ كان أشدّها، حسبما حكتْ لي، ظهور خصلة شعر من رأسها عندما كانت في الخامسة عشرة من عُمرها، فرآها رجل وصارحه شيخُه أن عينيه زنتا، فظل يشج رأسه في الحائط حتى يعاتب ضميره الديني.
مشيت أو طرت متوجها إلى مكان أظن أنني سمعت أنغاما قادمة منها.
في الطريق طاردتني من جديد تساؤلات كل تساؤل منها يحتاج لسبعين عاما حتى أستوعب حيرتي فيه.
وإلى الحلقة الرابعة بإذن الله من (مقطع من يومياتي بعد موتي)!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. آثار ليبية تتعرض لأعمال تخريب وللسرقة والتهريب • فرانس 24 /


.. افتتاح معرض بيروت العربي الدولي للكتاب في دورته الـ 64




.. استبعاد ضم بلغاريا ورومانيا إلى فضاء شنغن الأوروبي


.. رئيس الوزراء العراقي يقرر تشكيل لجنة تحقيق في ملابسات أحداث




.. العاهل السعودي يجري مباحثات مع الرئيس الصيني في الرياض | #را