الحوار المتمدن - موبايل


ماركس الطبقي واوربا التحوليّة؟/5

عبدالامير الركابي

2021 / 3 / 4
مواضيع وابحاث سياسية


يكرس الغرب ابان صعوده مفهوما عن "العصر الحديث"، باعتباره العصر المختلف نوعا عما قبله من فترات وعصور التاريخ، والتسميه صحيحة ضمنا من حيث الدلالة والواقع، وان كانت تتعدى المقصود منها، والمستعمل من لدن الغرب الصاعد والمتغلب تصورا ونموذجا، انما مع تغيير المقصود الى ماهو منتهى ونتيجة انقلابية لاحقة، الغرب وظاهرته "الحديثة" ممهد لها، والعتبه الأخيرة المفضية اليها، فالغرب الالي الراسسمالي المصنعي، ومايرافقه من عملة نهوض شامل، هو اللحظة الفاصلة، واخر واعلى مايمكن للاحادية المجتمعية ان تبلغه، قبل الانتقال وانتهاء دور وزمن هيمنه الأحادية مفهوما ونمطا.
هنا نقع على مدلولين ل"العصر الحديث"، الأول ذلك الذي يعني الانتقال الى المنظور التحولي المنتظر منذ ابتداء الظاهرة المجتمعية، بعد انقضاء مفعول وإمكانية استمرار سطوة وهيمنه المفهوم الأحادي الكلية، واخر هو الغربي الحالي، كما متمثل بنهضة الغرب الالية الطبقية المفهومية، مع مارافقها ونجم عنها من منجز شامل هائل. فما الفاصل والمميز الذي يضع الحدود بين الحالتين والمفهومين والمعنيين؟ في حالة الغرب ونهضته، نحن على معرفة واطلاع على المميزات التي رافقت الظاهرة الغربية، وبمقدمها وفي جوهرها، الانتقال من الإنتاج اليدوي الى الالي، تلك القفزة الانقلابية النوعية الكبرى، هذا مع كل ماتكرسة الظاهرة الانقلابية الغربيه مع صعودها، من أسباب تزيد مرات مضاعفة على تلك التي كانت وظلت مستمرة، تطمس حضور المنظور التحولي الأساس، وتمنعه من الظهور والانبثاق، للتعذر العقلي، وضعف ممكنات الإحاطة العقلية حتى حينه.
هل المعتمد في النظر الى الظاهرة الغربية "الحديثة"، المنظور الأحادي التابيدي للظاهرة المجتمعية، ام المنظور المطموس المتعذرتبلوره الى الان، والذي يقول بمؤقتية الظاهرة المجتمعية، وبكونها ظاهرة آيله الى زوال؟ في الحالة الأولى يمكن قبول، لابل اعتماد رؤية الغرب لنفسه والعالم على اعتباره "الحداثة"، بخلافه، ومع الانتقال لمنظور التحولية، يصير الغرب محطة انتقالية اخيره باتجاه "العصر الحديث"، مع الاختلاف الضروري في معنى ودلالة "الحداثة" والمقصود بها، بين حالة نهوض انقلابيه داخل المفهوم الأحادي نفسه، وبين مايعقبه ويفترض، لابل يجب بحسب قوانين التحولية ومساراتها، الحلول محله، مما يناقضه ويمثل الوجه الاخر من المجتمعية كظاهرة ازدواج تحولي انقلابي.
لكن اذا كانت الالة والانتقال المواكب لها، والناجم عنها، قد فصلت بين زمنين احاديين ذهابا الى الأعلى الأخير بينهما، فما الفاصل الدال على بدء التحولية وحضورها، قبل إمكانية شيوعها قبل سيادتها واقعا، لابد ونحن نتحدث عن "المجتمعية" من ان نستدل على التحولية كيانيا موضعيا، وأين هي كامنه، او قابعه بحالتها غير المماط عنها اللثام، والمتعذرة على العقل الى اليوم، تتوالى عليها الدورات والغيابات الانقطاعية، هذا أولا، ومن ثم وثانيا، فما هو ياترى المستجد اليوم، والمتغير الفاصل الذي يمكن ان يطرأ على الموضع المذكور، فيذكي فيه جذوة الانقلاب الأعظم، ويضعه على طريق الالتقاء مع ذاته، والافصاح عنها، وعن مكنونها المطوي المتعذر المؤجل، وهل الالة ياترى هي نفسها التي ستفعل ذلك وكيف؟
لاشك ان الالة ومايرافقها وينتج عنها، سيكون لها اثر فاعل في الانتقال الأعظم، خارج وبغض النظر عن نوع تجليها او طريقة فعلها السلبيه، وصولا حتى الى الامحائية الافنائية، بصفتها نموذجا اكراهيا غالبا، وساعيا الى فرض نمطه ونموذجه على المعمورة بالقوة، سواء بالحضور المباشر الاستعماري، او القوة المفهومية النموذجية بالارتكاز لضخامة المنجز"الحداثي"، الامر الذي ينقلب في حالة العراق وارض الرافدين، الى سيرورة تصادمية الغائية، الغرب من جهته يسعى من خلالها عامدا الى تحوير الاليات التاريخية والبنيوية العراقية لتطابق نموذجه، بينما العراق يواصل حضوره البنيوي، وعمل اليات تاريخه، وان من دون نطق ذاتي، وبلا تعبير عن الخاصيات التحولية، مايفضي في الحصيلة لحالة متقدمة من حالات "العيش على حافة الفناء" التاريخيه التي تتحول الى قانون شامل لارض الرافدين برمتها، بعد ان كانت في الماضي وظلت مقتصرة على عراق السواد الجنوبي منها بصورة خاصة.
هذه الظاهرة يصر الغرب على محوها كليا ـ بينما تلعب القوى الناطقة باسمه والمتماهية معه من تلك التي تعمل بصفتها الوكيل المحلي العراقي للغرب، باسم الايديلوجيات الحزبية والوطنية الزائفة ـ متكئا على مبدا "نفي الخصوصيات"، وتحريمها المطلق، لصالح عالمية وحيده، هي عالمية نموذج بعينه كممكن وحيد، الامر الذي لاينطبق باي حال على العراق وتكوينه التاريخي، وبنيته الأصل، مجتمعية الازدواج التحولي الإمبراطوري، والتي تكون قبل حضور الغرب وظاهرته، بالاخص المباشر، قد أمضت اكثر من ثلاثة قرون من التشكل "الحديث" الثالث، الخاضع للقوانين والاليات التحولية الرافدينيه الأساس، وان ضمن اشتراطات مستجدة، لم تكن قد عرفت ابان الدورتين الأولى السومرية البابلية الابراهيمه، والثانيه العباسية القرمطية الانتظارية، الاغلب انها اشتراطات "فك الازدواج"، وشروط الافصاح عن الكينونة والذات، تحت طائلة، وضمن سياقات واحتدامات التشكل تحت وطاة المعيقات المعرقلة، ومن ثم الامحائية الغربية.
قرابة القرن من الزمن من وطاة الحضور الغربي، اذا لم تحتسب مقدماته التي تعمل كصدى وانعكاس عبر المنطقة الشرق متوسطية، وحتى كحضور بالنيابه على يد العثمانيين، منذ احتلالهم الثالث 1831 ،هي فترة التصارعية القصوى الأعلى، المنطوية على الامحاء، تتعرض لها البنية التاريخيه الرافدينيه ساعية أولا لالغاء جوهرها ، ازدواجها التاريخي، وتشكلها الامبراطوري الكياني والعضوي، لصالح مفهوم ونموذج مركب من اعلى، مختلف عما سبقه، وماكان قد ظل موجودا منذ 1258 مع سقوط بغداد على يد الامبراطورية الأحادية الشرقية المغولية، مع تحول عاصمة الدورة الإمبراطورية الثانيه الى معسكر احتلالي براني، عاجز عن فرض سلطته، او بسطها فعليا على بقية ارجاء العراق، وبالذات ارض السواد التي تكون في حال استقلال فعلي، ابتداء من القرن السادس عشر، وصولا الى امتداد نفوذ وحضور التشكيل الحديث القبلي الى بغداد نفسها، والديني الانتظاري الى سامراء شمال بغداد، مع انتقال المجتهد الأكبر حسن الشيرازي من النجف عاصمة القيادة الثانية، والتي منها ستنطلق فتوى الثورة عام 1920 ضد الاحتلال الإنكليزي، قبل ان تتغير قواعد الصراع، ويتحول المشروع الغربي الى قوة ومشروع اخضاع اكراهين باسم "الوطنية المستعارة"، ومفهوم "الدولة الحديثة" وكيانها وحدودها، ومؤسساتها المفبركة من خارج النصاب المجتمعي، واليات واشتراطات التشكل التاريخي الصاعد من اسفل.
مشهد وحال اصطراعية كهذا، لابد ان يمتاز في اهم واخطر وجوهه بتغلب منظور احادي عليه، وعلى تفسير احداثه ووقائعه، ودلالات احداثه، بحيث تعتمد منهجية بعينها، هي الوحيدة الموجودة أصلا، تلك هي منهجية الغرب وحداثته، ومنظوره المستعار الاسقاطي، مادام المنظور الازدواجي الذاتي ( الوطن/ كوني) غائب وغيرموجود، ماينجم عنه حال من المصادرة الممارسة باسم "الحداثة"، وحتى ادعاء الطبقية منها (1)، ليس وقعها وفعل تاثيرها باقل من وطاة الاحتلال المباشر، او غير المباشر السياسي والاقتصادي، مايمنح المسالة الوطنيه في هذا المكان، او الجزء من العالم، ملامح خصوصية بارزة ونوعية، تكون في مقدمة ماتستهدفه، وتصير حية به من دون غيره، انتقال هذا الجزء من العالم كحصيلة تراكمية اصطراعية، لذاتيته، ونطقها المؤجل والمتاخر، فالعراق يظل محروما من عراقيته، ومن شخصيته وحقيقته البنيوية، ومايدل على كينونته، فيظل منطوقا عنه ومنظورا له بلسان وعين غيره، الى ان تاتي لحظة حضور "قران العراق"، بما يعني من كشف عن حقيقة الذات، واماطة اللثام عن جوهر المجتمعية والتصيّر التاريخي المجتمعي على مستوى المعمورة.
لحظتان افنائيتان، الأولى جوهرها قلب نظام التملك المشاعي التاريخي في ارض السواد 1921/1958 ، والثانيه ريعية نفطية عقائدية بنواة قرابيه 1968/2003 ، بينهما عقد من الزمن الانتقالي، هما مايمثلان تاريخ ماقبل "قرآن العراق"، ويناظران حصيله ونتائج التحولية الاليه الغربية، ومايترتب عليها على مستوى المعمورة، وصولا الى القرن الواحد والعشرين، وبدء تبلور "قران العراق" حين يبدا وقتها "العصر الحديث التحولي"، وينتهي العصر الحديث الآلي على مستوى المعمورة.
كتاب العراق، او " قرآنه"، هو البيان الأخير الذي يبحث في اليات صراع الكيانيه المجتمعية الازدواجية مع الظاهرة الغربية الحداثية الالية، بوجهها الشامل المباشر الاستعماري، ونموذجها في الدولة، ومجمل منظورها الوطني المستعار الايديلوجي الحزبي، مع اجمالي تعيينه للظواهر والاليات الصراعية، واشكال تجلي وحضور العراق غير الناطق، ابتداء من ثورة العشرين الخرساء، ومااعقبها من احداث، استمرت الايديلوجيات تعمل على مصادرتها، والحاقها بالمنظور الغربي، وبمقدمه المنظور "الوطني التحرري"، بدل الصراعية الكونية التاريخيه، ومسارات الانتقال البشري المنطوي عليها الصراع في هذا الجزء من العالم.
ـ يتبع ـ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) اهم مثال على مانذكر هو كتاب حنا بطاطو الشهير، باجزائة الثلاثة، وضخامته، والجهد الاحصائي الاستثنائي المبذول فيه، المعنون "العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية"، تحت يافطة الطبقات والصراع الطبقي الذي يصر بطاطو على كونه ممكنا، او قابلا للتطبيق على بلدان العالم الثالث.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سلطات الصحة الأمريكية توصي بتجميد استخدام لقاح جونسون آند جو


.. دبي تريد تسريع الانتقال إلى العملات الرقمية.. تعرف إلى السبب


.. أديس أبابا تطالب بممارسة الضغط على الخرطوم بشأن الحدود




.. شوقي عبد العظيم: السودان حريص على التفاوض بشأن السد وهذه هي


.. الذكاء الاصطناعي سيصبح عاملا أساسيا في المهام العسكرية