الحوار المتمدن - موبايل


كيف تشكل الاقطاع السياسى الذى يَتَعالى على مجتمعه, وألغى نشوء مجتمع عربى أو مجتمع اتحاد الشعوب؟ نظام السمع والطاعة السياسى والثقافى والاقتصادي الذى يلغى المجتمع.

خالد فارس
(Khalid Fares)

2021 / 3 / 4
مواضيع وابحاث سياسية


مقدمة:

لو أردنا أن نُعَرّفْ أو نتعرف على بنية النظام العربى, سوف نحتاج الى تشخيص ثلاثة قضايا: القضية السياسة للنظام المُتَشّكل, القضية الاقتصادية, القضية الثقافية. هذه الثلاثة قضايا, هي التي تحدد قضية المجتمع, وأسباب واقعه الوجودى.

أولاً: القضية السياسية:

يقول كارل ماركس أن كل نضال هو نضال سياسى, وأن التاريخ هو تاريخ الصراعات السياسية. نفهم من ذلك أن اللحظات أو المراحل التي تتشكل فيها المجتمعات, هي تلك التي تكون قد نضج فيها الصراع السياسى في قضية سياسية. بدون نشوء قضية سياسية, ستبقى المجاميع السكانية, في حالة من الضياع والصراع, حتى تتبلور لها قضية سياسية. وعندما تستطيع المجاميع السكانية تعريف قضيتها السياسية, ستتمكن من الانتقال الى كيان سياسى, سواء الدولة الحديثة, أو الخلافة الدينية في العصور الوسيطة, او حكم الاقطاع. جلهم, جمعتهم قضية سياسية, تحولت الى كتلة تاريخية في كيان سياسى, تاريخى.

ابان حكم الاستعمار الاوروبى, وعلى وجه التحديد البريطاني الفرنسي, بحثت هذه القوى عن تعريف سياسى, أو قضية سياسية, يمكن أن تجمع المجاميع السكانية العربية, في اطار كيان سياسى جديد. وجدت هذه القوى ضالتها في العائلات الكبيرة في ذلك الوقت. الهاشميون, آل سعود, أمراء الخليج, ملك المغرب, وزعماء الطوائف في لبنان, وغيرهم.

تصارعت هذه العائلات فيما بينها, وطرحت قضيتها مع الغرب الاستعمارى, ووجد الغرب في هذا الصراع, بديلاً سياسيا, عن فكر حداثوى قومى تحررى أو طنى. تبنت قضايا هذه العائلات, وعملت على تحويلها الى قضايا سياسية, تصبح لاحقا هي القضية السياسية العربية. فوجد العرب أنفسهم أمام مفهوم للسياسى أو السياسة مرتهن الى مشروع هذه العائلات, وليس الى المجتمع أو ليس لهم, بذاتهم المجتمعية.

قضية العرب السياسية, ليست من صُنْع أبنائها, بل هي مُصَنّعَة, وثم أسقطت على المجاميع السكانية. وصناعة قضية العرب السياسية, الذى جاء في سياق صراع العائلات الكبرى, التي كانت تلعب دور الاقطاع, أو أن بينتها في عائلات اقطاعية, يحكمها أمير أو شيخ, وله تعود الثروة وتوزيعها, والافراد أو الجماعات المنضوية تحت زعيم القبيلة هو جزء من العلاقة البيولوجية (النسب) العائلية أو العائلات البيولوجية المنضوية تحت امرة هذا الأمير.

استطاعت بريطانيا وفرنسا فرض القضية السياسية وتعريفاتها على العرب, وأصبحت نقطة انطلاق السياسى, في قضية كل عائلة, في الأردن والعراق وسوريا والسعودية ودول الخليج وزعماء الطوائف في لبنان. وكانت القضية السياسية في فلسطين تنقسم الى: قضية سياسية يهودية (تحويل المسالة اليهودية الى قضية سياسية تجد حلاً لها في الواقع العربى), وقضية سياسية في الوطن البديل (أن تحكم العائلة الهاشمية فلسطين والأردن تحت مسمى المملكة الأردنية الهاشمية), وقضية سياسية في شؤون السكان (وليس الشعب أو المجتمع) الذين سيعيشون في كنف الدولة العبرية, وقضية تجنيس الفلسطينيين في الأردن.

قضت استراتيجية بريطانيا وفرنسا, أن تتحول مطامح ومشاكل العائلات الكبيرة, الى قضايا سياسية. فتشكل السياسى العربى, من رحم قضايا عائلات. وأصبحت السياسة عابرة لتشكيل المجتمع, لأنها ليست بحاجة الى مجتمع لكى يَخْلقها أو يَصْنَعها, فهى مصنوعة من عائلات اقطاعية, ستصبح عائلات الاقطاع السياسى. السياسى في الوطن العربى, سياسى يَتَعالى على المجتمع, على مجتمعه, بسبب أن السياسة لم تنشأ من المجتمع, وانطلقت من كونها اطاعة ولى الأمر. سنضرب مثالا, على ذلك:

في 3 مارس 1921, خاطب عبد الله الأول بن الحسين بن علي الهاشمي(2 فبراير 1882 - 20 يوليو1951) مؤسس المملكة الأردنية الهاشمية وأول ملوكها, قائلاً:

"سروركم بنا وترحيبكم لنا واجتماعكم علينا امر لا يستغرب . انتم لنا ونحن لكم وانني لم اغفل كلمة مما جاء به خطباؤكم ووطنيتكم امر لا يخفى على الكون كله، وضالتكم المنشودة هي عبارة عن حقكم الذي تطلبونه، ويمكنني ان اقول بأن الله لا يترككم هكذا، واني اقول لكم بانه اذا جاء الوقت لاستعمال ما تستعمله الامم من القوة عند ذلك تثبتون بانكم ما وجدتم ضعفاء، ولكن لا تموتوا بلا شرف، فلا اريد منكم الا السمع والطاعة، وما جاء بي الا حميتي وما تحمله والدي من العبء الثقيل. ولو كان لي سبعون نفساً بذلتها في سبيل الامة لما عددت نفسي اني فعلت شيئا"

لاحظ ماذا يقول لهم, فلا أريد منكم الا السمع والطاعة. لماذا يقول ذلك؟ لأن السياسى ليس المجتمع أو الشعب, هو الحاكم, الذى يختزل السياسى في قضية عائلته ومهمتها التاريخية.

ثانيا: القضية الثقافية

القضية الثقافية الأولى في الوطن العربى, هي الدين. فكان من الأهمية بمكان, حتى تنشأ حبكة وفبركة النظام العربى الجديد, أن يكون الدين, سياسى, أيضا. بمعنى أن لا يتناقض مع السياسى, وأن ينسجم في سبيل ضمان السيطرة السياسية, بأن تلعب الثقافة دور المانح للسياسى, والقضايا الوجودية السياسية, هوية ومعنى ووجود معنوى وايمانى.

وعندما يرتبط السياسى في الهوية الايمانية, تتوسع قاعدته الصلبة, فيتمكن من تنفيذ آليات عابرة للناس والمجتمع. ولكن كيف سيتم ربط الدين في السياسى, فيصبح الدين سياسى منسجما مع السياسى الذى ينبع من العائلات وليس المجتمع. سوف أتطرق الى رؤية الاخوان المسلمين في هذا الشأن, منذ نشأتها. يقول الإمام حسن البنا, وعلى وجه التحديد, في الركن السادس من أركان البيعة, يقول: وأريد بالطاعة: امتثال الأمر وإنفاذه تواً في العسر واليسر، والمنشط والمكره.

الدين الذى دعى له البنا, لديه مطلب جوهرى, السمع والطاعة, أيضا. وهنا نقطة التقاطع الكبيرة, التي تشرعن السياسى في سياق السمع والطاعة. أدخل الامام البنا الدين في السياسى من بوابة السمع والطاعة, فأصبح الثقافي العربى, في الحيز الدينى, ينموا على طريقة الحاكم. ولكنه ينمو في الحقل الثقافي, بمعنى أنه اكتسب هوية ومعنى وقيمة ايمانية, رفيعة, ذات نفوذ وتاثير كبير.

ونضيف, بأن أصبحت قضية الطاعة والسمع, عنصرا طبيعيا, وتجسدت شرطا وضرورة, وليس خياراً. وتم تطبيع المجاميع السكانية, في تعدد أشكال وجودها, الفلاحى البدوى المدنى الحضرى العامل, مع قضايا السمع والطاعة. السمع والطاعة هي للحاكم وهى لشيخ الدين أو حزب الدين, فالتقاطع البنيوى فرض ممارسات. يتشكل بواسطتها التلاحم بين السياسى والثقافى, على أساس ممارسات السمع والطاعة و ولى الامر. اختلط السياسى بالثقافى, وأصبح من الصعوبة بمكان, استخراج السياسى من الثقافى. وهو ما حذر منه غرامشى حيث يقول "السؤال السياسى يصبح غير قابل للحل عنما يتخفى كسؤال ثقافى. فى البحث عن فهم كيف نبنى اجماع سياسى, يجب أن نتعلم كيف نستخرج المعنى السياسى من غلافها الثقافى".

هذا النوع من الممارسة, الذى سيطر طيلة عقود, ونشأت المنظومات العربية في كنفه, ألغى القضية الثقافية في المجتمع, ومنع نشوء قضية ثقافية لمجتمع, خاصة به, تعبر عنه, وتحدد هويته الوجودية, كونه مجتمع, وليس في كون افراده يخضعون لمبدأ السمع والطاعة.
نقول ذلك لأن الدين (الذى دعا له حسن البنا):, في سياق السمع والطاعة, هو ليس دينا من المجتمع, هو دين من الفقهاء, فاصبحت مهمة الدين فقهية, أن يسيطر خبراء في صيغة فقهاء على الدين, حتى يضمن الدين السمع والطاعة. ولو فقد هؤلاء السيطرة على الدين, واصبح تحت سيطرة المجتمع, سيجد المجتمع نفسه امام مواجهة مع مبدأ السمع والطاعة, لانها تلغى وجوده. فوضع الدين الاسلامى, الذى تحدث عنه البنا, نفسه, أمام مهمة فقهية, أي انه دين فقهى, ابيستيمولوجى, معرفى, يقوم بمعرفة الفقهاء.

الدين الفقهى, هو الدين الذى يتحول الى مسائل معرفية فقهية, يحكم فيها النُخَبْ, حصراً, العالمة بشوؤن الدين, وتتحول قضايا الدين الى أبيستيمولوجية, مهمتها اكتشاف الفقه المعرفى المناسب للسمع والطاعة. فأصبح الدين خارج نطاق الشعب والمجتمع, أي أن الدين لا يشكل مجتمع, بل يشكل جيش من الفقهاء. والأخطر, أنه فقد أفق الإصلاح الدينى, لأنه بقى محتكرا في أيدى النخب الفقهية.

الامر والطاعة للحكام, تؤول الى تأسيس نظام بيروقراطى أمنى, يقوم على خبراء أمن وعسكر واعلام يقلب الحقيقة, وتجند الدولة في سبيل ذلك عارفين وأخصائيين. الأمر والطاعة للشيخ الدينى, تطبيقا للحكم الاسلامى, الحاكم الدينى, تؤول الى تأسيس نظام بيروقراطى يقوم على الخبراء في صيغة فقهاء, وتتحول المؤسسة الدينية الى إجراءات فقهية (الفتوى, والتحليل والتحريم), واعلام على نمط الدولة.

الدين الذى سيفقده المجتمع, هو الذى يَكْتَشفه المجتمع بذاته, من ممارساته خو كمجتمع, أما الدين الذى يتناتج من السمع والطاعة (نموذج حسن البنا) هو الدين المُكْتَشف (بضم الميم). يخشى فقهاء الاخوان المسلمين, أن يتم اختراع دين, اذا تُرِكَ الدين للمجتمع. ولكن ألم يتضرر المجتمع عندما تُرِكَ الدين للفقهاء. ؟

ثالثاً: القضية الاقتصادية:

في الاقتصاد, السؤال الأهم هو كيف سينتج الناس حيواتهم؟ ففي أسئلة الإنتاج, يكمن الجواب في الثروة, سواء الطبيعية واستخراجها, أو الثروة الصناعية, التي من انتاج البشر وصناعتهم, ثم تحويلها الى ثروات مادية. قامت بريطانيا وفرنسا, بترسيم حدود الوطن العربى, بما يضمن لكل اقطاع سياسى, ثروات طبيعية, مع عدم السماح بنشوء ثروات صناعية. وذلك, تأسيسا لمسالة التبعية والوظيفية, حتى لا يتشكل مجتمع من الإنتاج. ان صيغة السمع والطاعة الاقتصادى تتشكل في الملكية الفردية. حيث أن مالكى الثروات ووسائل انتاجها, يمارسون السمع والطاعة للحاكم السياسى, لأن القرار السياسى في حوزته, ولأنه أيضا, المالك الأكبر للثروات الخام في باطن الأرض. لذلك, فان عملية الإنتاج الوطنى ككل, ترتهن الى المالك الأكبر.

نهاية المجتمع:

انتهى المجتمع العربى في فلولٍ, مبعثرةِ, مًشتتة, مُفَتتة, لا وجود له, ككيان مجتمعى, قائم بذاته. السياسى سمع وطاعة, الثقافي سمع و طاعة, الاقتصادي هو سمع وطاعة لمالك الثروات الأكبر ومالكى الثروات. سياسيا المجتمع لايقرر في السياسة وليس من حقه أن يقرر في السياسة, وثقافيا المجتمع لا هوية له كمجتمع لأن هويته تتجسد حصرا في تنفيذ الدين الذى ينتجه الفقهاء وليس من حق المجتمع اكتشاف الدين, وفى الاقتصادى لا يستطيع المجتمع انتاج حياته ولا وسائلها (وسائل انتاج الحياة), لأن انتاج الثروات يخضع لمالكى الثروات الذين يخضعون بدرورهم للمالك الأكبر.
تعود أصل المشكلة, وأسباب نشوئها في أن عائلات الاقطاع السياسى, هي التي قفزت الى مسرح التاريخ, بعد أن تحولت الصراعات فيما بينها الى قضايا سياسية, وثم فرض هذه القضايا على الشعوب التي تعيش في الجغرافيا الممتدة من البحر الى البحر. وما تحول هذه الصراعات العائلية, الى قضايا سياسية, أن يحصل, لولا وجود الاستعمار البريطاني والفرنسى, الذى تسبب في هذا الشىء.

المجتمع بلا حقوق, فهو فاقد حقه في الوجود. استعادة المجتمع تتطلب النضال في انتزاع القضايا السياسية والثقافية والاقتصادية من نظام السمع والطاعة السياسى والثقافى والاقتصادي, الى نظام اتحاد الشعوب في مجتمع متنوع متعدد, ولكنه مجتمع, له كيانه الاجتماعى, بذاته الاجتماعية.

خ.ف.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - الفيروس الذي علينا التخلص منه
محمد البدري ( 2021 / 3 / 5 - 10:24 )
وما الجديد اذا كان العرب قد نشروا فكرة السمع والطاعة منذ اتوا بالاسلام
وهناك ما هو افدح بان طالبوا البشرية جميعها بالامتثال لعبادة اله الاسلام الذي فضلهم هم علي العالمين والمطالب بالسمع والطاعة لفرد واحد لم يستطع ان يشكل عائلة او اسرة رغم ثروته من الاقطاع النسائي الذي حققه لذاته!!!!!
الجديد هو في النظريات السياسية التي جعلت الاستعمار التقليدي وغيره ان يلعب بالمنطقة وكانهم احجارا ادني كثيرا من قطع الشطرنج، فقطع الشطرونج علي الاقل لها قزانين وتقسيم عمل ومهام محددة لا نعرفها فوضوية العرب والاسلام
تحياتي وشكرا لمقالتك الكاشفة


2 - أنظمة حداثة السمع والطاعة
khalid Fares ( 2021 / 3 / 6 - 07:31 )

الأستاذ محمد البدرى,

إعْتبر هؤلاء أن العصر الحديث هو امتداد للقديم, و هذا الامتداد هو الضرورة التي وجدت فيها هذه العائلات استمرارية لدورها الاقطاعى, ووجد فيها الاستعمار شرطا لنشوء نظام كولونيالى وظيفى.

السمع والطاعة, في العصر القديم, مختلف, وذلك نظراً لطبيعة أنماط الحياة وانتاجها, أما السمع والطاعة الحديثة, هي عملية التحديث للقديم.

وكأن الحداثة عندنا هي استمرار القديم بقالب حديث, وليس اكتشاف حديث نوعى.

تحياتى لك.

اخر الافلام

.. حفل خاص للإعلان عن إطلاق الحلّة الجديدة لأخبار الآن


.. أخبار الآن تنطلق في حلّة جديدة تحت شعار لكلٍ منا قصة | المزي


.. الاحتفالات والتحضيرات لاستقبال شهر رمضان في دول العالم.. فكي




.. كيف تؤدي أزمة #كورونا إلى الإنهاك الإداري؟.. وكيف يمكن تجنب


.. فوضى الفتاوى |#كانك_تعيش_أبدا الحلقة الثالثة