الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تمثّل الثامن من آذار ومحدداته

امال قرامي

2021 / 3 / 9
ملف يوم المرأة العالمي 2021: التصاعد المرعب في جرائم العنف الأسري في ظل تداعيات وباء كورونا وسبل مواجهتها


ينتبه المتابع للفعاليات التي تقام هنا وهناك والتعليقات الفايسبوكية والإعلانات التي تخصّ عقد المؤتمرات والندوات وبطاقات المعايدة وغيرها إلى التشويش الحاصل في أذهان الجموع بشأن اليوم العالمي للمرأة 8 آذار (مارس)، فهل هو عيد للمرأة أم عيد يخصّ النساء؟ وهل هو عيد مخصّص للاحتفال النسائيّ: رقصا وغناء وإلقاء للشعر وتقديما للخطابات المتنوعة وابتهاجا بأسمى عبارات التهاني أم هو يوم للاحتجاج والنضال والمقاومة بالكلمة والصوت والشعارات والجسد...؟. ثمّ هل أنّ تاريخ الثامن من آذار هو مناسبة للاحتفاء بإنجازات جميع النساء: تذكّرا وتكريما وإشادة بقطع النظر عن الطبقة والسنّ والدين والعرق والعنصر والإثنيّة والفقر والسلامة الجسديّة وغيرها من المحدّدات أم أنّه يخصّ فئة من النساء اللواتي استطعنّ انتزاع الاعتراف وتحقيق المساواة بفضل نضالهنّ وتضاف إليهنّ مجموعة أخرى من النساء اللواتي كُرّمنّ بسبب تواطئهنّ مع الأنظمة البطريكيّة والأبوية والذكورية والخدمات التي أسدينها للنظام أو بفضل انتماء عائليّ أو أيديولوجيّ سياسيّ...؟

تثبت هذه الأسئلة وغيرها أنّ تمثّلنا ليوم الثامن من آذار يرتبط بمجموعة من المحدّدات منها البنية الذهنية ودرجة الوعي والتراكم الثقافيّ وفهمنا للنسويّة ومدى انخراطنا في الثقافة الحقوقيّة وإيماننا بالمواطنة، وهو أمر يعكس رؤيتنا للعالم ويضبط سلوكنا ومواقفنا فيجعلنا ننأى بأنفسنا عن الوقوع في فخّ النزعة الاحتفاليّة الشكليّة التي تتجاهل الواقع ولا تعبأ بأعداد النساء ضحايا العنف (الجزائر، اليمن، سوريا، الأردن، روسيا، تركيا، فرنسا...) وتتغاضى عن معاناة العاملات المكدودات ضحايا السياسات الاقتصادية القهرية والمهاجرات واللاجئات والسجينات القابعات في سجون الاحتلال أو الأنظمة القمعية وغيرهنّ.

ولا يمكن أن نتجاهل دور السنّ في تحديد تصوّرنا ليوم 8 آذار فالشابّات الحاضرات في الميادين والساحات المصرّات على الاحتجاج رغم آلة القمع "البوليسي" يعبّرن عن أشكال نضال مغايرة ومبتكرة لم تعرفها الأجيال التي قادت حركات التحرّر، كما أنّهنّ يجسّدن رؤية مختلفة لا تفصل النضال عن نضالات أخرى متشابكة، فلا معنى للمساواة الجندرية من دون تحقّق المساواة للجميع، ولا معنى للعدالة الاجتماعية والكرامة إن لم تشمل الجميع... وبما أنّ هذا الجيل يرفض الجدران العازلة فإنّه لا يرى أنّ تاريخ 8 آذار مناسبة للفعل النسائيّ فحسب، بل هو يوم يخصّ أيضا الشبّان الذين راجعوا امتيازاتهم والصور النمطية الرابضة في مخيالهم وفكوّا الارتباط بالثقافة الذكورية وقادتهم المراجعات إلى الانخراط في الدفاع عن كلّ القضايا العادلة.

وإذا توقّفنا عند تصوّر عموم الرجال ليوم الثامن من آذار فهو لدى أغلبهم يوم تحتفي فيه النسوان بما يشغلهنّ، ولو الى حين فلا بأس، حسب البعض، أن يمنح الزوج امرأته إذنا بالخروج لتلتقي ببنات "جنسها" وتروّح عن نفسها، ولا يمكن، بحسب البعض الآخر،( وهم كثر) أن يسمح الرجال للنساء بالاحتفال بعيد الكافرات" مخافة التلوّث بالتغريب والتأثّر بالنسوية "المعادية للإسلام" والمهدّدة لامتيازات الرجال. وبما أنّ الرجل في التصوّر التقليديّ يمثّل العقل/الحكمة/ القوّة/ النظام/ الجدّ/ ...في مقابل المرأة التي ترمز إلى العاطفة/ الضعف/ الفوضى/ الهزل/ ...فإنّه مطالب بمنع "نسائه" من الخروج والاحتفال حفاظا على النظام الأسريّ فكلّ نضال هو تمرّد ضدّ "الطبيعة " و"الفطرة" وخروج عن العادات والتقاليد والأعراف،... وربّ العائلة مطالب أيضا بالدفاع عن موقعه باعتباره السيّد والمالك والمنفق والمعيل (حتى وإن تحوّلت الأحوال وأثبتت أن عائلات كثيرة تعولها النساء) والمكلّف بحفظ النظام الاجتماعيّ والأخلاقي والرمزيّ .

أمّا إذا نظرنا إلى دور الطبقة في تحديد تمثّلنا ليوم 8 آذار لاح لنا أنّ إصرار فئة من النساء على تنزيل هذا التاريخ في إطار احتفاليّ شكلانيّ يركّز على المسرحة، ويعود بنا إلى الأفضية المغلقة والمعزولة (الفنادق، القاعات الخاصة في المنظمات، ...) قد يفهم في الغالب، على أنّه توظيف لهذا اليوم لخدمة مواقعهنّ، وصورهنّ وامتيازاتهنّ إذ أنّها احتفالات تستثنى حضور الكادحات وضحايا السياسات الاقتصادية الفاشلة والاجتماعية القهرية ...

تشير هذه المحدّدات التي اخترنا الوقوف عند بعضها (إذ لا يتّسع المجال للخوض في جميعها) إلى أنّنا بين اتجاهين: اتجاه يكرّس النمطية، فنحن نتحدّث عن يوم المرأة العالمي وكأنّه لا فروق بين النساء، ونلحّ على الورديّ من الألوان، وعرض باقات الورود، وتوجيه عبارات لطيفة إلى النساء لأنّهنّ يعجبن بالثناء، وهو اتجاه يخبر، في نظرنا، عن التبعيّة فمادامت هيئة الأمم المتحدة هي التي تحدد محتوى الاحتفال فالمطلوب من كلّ الدول أن تذعن للقرارات وليس من حقّها أن تختار مضامين يوم الثامن من آذار. أمّا الاتجاه الثاني فإنّه يصرّ على الاحتفاظ بالروح الثورية ورؤية الواقع في تحولاته، فنحن إزاء حركات تراجع عن مكتسبات النساء، ومحاولات للحدّ من فاعليتهنّ وحضورهنّ ومقاومتهنّ لكلّ سياسات التمييز والاستغلال والقمع. وبما أنّ الحرية تقتضي الاختيار فعلى كلّ امرأة أن تمارس حقها في الاختيار إمّا السكون والرضا بالمكتوب وتزييف الوعي و... أو الالتزام بالدفاع عن حقوق المطحونين، والمسحوقين والمقموعين في كلّ العالم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. متظاهرون في البيرو يطالبون بخروج الرئيس بيدرو كاستيو من السج


.. غمرت أنفاقا وميادين.. الأمطار تغرق العاصمة البرتغالية لشبونة




.. الاتحاد الأوروبي يعلن ضم كرواتيا لمنطقة شنغن ويرفض طلبي بلغا


.. مقابلة مع مدير اللجنة العليا للمشاريع والإرث في قطر ياسر الج




.. لشدة حبه لمنتخب البرازيل.. هندي يطلي منزله وسيارته بالأصفر و