الحوار المتمدن - موبايل


في تونس صراع الشقين البرجوازين -الشقيقان العدوان- المتواصل منذ قرن

بشير الحامدي

2021 / 3 / 13
مواضيع وابحاث سياسية


ـ 1 ـ
قوة حركة النهضة جاءت من أنها ظهرت القوة السياسية الأكثر قدرة على حماية مصالح الطبقة البرجوازية التونسية وحراسة نظامها بعد 17 ديسمبر. وبقاؤها سيبقى ببقاء هذه المصالح وببقاء نظام هذه الطبقة.
في 2011 فسح المجال أمام المشروع السياسي لحركة النهضة للهيمنة على دواليب الدولة والمجتمع والتقطت النهضة مشروع الانتقال الديمقراطي وصار مشروعها ولم تعد ذلك الحزب البرجوازي الصغير العقائدي كما كانت في ثمانينات وتسعينات القرن المنقضي لقد تحولت لحزب برجوازية الخدمات والعقارات والمصارف المرتبط الأول في تونس وهو ما مكنها من أن تلعب الدور الأول في حراسة مصالح القوى الأجنبية في تونس فرنسا أمريكا ألمانيا تركيا إسرائيل... إلخ
قوة حركة النهضة هذه قابلها عجز تام من الطبقات الشعبية التي أطاحت ببن علي على فرض التغيير المنشود وهو ما فتح المجال واسعا لعملية انقلاب كبرى بدأت منذ هيئة ين عاشور وهي مستمرة إلى اليوم.
وطيلة هذه الفترة وخصوصا في السنوات الثلاثة الأولى من الانقلاب انتقل جزء كبير من الطبقة البرجوازية التونسية التي استندت بعد 1956 على بورقيبة ومن بعده على الديكتاتور بن إلى دعم حركة النهضة رامية وراء ظهرها بكل أوهام الحداثيين يمينهم ويسارهم الذين جعلوا من الصراع الثقافوي ومن ثنائية الرجعية والتقدمية أساس الصراع مع النهضة.
ـ 2 ـ
حزب عبير موسى استوعب الدرس اليميني جيدا حيث لم تعد العلاقة بحركة النهضة بالنسبة إليه مؤسسة على البعد التوافقي على غرار ما دفع إليه نداء تونس في سنة 2014 وما تلاها لما كان طرفا قويا في معادلة الوفاق طرفا لا يمكن التهامه خصوصا بعد تأكد حركة النهضة من تلافي مألات نظيرتها حركة الإخوان في مصر. عبير موسى صراعها مع النهضة اتخذ بعدا جديدا يهدف إلى استعادة ذلك الجزء من البرجوازية التونسية الذي التحق بحزب النهضة وصار دعامتها الاقتصادية والسياسية. الصراع السياسي السافر بين الحزبين مظهره صراع أحزاب وخلفيته محاولة لدفع التناقضات بين فئات البرجوازية التونسية إلى أقصاها للإنهاء مع حالة الاستقطاب الثنائي وتعدد مراكز النفوذ التي سادت طيلة السنوات التسع الأخيرة من الانتقال الديمقراطي وصهر كل الوكلاء في مشروع واحد وما تأكيد عبير موسى على روابط حركة النهضة بحركة الإخوان المسلمين وبحركات الإسلام السياسي الإرهابية واعتبارها الممثلة المحلية لهذا المشروع إلا دفع في هذا الاتجاه وتحذير للفئات البرجوازية التي ارتبطت بحركة النهضة بعد 2010 وجرها إلى قطع روابطها مع هذا الحزب.
ـ 3 ـ
كيف تمكنت حركة النهضة من فصل جزء من البرجوازية التونسية وتحويله لدعامة لمشروعها السياسي ومن هو هذا الجزء تحديدا؟
من أين جاءت عبير موسى بكل هذه القوة السياسية حتى تحولت في زمن قصير إلى القوة الثانية في البلاد؟
وأين تقع المعركة الحقيقية بالنسبة للأغلبية وضد من يقع خوضها وعلى أية مهام تحديدا؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن نطرحها ونتقدم في الإجابة عنها لتتوضّح أمام الأغلبية الرؤية.
سنة 2011 والسنوات القليلة التي تلتها خير جزء من البرجوازية التونسية خصوصا ذلك الجزء الذي ظهر مع توطد ديكتاتورية بن علي وبني كل ثروته ونفوذه على الارتباط بعائلة الطرابلسية وبعائلة بن علي وكون شبكة من العملاء الاداريين في قمم الإدارة التونسية سهلت له عمليات الاستيلاء الكبيرة على جزء من الرأسمال المحلي أراض مشاريع صفقات مضاربات تفويت هذا الجزء من البرجوازية وجد نفسه بسقوط بن علي مجردا من سنده الأكبر ومع التجاء المنظومة ككل إلى استراتيجيا الانقلاب على مشروع التأسيس الجديد الذي يمكن أن تؤسس له الثورة ويمكن أن يكون جذريا ويقلب الأمور جميعا ويذهب بعيدا في الإطاحة بالمنظومة ككل خير هذا الجزء الارتماء في أحضان حركة النهضة والارتباط بها ودفعها لتصير المحاسبة مصالحة وليصير القطع مع المديونية مواصلة لها والتشغيل مشروعا لا يمكن تنفيذه وتجريم التطبيع سكوتا عن التطبيع والسيادة على الثروات والموارد مجرد ثرثرة عن تمييز إيجابي بين الجهات ... إلخ وبذلك تمكنت هذه الفئة البرجوازية من تفادي انهيارها لا بل تحولت إلى فئة شبه متحكمة في القرار الاقتصادي والسياسي فئة تخطط في الظل لكل سياسات النهضة وتعمل كل ما في وسعها لتبقى النهضة قوية متماسكة ورقما لا يمكن تجاوزه في مسار الانتقال الديمقراطي.
الجزء الثاني من البرجوازية التونسية وهو الجزء الأضعف الذي قاد معركة 2013 ضد حركة النهضة ومول عملية الصراع معها ليس للإطاحة بها بل للتوافق معها وعول في ذلك على الشخصية البورقيبية التاريخية الباجي قايد السبسي وتمكن من تنظيم اعتصام الرحيل ونشط كتحالف واسع بين بعض العائلات البرجوازية الحداثية البورقيبيون وبيروقراطية الاتحاد العام التونسي للشغل وبيروقراطيات المنظمات المسماة وطنية "الايتيكا" الاتحاد النسائي وبعض أحزاب اليسار التي طلقت مشروع التغيير الجذري لصالح المشروع اللبرالي وخيرت التحول إلى قوة من قوى الانتقال الديمقراطي في تحالف يتمتّن ويقل متانة حسب الأوضاع مع الباجي قايد السبسي الذي خير أخيرا الوفاق مع حركة النهضة وهو الوفاق الذي يخفي التقاء مصالح شقي البرجوازية التونسية وقد عبر عنه راشد الغنوشي أكثر من مرة بالقول أن الانتقال الديمقراطي في حاجة إلى "الاستقرار و الاستمرارية" و في أن تونس "تحلق بجناحين هما نداء تونس وحركة النهضة".
وكما نعلم أن الوفاق دائما هو وضع استثنائي لا يمكن أن يستمر إلى ما لانهاية لم يعمر وفاق الشقين طويلا وسرعان ما عاد الصراع على أشده بينهما وهو وفاق غنمت منه حركة النهضة وبيّن القوة الاقتصادية للفئة التي تستند إليها التي أضعفت كل خصومها سياسيا ولكنها في المقابل بقيت عاجزة على أن تجاوز أزمتها فهذا الشق من البرجوازية لم يعد بمقدوره أن يقدم شيئا للأغلبية بل على العكس فقد فاقمت سياساته أوضاع التفقير والبطالة والبؤس والقمع عموما وطبّع مع الأزمة حتى أنه تقريبا صار يحكم بالفوضى وبمزيد إنتاج الأزمات وهو وضع صار جليا وترسخ بعد انتخابات 2019.
ـ 4 ـ
قوة عبير موسى متأتية من هذه الأزمة تحديدا ومن الأزمة السياسية التي انتهى إليها الانتقال الديمقراطي وانتهت إليها قواه السياسية التي تداولت على الحكم في العشر سنوات الماضية. لقد ظل الانتقال الديمقراطي يخرج من أزمة ليدخل أزمة أعمق واستمرت كل قواه السياسية بما في ذلك تلك القوى التي تقول عن نفسها يسارية متمسكة به كمسار لتحقيق (العدالة والتنمية والديمقراطية).
عبير موسى استثمرت جيدا في هذا المعطى ولما ندرك أن خطابا جذريا يسمي الأشياء بأسمائها بعد كل هذا الفشل لمسار الانتقال الديمقراطي يمكن أن يجد آذانا صاغية ويمكن أن يمثل حالة للقطع مع الأوضاع السائدة وفي ظل غياب قوى مستقلة سياسيا وتنظيميا عن الفوق السياسي الفاسد قادرة على تحويله لمشروع مقاومة ندرك من أين جاءت قوة عبير موسى ولماذا تحولت إلى قاطرة للمعارضة الرسمية التي تربط كل أزمة وفشل للانتقال الديمقراطي بحركة النهضة وتجاهر بعدائها لها وتعمل على إقصائها بكل الطرق من المشهد السياسي.
صراع الحزب الدستوري مع حركة النهضة يعيدنا لصراع البدايات المستمر منذ قرن تقريبا داخل البرجوازية التونسية وحتى إن اتخذ لنفسه اليوم الطابع الثقافوي أو القانوني فإن ذلك لا يمكن أن يحجب حقيقته في أنه صراع من أجل كسب المشروعية والهيمنة لصالح شق من شقوق هذه البرجوازية التي نشأت في ظل الاستعمار وتواصلت بعد 1956 حارسة لمصالح هذا الاستعمار صراع لا يمكن أن يخبو أو يضعف أو تتّحد مصالح قطبيه دون أن تظهر على مسرح التاريخ الأغلبية كأغلبية بمشروع للمقاومة مستقل تنظيميا وسياسيا عن الشقين أغلبية تخوض صراعها وحربها لصالحها وضد الشقيقين المتعادين اليمينين: الرجعي والحداثي.
ـ 5 ـ
في 1956 وحتى قبل ذلك بعقود كان الاستعمار حاسما في دعم الشق البورقيبي الحداثي وسلمه إدارة البلاد. في سبعينات القرن الماضي لما ظهرت بوادر الاستقلال عن هذا الشق بوهنها وضعفها وأخطائها دعم بورقيبة حركة الاتجاه الإسلامي وسهل لها الوجود والعمل لإضعاف هذا المشروع وفي 2011 وبسقوط الديكتاتور بن علي خير شق من البرجوازية التونسية بتوافق مع القوى الاستعمارية المرتبط بها الانتقال الديمقراطي واسناد حركة النهضة حماية لمصالحه ومصالح المرتبطين به. إنها نفس المواقف ونفس الارتباطات تتداول وتتكر على مدار قرن من الزمن وستتواصل في الفوق ما لم يتمكن التحت ـ الأغلبية ـ من التحرك على قاعدة مستقلة عن الشقين البرجوازيين والقوى المرتبطة بهما والصراع ضدهما وتغيير ساحة هذا الصراع وحملها إلى مربع الاقتصادي الاجتماعي. إنه وحده المنعطف الذي بمقدوره أن يطيح بكل ترتيبات الشقين "الشقيقان العدوان" ويوجه الصراع الوجهة التي ظلت منقلبا عليها على مدار قرن من الزمن وتتجدد في كل منعطف تاريخي حاسم.
13 مارس 2021








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فلسطين وإسرائيل.. أبرز المواقف الدولية والإقليمية


.. طهران تؤكد ضرورة الاتفاق على كل الملفات العالقة


.. فلسطين وإسرائيل ..197 قتيلا فلسطينيا وعشرات الجرحى بغارات إس




.. إلى أين يتجه التصعيد في الاراضي الفلسطينية وإسرائيل؟ |#نيران


.. حمد بن جاسم يكشف أن تطبيع دول عربية مع تل أبيب تسبب بالتصعيد