الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


هل من بارقة أمل لوقف الانهيار والتراجع في لبنان والعالم العربي .... ؟؟؟ الجزء الثاني : تونس

زياد عبد الفتاح الاسدي

2021 / 3 / 18
مواضيع وابحاث سياسية


الجزء الثاني : تونس
شهدت الاوضاع في تونس ولم تزل منذ ثورة التغيير التي اندلعت أواخر عام 2010 وأطاحت بنظام زين العابدين بن علي تراجعاً وتدهوراً مُتواصلاً دون توقف على كافة المستويات .. وهذا ما قاد البلاد مُؤخراً الى حافة الانهيار الشامل على الصعيد السياسي والاقتصادي وحتى الاجتماعي والامني .... وكانت تونس قد شهدت منذ بضعة سنوات العديد من اعمال العنف التي تركزت في العديد من المدن والمناطق التونسية المُهمشة كسيدي بوزيد وبنزرت والقصرين ووادي البربر قرب الحدود الجزائرية وغيرها من المناطق واحياء العاصمة .. ومن الجدير بالذكر أن هذا العنف المُتكرر الذي تجدد في الاسابيع الاخيرة في العديد من أحياء العاصمة والمناطق التونسية يعكس في واقع الامر تاريخ طويل من كفاح الشعب التونسي ضد التفاوتات الطبقية الهائلة وانعدام المساواة الاقتصادية وتفشي النهب والفساد على كافة المستويات الحكومية في الدولة .
ولما كانت التمردات الغاضبة في تونس الى جانب لبنان والعراق هي من الحالات الاكثر تجدداً وتكراراً في السنوات الاخيرة للتمردات الشعبية في العالم العربي , ولا سيما بعد مرور سنوات على ما عُرف بثورات الربيع العربي .. وباعتبار أن الحالة التونسية (بالاضافة الى الحالة اللبنانية) هي الاكثر شيوعاً بالمقارنة مع حالات الحراك والتمردات الشعبية التي شهدتها المنطقة العربية خلال السنوات الاخيرة .. يُمكننا القول أن ما شهدته تونس ولم تزل تشهده يعود في اسبابه الرئيسية الى حالة من الصراع السياسي وعدم الاستقرار الحكومي مع انتشار للفساد والتدهور الاقتصادي الذي ألقى بظلاله السلبية على مجمل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والامنية في تونس ..... وهنا يُمكننا تلخيص الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والامنية في تونس خلال السنوات الاخيرة على النحو التالي :

أولاً : انتقلت حالة الاضطراب والصراع وعدم الاستقرار السياسي في تونس لتُؤثر على مُختلف التحالفات السياسية والبرلمانية بين العديد من القوى والاحزاب الرئيسية , وذلك ليس فقط على طبيعة وشكل هذه التحالفات البرلمانية التي تُعطي الثقة لمُختلف الحكومات التونسية المُتعاقبة , بل لتُؤثر أيضاً على كل أشكال الاستقرار الحكومي والبرلماني التونسي ولا سيما في الشهور التي تلت إنتخاب قيس سعيد رئيساً للجمهورية أواخر عام 2019 .. حيث شهدت تونس خلالها مُحاولات مُتكررة لسحب الثقة من زعيم حركة النهضة الاخوانية راشد الغنوشي لرئاسة البرلمان بدءاً من صيف عام 2020 .. وما زالت الى الآن بعض الكتل البرلمانية وفي طليعتها الكتلة الديمقراطية وكتلة "تحيا تونس" والكتلة الوطنية وكتلة "المستقبل"تُواصل مساعيها الحثيثة والمُتواصلة لسحب الثقة من رئيس البرلمان راشد الغنوشي ... فيما كانت كتلة قلب تونس تقف عقبة رئيسية في تأمين الاغلبية البرلمانية المطلوبة لحجب الثقة عن راشد الغنوشي .
ثانياً : رغم تشكيل حكومة هشام المشيشي منذ ما يقرب من خمسة شهور بعد إقالة حكومة الياس الفخفاخ التي أتهمت من قبل العديد من الكتل البرلمانية بتفشي المحسوبية وانتشار الفساد بين أعضائها ... لا تزال تونس ورغم تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة المشيشي المدعوم من حركة النهضة تُعاني وبشكلٍ مُتزايد من الاضطراب السياسي والحكومي واستمرار الانهيار والتراجع الاقتصادي الذي قاد بالنتيجة في الاسابيع الاخيرة الى أندلاع أحداث العنف والتمرد مُجدداً في العاصمة ومُختلف المُدن والمناطق التونسية المُهملة والمُهمشة .
ثالثاُ : خروج أحداث العنف والغضب مُؤخراً عن الطور السلمي في بعض المدن والمناطق التونسية يعود على الاغلب إلى تدهور الاوضاع السياسية والاقتصادية وتزايد حالة التذمر والغضب الشديد والاحباط المُزمن لدى الطبقات العاملة والفقيرة والشباب التونسي العاطل عن العمل .. كما يُمكن إرجاع كم لا يُستهان به من أعمال العنف الاخيرة الى أهداف ارهابية وتخريبية داخلية , سواء التي تقف وراءها بعض الجماعات التكفيرية التي تسعى لنشر الخراب والدمار والفوضى الامنية .. أو التي تُشجع عليها وتقف وراءها أحزاب وقوى سياسية داخلية (عادة ما تكون موالية للسلطة) وهي مُعادية بالمُحصلة لكل أشكال الاحتجاج والحراك الشعبي ,وتسعى بكل الوسائل لتشويهه والنيل بالتالي من الاحزاب والقوى السياسية التي تُسانده كاحزاب اليسار والجبهة الشعبية والاتحاد التونسي للشغل .
رابعاً : تكرار حالة الاحتقان والغضب التي تميز بها الشاع التونسي في العقد الاخير تعود في أهم أسبابها الى عجز السلطات التونسية وأحزاب الائتلاف الحاكم سواء السابقة منها (بدءاُ من تحالف الترويكا) أو الحالية وربما حتى المُستقبلية , عن إيجاد حلول فعالة لامتصاص غضب الشارع التونسي ولو بشكلٍ جزئي وبالتالي التخفيف من حالة التمرد والاستياء والاحتقان المُستمرة التي شهدها ولم يزل يشهدها الشارع التونسي منذ اندلاع الانتفاضة الثورية التونسية أواخر عام 2010 بعد أن أحرق محمد بوعزيزي نفسه في سيدي بوزيد , والتي قادت بالنتيجة الى سقوط نظام زين العابدين بن علي كنظام ليبرالي غير ديمقراطي غارق في الفساد والولاء والعمالة للغرب .. حيث كان حينها من أهم أهداف هذه الانتفاضة الثورية على الاطلاق تحقيق ثورة إصلاحية حقيقية وتحويل تونس الى نظام إنتخابي ديمقراطي وبرلماني تعددي .
خامساً : يُمكن من جهة أخرى إرجاع أسباب الغضب والاحتقان وأحداث العنف التي يشهدها الشارع التونسي المُحبط , سواء في الشمال أو في جنوب ووسط البلاد وتحديداً في بعض المُدن والارياف والمحافطات المُهمشة كالقصرين وسيدي بوزيد وبنزرت في الشمال وغيرها من المناطق , الى انتشار أعمال التخريب والفوضى الامنية والارهابية التي تقوم بها الجماعات التكفيرية الي ظهرت على الساحة التونسية بعد اندلاع الانتفاضة الثورية التونسية أواخر عام 2010 .. وهذه الجماعات التكفيرية التي سعت لتخريب وإجهاض الثورة التونسية كانت تتلقى الدعم المُباشر من تنظيمات الاسلام السياسي في تونس , سواء الاخوانية والسلفية منها أو الاسلامية المُتطرفة , والتي كانت بدورها تتلقى التمويل السخي من بعض الدول الخليجية كالسعودية وقطر وحتى الامارات .
سادساً : غياب الوعي السياسي والطبقي لشرائح اجتماعية لا يُستهان بها من المجتمع التونسي , في ظل جهل هذه الشرائح بطبيعة الاحزاب السياسية التي تقوم بانتخابها , وماهية السياسات الاقتصادية التي تتبناها أو طبيعة القوى السياسية والطبقية التي تقف وراء هذه الاحزاب التي أمسكت للاسف بعد انتخابها بزمام السلطة والقرار السياسي والاقتصادي في البلاد.. بكل ما يحمله ذلك من تأثير سلبي كبير على مختلف المكونات الاجتماعية والشرائح الطبقية في المجتمع التونسي .
سابعاً : شكلت أحزاب الاغلبية المُنتخبة للمجلس التأسيسي (التشريعي للبلاد) بعد سقوط نظام زين العابدين حكومات إئتلافية , وقامت باتباع سياسات إقتصادية لم تختلف في مضمونها عن سياسات الانفتاح الاقتصادي تجاه الاستثمارات الخارجية الغربية للدول الاوروبية التي أتبعت في العقود السابقة خلال سنوات حكم بورقيبة وزين العابدين .. فيما بقيت سياسة الانفتاح الاقتصادي تخضع لتسهيلات القروض الخارجية وصندوق النقد الدولي .. وهي سياسة إقتصادية واستغلالية بامتياز , ليس فقط للاقتصاد التونسي , بل لمجمل إقتصاديات العالم الثالث ... وهنا سجلت السنوات الاولى بعد الثورة في تونس تراجعاً كبيرأ في النمو والاداء الاقتصادي التونسي الذي ترافق مع ازدياد معدلات البطالة في ظل ارتفاع المستوى التعليمي والشهادات الجامعية للشباب التونسي .. وهذا ما ساهم حينها في ازدياد حالة الغضب والاحتقان في الشارع التونسي .
ثامناً : بعد حوالي عام من فوز حزب نداء تونس عام 2014 بقيادة الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي بانتخابات المجلس التأسيسي , أوقف صندوق النقد الدولي قروضه المالية للحكومة التونسية بسبب استمرار التدهور في الاقتصاد التونسي واستمرار التزايد في معدلات التضخم والبطالة والفساد وتراجع مؤشرات النمو الاقتصادي في ظل حكومات الترويكا ( حمادي الجبالي وبعدها حكومة علي العريض ) ... ثم ازدياد هذه المؤشرات الاقتصادية السلبية بعد تشكيل حكومة يوسف الشاهد الائتلافية بين نداء تونس وحركة النهضة عام 2014 .. ومع استمرار التدهور في الاقتصاد التونسي وازدياد معدلات التضخم والبطالة والفساد وتراجع مؤشرات النمو الاقتصادي , تم تجميد قروض صندوق النقد الدولي بالكامل للدولة التونسية ... وقد اشترط صندوق النقد الدولي لاستئناف منح قروضه لتونس حزمة من الاصلاحات من أهمها وأشدها قساوة على المُستهلك التونسي رفع الدعم عن المحروقات وبعض المواد الاستهلاكية الاساسية وتجميد الاجور ورفع سن التقاعد وضبط الانفاق في مؤسسات القطاع العام .... الخ .... كما كانت رسملة المصارف العامة والحكومية من أهم شروط البنك الدولي لعودة ضخ المزيد من القروض المالية لإعادة التوازن للاقتصاد التونسي .... وبالتالي فقد شكلت هذه السياسة الاستغلالية بتسهيلات من النخب السياسية والطبقية الحاكمة في تونس ( كما حصل أيضاً في لبنان ومصر والعراق ...) نوعاً من الادمان على القروض الخارجية لمنع إنهيار الاقتصاد واستمرار اعتماده على القروض والاستثمارات الاجنبية , وبالتالي استمرار الحصول على جرعات احتياطية من النقد الاجنبي لسداد الديون الخارجية وقروض صندوق النقد الدولي , وذلك لابقاء شريان الحياة الاقتصادي في تونس على قيد الحياة .
تاسعاً : الصعوبات والازمات الاقتصادية المُزمنة التي واجهها وما زال يُواجهها الاقتصاد التونسي تُؤكد بلا أدنى شك أن أحزاب اليمين الاخواني واللبرالي وغيرها من أحزاب الطبقة اليمينية الحاكمة في تونس ولم تزل تحكم تونس ليومنا هذا , عاجزة تماماً عن إيجاد حلول اقتصادية فعالة لانقاذ الاقتصاد التونسي والتخفيف من أجواء التمرد والاحتقان والغضب في الشارع التونسي .. لان مصالحها الاقتصادية والطبقية تمنعها من إتخاذ حلول اقتصادية حقيقية لمصلحة المواطن التونسي والطبقات المُتوسطة والعاملة والفقيرة والمُهمشة في المجتمع التونسي ... وهذه الاحزاب لم تُقدم في الماضي ولن تُقدم في المُستقبل أي حلول للاسف لحل الازمة الاقتصادية المُتفاقمة سوى المُزايدات والخطابات والوعود الكلامية لاأكثر ولا أقل








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الرباط تحتضن اجتماعا إسبانيا مغربيا رفيع المستوى في الأول وا


.. الرئيس الجزائري يقوم بزيارة دولة إلى روسيا في مايو المقبل




.. روسيا ومصر تبحثان القضية الفلسطينية والتسوية الليبية وأزمة أ


.. تعرف على مميزات مدفعية سيزار الفرنسية المرسلة إلى أوكرانيا




.. من القدس.. وزير خارجية أمريكا يؤكد التزام بلاده الصارم بأمن