الحوار المتمدن - موبايل


*ظِلٌّ في الزُّقاقِ مُرعِبٌ*

علي الجنابي
كاتب

(Ali . El-ganabi)

2021 / 3 / 18
الادب والفن


حدَّثَنيَ المساءُ..
(جمالُ البيانِ أن يُصَيِّرَ من حَدَثٍ صغيرٍ وذليل، مقطوعةَ نثرٍ مُؤطَّرةً بطيفٍ من تراتيل، وليسَ ضرورةً للحدثِ أن يكون عظيمَ الشأن وفضيل، كي يرتقيَ به القلمُ كمرشدٍ لعبراتهِ ودليل) .
قبلَ نِصفِ قرنٍ من زَمنٍ وأزيدُ على النصف لفيفاً من نكهاتِ حججٍ دوّارةً تحيل ، لعلّهُ كان الزمانُ الأخيرِ لنكهاتِ ذاك الودِّ الأصيل.
وفي العاشرةِ ليلاً، وفي غشاوةِ الأمنِ تحت دفءِ ذلكُمُ الزمن الجميل،
كان الصبيُّ متَّكئاً بظهرهِ الى عمودِ نورٍ في زقاقِ حيِّهِ الطويل.
زقاقٌ ترابيٌّ حالكةٌ ظلمَتُهُ ماخلا قنديلَاً علا عمودَهُ، ثمَّ عموداً آخرَ بعيداً عن عمودِهِ بقليل.
العمودانِ نورُهما ناعسٌ، وكلٌّ يبثُّ بنورٍ منهُ لزقاقِ الحيِّ خجولٍ وضئيل،
لعلّ أتربةَ الزقاق أذهبت بريقَهما، فما أحدهما لنورِهِ بضنينٍ على الزقاقِ ولا بخيل،
بل هما صامدانِ بين أعمدةِ الزقاقِ الثّكلى بقناديلِها، فهذا عمودٌ ضريرٌ وذا عمودٌ آخرٌ مرتجفٌ نورُهُ وعليل،
وذاك عمودٌ مِعوَّجٌ عن صراطِ السلكِ المستقيم، وهناكَ عمودٌ كادَ أن ينتفضَ مُتمرِّدَاً على الصراطِ فيميل.
كانَ بصَرُ الصبيِّ شاخصاً لمجرَّةٍ من برغشٍ وهوامٍ دوّارةٍ في فمِ القنديلِ ،
منهمكةٍ في تفعيلٍ من سرعٍ ومناوراتٍ ولربما هو تسبيحٌ وتهليل.
وكانت نفسُهُ مطمئنَةٌ أنَّ المجرَّةَ لن تتمدَّدَ أفلاكَها فتهبطَ فتسقطَ على يافوخهِ كطيرٍ من أبابيل.
وما كانَ يزعجُهُ إلا رنينَ نقنقةٍ لضفدعٍ واحدٍ غَبيٍّ، أو لعلّه أنينُ عرعرةٍ لصرصورٍ سَبيٍّ.
قعدَ الصبيُّ ساعةً متسائلاً بدهشةٍ وذهولٍ عن تماوجِ مجرَّتِهِ بتسارعٍ عجيبٍ ودوام تعجيل!
وكيفَ تسنى لها أن لا تتناثرَ أو على أقلِّ حسبانٍ أن تستطيل؟
وكيفَ إنعدمَ الصدامُ بين كويكباتها، وذاك أمرٌ خارقٌ، بل يستحيل.
كان الصبيُّ مستغرقاً في تأمّلهِ كإستغراق أهلهِ خلفَ الجدارِ في حديقةِ الدارِ في نومٍ ثقيل.
فجأةً وفي لمحةٍ من بصرٍ ..
أطبقَ على الصبيِّ خطفاً وغلَّفَهُ ظلٌّ حالكٌ مكوَّرٌ مُرعِبٌ وعصيٌّ عن فهمٍ وتأويل.
صَعِقَ الصبيُّ، وتَيَبَّسَ النبضُ فيه، وإنحبسَ في فؤادهِ العويل،
بيدَ أنّ ظلَّ الشؤمَ ذاك غادرَ من فورِهِ رأسَ الصبيِّ دون أذىً أو تنكيل،
إذ كان الظلُّ ظلَّ الحاجِّ مُكوَّرَ الظهرِ جارنا " أبي عقيل"، إذ كان عائداً من مقهى الحيِّ، إثرَ سهرةٍ من سمرٍ ومن أقاويل.
لا تثريبَ على "أبي عقيل" وغفرَ له اللهُ العليُّ الجليل، فبصرُهُ لايرتَدُّ إليهِ كاشفاً له مافي دربِهِ من دخيل،
وما ظنناهُ تَنَبَهَ لأوقيةٍ من لحمٍ متأمِّلةٍ في ليلٍ بسبيل، مُلتَحِفَةٍ دشداشةً سمراء لونُها، لا زُخرفَ فيها ولا تكحيل، ولا لباسَ عورةٍ تحتها قطُّ، فما كان يسمحُ بلباسٍ في طياتها: مصرفُ أبيهِ والتمويل، ولا يقبلُ بنعلٍ يرافقها كخليلٍ وللأناقة تكميل، فالتمويلُ كان كافراً بالتنعيل.
هاهي عقودُ الدهرِ قد مرَّت خاطفةً بلا توقفٍ ولا إنتظارٍ ولا تعطيل..
ما نسيَ الصبيُّ الأوقيةُ اللحمِ المتأمِّلةُ في مجرَّةِ براغشِها ببهجةٍ وتفصيلٍ، في أحضانِ عمودِ النورِ ذاكَ تبتغي التأصيل،
مانسيَ ولن ينسى هولَ الصعقةِ من ظلٍّ غشيَها من ذلكمُ الشيخِ الكهيل، لأنّها لم تصعقَ -حتى هذه اللحظةِ- برعبٍ مثله في حلٍّ حلَّتْ به وفي ترحيل.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسرحية جورج خباز: غزل بالهوا الطلق مع حراسة مشددة ????????


.. المتحدة للخدمات الإعلامية توقف التعامل مع المخرج محمد سامي


.. صالات السينما في البحرين تعود للعمل بعد إغلاق دام أكثر من عا




.. بتوقيت مصر | اغنية انسي انسي | Rai-نا


.. Go Live - المنتج والمخرج ايلي معلوف