الحوار المتمدن - موبايل


الغزال شادي

عبد الرحمن علي

2021 / 3 / 19
الادب والفن


كان فيما مضى في غابة جميلة علي ضفاف نهر النيل، غزال صغير جميل اسمه "شادي".. تبدو في عينيه سمات وعلامات البراءة، وكان وجهه الصغير المتحفز بهجة ونضرة كل من رآي "شادي" فرح به واستبشر وهش له وبش..
ماتت أمه في وقت مبكر من حياته وهو لم يبرح مرحلة الرضاعة.. فتربي في حجر ابيه الوعل الطيب الحنون يحوطه ويخدمه ويبذل وسعه في تعويضه عن حنان الأم الذي فقده..
كان فقد الأم قد أحدث خوفا في نفسه، وكان كلما تركه الوعل ليحضر له طعاما شعر شادي أنه قد يمسي فريسة لأي حيوان مفترس.. وشاءت الأقدار أن يخرج أبوه ذات يوم ليأتيه بطعام ولكن هذه المرة طال غيابه.. وخاف شادي وتملكه الخوف وبلغ منه كل مبلغ، وبدأت خواطر الموت والإفتراس تراود خياله.. وبينما هو كذلك برتعد خوفا إذ مرت بجانبه مستعمرة من الأسود الضخمة تجر ثوراَ بريا أسودا طازجا صغيرا قد صادوه منذ لحظات قليلة وهو بعد لم يفارق الحياة وهو يخور ويستغيث..
أثر هذا المشهد في شادي تأثيرا عميق الغور، وازداد معه شعوره بالخطر، وفكر في طريقة للحصول علي القوة والأمان، وقرر قرارا غريبا وهو أن يكون أسدا !
وبالفعل، انطلق شادي مسرعا يقفز قفزات طويلة ويثب وثبات عالية تحمله بين طيور المحلقة في سماء الغابة كأنه يسبح بينهم، حتي وصل إلي عائلة الأسود ورأى صغارها الأشبال تلعب وتسرح وتمرح.. فاقترب منها في وجل وحذر بالغَين، ولما لمحوه انطلق الأشبال نحوه يريدون ان يلعبوا معه، فظن أنهم سيفترسونه فقفز للخلف مسرعا فلم يلحقوا به وابتعدوا كثيرا، ولكنه لاحظ أنهم يتساقطون ويتضاحكون وهم في طريقهم إليه فاطمئن وعلم أنهم شبعوا من لحم الثور فرجع إليهم وتحدث معهم، ومال قلبه إلي شبل قوي يافع اسمه "عنتر" ووجد فيه بغيته وشعر أنه إن صحبه فسوف تنتقل إليه صفات القوة والجرأة والبطش بالآخرين لكي يجتنب شرورهم.. هكذا كان عقله الصغير يفكر..
سأل شادي : لماذا لا تأكلون النباتات والحشائش مثلنا؟
فأجاب عنتر : هكذا خلقنا الله ونحن إن لم نأكل اللحوم نموت حتما في أيام قلائل..
وسار شادي مع عائلة الأسود ولزمها، وترك أباه يبحث عنه في كل مكان دون جدوي.. وصار شادي وعنتر شبلين صديقين كأخوين، وترك شادي أكل الحشائش والنباتات وتغيرت ملامحه وبنية جسمه، وأمسي يأكل اللحوم بنهم مع عائلة الأسود، بل واحترف صيد الغزلان ولم يعد يدرك أنه غزال، وصارت هيئته تشبه هيئة الأسود.. ولكنه من الداخل كان يشعر بعذاب نفسي أليم كونه غريبا عن نفسه، وكان كل يوم ينادي في داخله ذاته الحقيقية : أين أنت!
وذات يوم بعد أن انتقلت عائلة الأسود إلي غابة بعيدة نائية، شعر شادي بالجوع وقرر أن يخرج ليصيد غزالا كبيرا يكون افطارا له ولرفاقه.. وبينما هو يبحث عن فريسة في حذر، إذا بشبح وعل ضخم يقف وحيدا بعيدا، فاقترب منه شادي شيئا فشيئا حتي إذا شعر بالتمكن انقض عليه طائرا في الجو كالنسر.. ولكنه في تلك اللحظة اكتشف وهما يترائيان بعضهما البعض أن هذا الوعل هو أبوه!! فعرفه وأبوه لم يعرفه.. وكانت المفاجأة أن غرز قرن الوعل في صدر شادي فجرحه جرحا غائرا عميقا وسقط علي الأرض يصارع الآلام المبرحة وسط دهشة الوعل من هذا الكائن الغريب الشكل والهيئة، فليس هو بغزال وليس بأسد! وبينما هم كذلك إذ همس شادي بصوت ضعيف : أبي..!
الوعل : أنا أبوك؟ متي وكيف!!
شادي ودموعه تتساقط علي خديه الملطخة بالدماء: أنا شادي..!
وما أن سمع الوعل اسم ابنه حتي انكب عليه يبكي وينوح ويقبله ويقول له : لم فعلت في وفي نفسك هكذا.. لماذا!!
قال شادي : خفت أن يفترسني الأسود!
الوعل : لو أخبرتني لعلمتك مهارات السرعة والقفز والمناورة التي تنجيك من الأسود بسهولة، ثم إنك مادمت ضمن جماعة الغزلان فإن احتمال صيدك يكون ضعيفا جدا بخلاف ما لو كنت وحدك! انتظر هنا في الظل..
وانطلق الوعل مسرعا إلي حكيم الغزلان يسأله وصفة عشبيه لجرح عميق، فحمله بين فكيه وطار هو ومجموعة من زملائه عائدا نحو شادي مرة أخري.. وجعل يلثمه ويضمد جراحه وحملوه إلي مستعمرة الغزلان وأدخلوه كوخا آمنا ظليلا فيه عين ماء نقية باردة وطيور تصدح بصوت جميل.. وكان حكيم الغزلان يصف له الغذاء المناسب في هذه المرحلة حتي يعود الي حالته الطبيعية شيئا فشيئا.. ودارت بين الحكيم وبين شادي حوارات طويلة كل ليلة تحت ضوء القمر، علمه فيها أن لكل مخلوق جماله الخاص به كما خلقه الله، وأنه يجب علي كل نوع أن يكون كما هو عليه، فلا يتحول الأسد إلي غزال ولا الغزال إلي أسد.. ولكن ربما مررت أنت بهذه التجربة لكي تقوم برسالة معينة منوطة بك.. ولكن يجب أن تلاحظ أنك لم تشعر بالراحة إلا حين رجعت إلي حقيقتك كغزال جميل طيب مسالم.. وكان شادي يستشعر كلمات الحكيم تملأ قلبه وعقله وكيانه..
وكان تلاميذ الحكيم يأتونه كل يوم بطعامه ويجلسون معه يمازحونه ويتجاذبون أطراف الحديث إلي المساء..
وذات يوم شعر شادي بالشفاء والقدرة علي الخروج من الكوخ، وخرج بالفعل واستعاد قوته وصارت الأسود تهابه ولا تقرب القطيع اذا كان فيه شادي، وتزوج وأنجب غزالا يشبهه في صفاته الجميلة فقام بتعليمه كيفية الدفاع عن نفسه وعن اخوانه ضد ظلم وبطش الوحوش المفترسة..
نعم.. عاد شادي إلي طبيعته وفطرته ولكنه عاد هذه المرة قويا كما كان يحلم، ولكنه سخر قوته في الخير، وقام بتعليم الغزلان الأسرار العسكرية التي يستخدمها الأسود في خداع الفريسة، وبالفعل استفاد غزلان الغابات جميعا من تعاليم شادي الذي صار أجمل وأطيب غزلان الغابة جميعا، وعاش بينهم ينعم بالحب والسلام.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسرحية جورج خباز: أغنية -حَد تنين، شد منيح الإجرتين-


.. لحظة إصابة فنانة فلسطينية برصاص الجيش الإسرائيلي تثير غضب ال


.. مصر.. إجراءات مواجهة كورونا تعصف بأفلام العيد |#اقتصادكم




.. وفاة الفنانة نادية العراقية بعد إصابتها بفيروس كورونا


.. On Demand | الأفلام التي ستعرض في صالات السينما بمناسبة عيد