الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مأساة يغود - الجزء الثاني - الحلقة الأولى - الاستعمار الجديد

امال الحسين
كاتب وباحث.

(Lahoucine Amal)

2021 / 4 / 1
الادب والفن


عاشت بلاد يغود، طيلة سنتين، حرب التحرير، اضطرابات، مشاحنات، حملة السلاح بالجبال، السياسيون بالمدن، كل حسب هواه، الفرنسيون والإسبانيون مرعوبون، الشعب يحتفل، تمت المؤامرة، الهتاف بالشوارع، سي موحند بالمنفى، لم يعجبه الأمر، خبر جيدا، حرب التحرير الشعبية، بالفيتنام، بشمال إفريقيا، بالأوراس، يعرف أنه استقلال زائف، من أجل فصل الثورتين، بمراكش والجزائر، أرسل من ينبه الريفيين، يحثهم على رفضه، العسكري حدو الريفي، أول من حمل السلام، أطلق الطلقة الأولى بجبال الأوراس، المقاوم عباس العطاوي، يرفض وضع السلاح.
القاضي بالزاوي، كانت فرحته عارمة، اجتمع مع أصدقائه، بعد فراق غير طويل، قضوا سنوات بعيدا عن الزاوية، رجعوا فخورين، كما يعتقدون، شاركوا في تحرير بلاد يغود: يغودا، مولود يشك في كل شيء، لا يثق في أقوالهم، خبر مناورات الشيوخ، القاضي، مسألة الأرض علمته الكثير، فهم باكرا أنه استقلال زائف، ينصت إلى أحاديثهم، لا يثق بها كثيرا، يواجههم: أما مسألة الأرض ؟ والقاضي ؟ يستهزئ منهم، يقول لهم : هيئوا المناجل، استعدوا لحصد الحرية والديمقراطية !
كانت تساؤلاته ترهقهم، عن الخونة، مصيرهم، القاضي، هل ينصفه ؟ ذهب الباشا، الحاج حمادي، الشاوش حمادي، بقي القاضي بمكتبه، يزوره، يسأله عن مسألة الأرض ؟ يجلس مع أصدقائه، صاحبه العسكري يفهم جيدا اللعبة، كان يراقب المكالمات الهاتفية، يفهم لغة المستعمر، مناوراته، يتحدث إلى مولود، يؤكد له أن الاستعمار مستمر، الخونة محميون، السياسيون يناورون، صديقهم حماد، بقي بالدار البيضاء، يتابع تطورات الوضع، في مكالماته مع العسكري، يخبرهم: الوضع لا يبشر بالخير، القصر مفتوح، جيش التحرير ينظم عمليات التمشيط، القبض على القواد الخونة، يصادر ممتلكاتهم، يقودهم إلى المقصلة، يرميهم بالصحراء.
لا يطمئن مولود لما يدور حوله، الزاوية كما هي، شيخها، عبيدها، نفس علاقات العبودية، تجارته مزدهرة، تصل الحافلة كل يوم من مراكش، تحمل أخبار المقاومة، السياسيون نشطون، القاضي يتحرك، التجمعات تقام، الوفود قادمة من كل المناطق، تبارك الاستقلال للقاضي، مر جيش التحرير هنا، بالزاوية، طمأن الجميع، في اتجاه الصحراء.
كل ما يشغل مولود هو الأرض، أرض الأجداد، يعرف أن القاضي لن ينصفه، اشترى بقعة أرضية، شرع في بنائها، يرى في الاستقرار بالزاوية خلاصا، اختار العيش فيها، بعيدا عن أرض الأجداد، أرض تم اغتصابها، يرى صديقه العسكرية، بسيارته، يحركها، يركب معه أصدقاؤه، فرحين، يمتلكهم وهم الاستقلال.
يقف سي حمد، أمام الدكان، يرحب به مولود، صديقه الوحيد الذي يرتاح له، مناضل خبر السجن، الأعمال الشاقة، الإهانة، يستهزئ من المندفعين، زوار شارع الفداء، وصلوا من هناك، حلوا بالزاوية، قالوا: انتصرنا.
يهتفون : رجع السلطان، رجع السلطان، يقيمون الحفلات، يضربون الأخماس في الأسداد، يجمعون الحصيلة، لا يفهمون معنى الاستعمار الجديد، الاستعمار بأيادي جديدة، من صلب هذا الوطن، يستهزئ منهم سي حمد.
يتصورون أنفسهم مقاومين، نسوا أن سي حمد معتقل سياسي، رفض الولاء للقبطان، ممثل المقيم العام، واجهه بكل جرأة، في محاكمة علنية، واجهه بفضح سياسة المستعمر، لم يستسغ جرأته، نطق بحكم جائر، سبع سنوات مع الأعمال الشاقة، لم يرضخ بقي صامدا، صاحب مبادئ، قيل متمها بقليل، رجع السلطان، الكل يهتف بالاستقلال، خرج منهوك الجسم، اليوم في صحة جيدة، ينظر إلى أمرهم باستهزاء.
المندفعون، بسفرهم إلى الدار البيضاء، يعتقدون أنهم حملوا لواء المقاومة، صنعوا بعض الخرافات: وضعنا المسدس في قفة الخضر، مررنا بشارع الفداء، أمام أعين البوليس الفرنسي.
كان ابن شيخ الزاوية، الموظف بالقيادة، يقول لهم :
ـ إن رجع السلطان أضع شيشية اليهودي على رأسي !
لم ينس أصحابه، قولته هذه، حملوا الشيشية إليه، قدموها له أمام باب منزله، سخروا منه، لكنهم لم يعرفون سرا، إنه استقلال زائف فقط، في الأخير أصبحوا كلهم أعوان القائد، شحاذون، ينقلون الأخبار الزائف، وشاة، يبلغون بالمقاومين، السياسيين، كل من يرفض التعاون مع القائد.
تحولت الحركة الوطنية، جيش التحرير بالبوادي، المقاومة بالمدن، العمال والفلاحون، أصبحت عدو النظام الجديد، بعدما طالبت برجوع السلطان، استمرت المقاومة بالجنوب، مر جيش التحرير بالزاوية، أحدهم، سي لحسن، زار فقيه البلدة، زار القاضي، لم يجرؤ القاضي على مواجهته، كعادته، أصبح سي لحسن من حملة السلاح، من الاعتقال في انتفاضة 51، ضد بيعة بن عرفة، ضد الكلاوي، إلى جيش التحرير، حضر بالزاوية، بعد غياب بالمنفى، بالشمال، بعد هروبه من معسكر الأعمال الشاقة، بطريق أوناين مراكش.
رجع حاملا لواء جيش التحرير، من أصدقاء مولود، زاره، عانقه بحرارة، سأله مولود عن السلطة الجديدة، أجاب: نحن في جيش التحرير، نستكمل استقلال المغرب، بالسلاح، في اتجاه الصحراء، إلى تحرير الجزائر، نعتقل الخونة، قواد الكلاوي، خدام الاستعمار.
مروا بأولوز، بإوزيون، بلدة مولود، اعتقلوا القائدين، إلى جانب آخرين بتازناخت وتالوين، كل واحد في كيس، صادروا أموالهم، الذهب، الفضة، حملوهم إلى فيافي الصحراء، رموهم هناك، لم ينج منهم إلا اثنين وابن قائد أولوز، سي محمد المرابط، نجى، رجع إلى تالوين، عانق القائد
يمرون على مولود، بدكانه، يشترون بعض المواد الغذائية، في اتجاه بيت صاحبهم، بن حمو، الفكاهي، يصور لهم الحكم الجديد، في ظل الاستقلال المشبوه، اتصل به القاضي، يخبره بالجديد، حفل الولاء بالرباط، يبحث عن مرافقين له، يستعد للمشاركة في السلطة، لا يدري أن وضعه سيتغير، قصة القاضي/القيادة، لها نكهة خاصة، مليئة بالفكاهة، الهزل والمأساة.
مر وفد القاضي بدكان مولود، سألهم عن حالهم، أخبروه أنهم مسافرون، في اتجاه الرباط، يتهيئون بزيهم الجديد، سألهم والقاضي ؟ قهقه وهمهم كعادته، اشتروا أحذية جديدة، بلغة صفراء، انصرفوا، التحقوا بدار القاضي، في اليوم الموالي، استقالوا سيارته، التحقوا بالوفود بالرباط، أمام القصر قابعون، قضوا ليلتهم، في الصباح الباكر، يعج المشوار بالوافدين من المناطق، تمت البيعة، تم تنصيب الملك الجديد، على عرشه، بداية الاستعمار الجديد.
أهل الزاوية ينتظرون، أخبار الرباط، لم تصل بعد، القاضي، رئيس الوفد، غاب عن الوفد، غادر المكان دون أن يعرفوا مصيره، في المساء، جاءهم، تغيرت ملامحه، ذهب بلحيته، لحية الفقيه، رجع بدون لحية، بلا جلباب.
ـ سأله أحدهم: ماذا جرى يا فقيه ؟
ـ أجابه: تم مسخنا !
رغم موقفه هذا، مستعد للقيام بمهام السلطة، ارتدى اللباس العسكري، من قاضي إلى قائد، تمت ترقيته، مستعد لذلك، كان من بين السياسيين بالزاوية، أسسوا فرع الحزب، منذ 10 سنوات، اليوم أصبح أحد رجال السلطة !
شاع الخبر بالزاوية، القاضي أصبح قائدا، يتلقى التهاني، الوفود قادمة من كل مكان، دخل عليه صاحبه، بن حمو، يستهزئ، ببساطته المعهودة، يحاول الاستخفاف من مكانته، بشكل فكاهي، قاطعه القائد، أمره بالجلوس.
قال له: نحن قد تم مسخنا !
لا مفر، علينا بخدمة السلطان، أقسمنا أمامه، ليس لدي صديق بعد اليوم، مكتبي مفتوح للجميع، ممنوع ممارسة السياسة، ندعم حزب القصر، سياسة القصر، السلطة الجديدة، أنا أبحث عن معاونين، جميع السياسيين أعرفهم، لا أثق بهم.
إسمع يا بن حمو، أقترحك عونا لي، مقدم الزاوية !
لا أريد أن تستمر سياسة المقاومة، أعرف عنها كل شاذة وفادة، أعرفهم جميعا، طموحاتهم، يجب أن تستمر العبودية بالزاوية، أن تتوقف الممارسة السياسية، سكتانة يحاصروننا، لا ثقة فيهم، يملكون المال والسلاح، يناورون، لديهم نفوذ بالدار البيضاء، في المقاومة وجيش التحرير، يجب أن أقطع هذا الحبل، نحن وراء السلطان، لا سياسة بعد سياسة السلطان، وقع معاهدة جديدة مع فرنسا، تبادل المصالح بين الدولتين، حماية جديدة للسلطان، فكرة المقاومة يجب أن تتوقف.
أريدك يا بن حمو، أن تكون عونا لي، عون سلطة، أعرفك، إنسان لطيف، شاهدت ما جرى بالدار البيضاء، عليك أن تستفيد الآن، لا مجال للهزل بعد اليوم، لقد تحملنا المسئولية.
السلطة تغير الأشخاص، هكذا استنتج بن حمو، الأمر صعب، رأى في قاضي البارحة رجلا آخر، تغيرت لهجته بين عشية وضحاها، لم يستطع رفض طلب صاحبه، كيف لا وهو رجل سلطة، يجب أن يتقي شره، لا مفر من الاستجابة لطلبه، يرتبك، الموقف لا يصلح معه هزل، تم القطع مع الفكاهة، مرحلة جديدة تبدأ.
عون السلطة، مهمة صعبة، مراقبة الآخرين، حتى الأصدقاء، مصيره مجهول، ما عليه إلا أن وافق، خرج من مكتب القائد، في اتجاه الزاوية، يفكر في الأمر، دخل إلى البيت، يتناول الطعام، وجبة كسكس يوم الجمعة، من أيدي زوجته المحترمة، يحترمها كثيرا، بأسلوبه الفكاهي يناقشها، لا يرفض لها طلب، نظرت إليه، خاطبته:
تبدو ملامحك متغيرة، ماذا وقع ؟ لم أعهد منك هذا الصمت، قل لي ماذا جرى ؟ ما أخبار المقاومة ؟ ما أخبار حماد المقاوم ؟ ما أخبار الدار البيضاء ؟
يجيبها محاولا التخفيف من حيرتها:
أخباري أبلغ من أخبارهم، لقد تم الأمر، أصبحت مهما بالزاوية، الكل سيحترمني، أنا عون قائد تالوين !
حماد السياسي، صديق مولود، المناضل الوحيد، يفهم ما يجري حوله، كل المتحلقين حوله، عابرو سبيل، مناضل بالحزب، الحزب له علاقة بالقصر، يعمل في ظل شرعية السلطان، حماد، يتحدث عن صديقه، المكلف بالعلاقة مع القصر، تم اكتشافه من طرف البوليس السياسي الفرنسي، سي عبد الله، تم اقتياده من الرباط إلى قريته بالأطلس الصغير، يمشي على رجليه، الحارس على جواده الأسود.
دخل قريته، ينظر إليه الفلاحون الفقراء، يعطفون عليه، لا يعرفون ماذا حل به، يعرفونه وطنيا مقاوما، رجع منهك القوى، لا يقوى على المشي، مكث بدار أجداده مدة طويلة، استرجع قواه، لم يتحدث معهم، عرف جيدا أن هناك من يتابعه، يستقصي أخباره، يسأل عنه القبطان، يتوصل خليفة الكلاوي بأخباره يوميا، يخرج للمسجد أثناء الصلاة، يرجع إلى بيته، في فجر يوم ربيع، غاب عن الصلاة، الكل يتساءل عن غيابه، لم يجدوا له جواب، التحق خفية بالمقاومة.
التحق بأنفا، هناك سياسيون يقاومون، تحت راية الحزب، يتبادلون أخبار المقاومة المسلحة، نفي السلطان، إعدام المقاومين الأسرى، مجزرة الدار البيضاء، يتحدث إلى صاحبه بن حمو، يخبره ببعض الأحداث، عن جيش التحرير، عن إيكس لبان، طريق المؤامرة، حزبي، وفي للحزب، يعتقد أن ذلك طريق الخلاص، النضال السياسي، في العلاقة بالقصر.
المندفعون لا يفهمون معنى السياسة، رجعوا إلى الزاوية فرحين، معتقدين أنهم شاركوا في المقاومة.
مولود مشغول بمسألة الأرض، كل أقوال المندفعين، لا تهمه، حصل على بعض حقوقه الشغلية، ضمن جزئيا مصيره، تعاطى التجارة، رأى فيها طريقا للخلاص، وفر مأمنا له، لأسرته، بعض أصدقائه، من بينهم صاحبه محمد السياسي، شريكه السابق في التجارة، محمد السياسي، ليس في درجة حماد، لكنه لعب دورا كبيرا في الحزب، وسع خريطته بالجنوب، إلى حدود الصحراء، يجد في دكان مولود، ملجأ آمنا، مخبأ لوثائقه، موردا ماليا، من أرباح التجارة.
يستهزئ سي حمد من أقوال المقاومين، هو معتقل سياسي، وجد بين مولود ومحمد السياسي، مكانة لائقة به، يتفهم الاثنين وضعه، تجربته بالسجن، علمته الكثير، معنى المقاومة، التحدي، لا المندفعون، لا المتحزبون، لا القاضي، رئيسهم، يجرؤون على رفع أصواتهم أمامه، لما واجه المعمر، كلهم اختفوا، لم يجد أمامه بعد إطلاق سراحه، سوى هذين الاثنين، مولود ومحمد، سي حمد يهاجم المستعمر، طولا وعرضا، يفضح أسرار الاستعمار الجديد.
القائد يدعم الحزب، يدعم الموالين له، يحارب المعارضين، في حلف القائد، يوجد مجموعة من التجار، ورثة رأسمال الاستعمار، نصبوا أنفسهم سياسيين، مقاومين، كل ما يهمهم، جمع المال، استغلال العبيد، التجار، شيوخ الزاوية، من حلفاء القائد، كلما يزعج القائد، سلاح الفلاحين، يستقبل الشيوخ الخونة، خدام الكلاوي، المتآمرون على الشيخ الشهم، كلهم بجانب القائد، يأمرهم:
ـ أريد إحصاء الأسلحة.
أريد جمعها.
ـ المقاومة انتهت، السلطان على عرشه، فليتطوع الجميع.
رغم وجود السوق، المركز التجاري الأسبوعي، سويقة الزاوية نشيطة، مركز كل شيء، السلطة، السياسة، الثقافة، المدرسة العتيقة، التجارة، المخابرات الجديدة، يمولها القائد.
في سابقة لا مثيل لها، تم جمع الأسلحة، أمام دكان التاجر السياسي، الحزبي، حليف القائد، المكان يعج بحملة السلاح، يضعون أسلحتكم، يتربص بها بعض الأعوان، بعد جمعه، تم تجريد البنادق من الحلي، الفضة والنحاس، مصدر آخر لاغتناء التاجر، حليف القائد، شاحنتين من السلاح، كما يروج من حظروا المشهد، من بينهم مولود، جالس بدكانه يستهزئ، ينظر إلى الفلاحين باحتقار، كانت ذلك آخر مسمار في نعش حريتهم، انتشر الجواسيس بالدواوير والقرى، الكل في خدمة القائد.
سي حمد، مولود، محمد السياسي، ينظرون إلى هذا الفعل باستهزاء، يعرفون أن المؤامرة بدأت بالتنفيذ: تجريد الفلاحين من السلاح، طريق لاستعبادهم.
توسعت دائرة التحالف الطبقي، قام القائد بدعم الشيوخ والأعياد، بدعم تجارتهم بالسوق الأسبوعي، المركز التجاري الوحيد يتشكل، تحولت كل العمليات التجارة إليه، محطة الحافلة هناك، المقاهي تفتح، فتحت جور بائعات الهوى، نشطت تجارة ماء الحياة، نشطت تجارة بيريس اليهودي.
التجار نشيطون، بدعم من القائد، من أجل اتقاء شرهم، خبرهم في عهد الكلاوي، يتربصون بأعوان السلطة، كلما يهمهم، نجاح تجارتهم، الربح السريع، الكل يتعاطى التجارة، تعلموها من اليهود، في العلاقة بمراكش، تم فتح الأبواب أمامهم، حتى تبقى السياسة في يد القائد، الزاوية مركز السياسة والثقافة، كما يحلو له أن يسميها، مع صاحبه التاجر السياسي، في اجتماع بينهما، لتسخير السياسة والثقافة، من أجل خدمة السلطة، تحولت فكرة المقاومة، اليوم السلطة فوق الجميع، شخصان يتربصان بمصير الفلاحين، القائد والتاجر السياسي، على غرار نتائج إيكس لبان.
مولود لم يرتح له بال، خبر القاضي، في مسألة الأرض، كان ينتظر الخلاص، بعد انتشار فكرة المقاومة، تحولت الأمور أمامه، كل شيء يدور حول السلطة، حول القائد، الجواسيس منتشرون، الخونة أصبحوا مقاومين، كل يوم يمر، يتأكد من ابتعاد الخلاص، فكرة الأرض لم تعد تهمه كثيرا، كل ما يهمه، بناء منزله، على أرضه التي اشتراها، من ماله الخاص، العدل لم يحرر بعد عقد البيع، يتربص بهذه الأرض، أكيد أن العدل مدفوع، القائد لم يكن بعيدا عن هذا الأمر، كلما سأل العدل عن العقد، صنع له عذرا، بدأت الأمور تتطور نحو الأسوأ، حتى الأرض التي اشتراها، أصبحت تحت المؤامرة.
يفتح الموضوع مع صاحبه، سي محمد السياسي، يؤكد له أن العدل غير جاد، أن القائد متحكم في كل شيء، لن يغفر له صرخاته في وجهه يوم كان قاضيا، في جلساته مع خصومه، أمام الملأ، القائد يراقب كل المقربين من السياسيين، يعرف أن مولود في علاقة مع حماد، سي حمد، العسكري ومحمد السياسي، مجموعة لا يرتاح لها القائد.
مجموعة أصدقاء مولود، لعبت دورا كبيرا، في دعمه، معنوا، رفع معنوياته، اقتداء بطريقهم، صاحبه محمد السياسي ملتزم بالحزب، يزوده بالجرائد، الأحداث السياسية، يسافر كثيرا، يساهم في التبادل الثقافي، بين المدينة: الدار البيضاء، والبادية: بعض قرى تالوين، يساعد مولود، في عدة قضايا تهمه، سي حمد المعتقل السياسي، العسكري ذو ثقافة فرنسية، موظف بالبريد، تقني، ابنه يتالع دراسته، بثانوية ورزازات، صديقه حماد مستقر بالدار البيضاء، يزوره في العطل، كل هذه العلاقات بتنوعها، اختلافها، رواج تجارته، جعله يتناسى قضية الأرض، كل ما يهمه مستقبل أطفاله.
تطرح عليه مسألة جديدة، بناء منزل، الخروج من عبء الكراء، يؤرقه، شرع في أشغال البناء، رغم أن العدل، مازال يناوره، نبهه صاحبة محمد السياسي:
ـ عليك بحيازة الملك.
حاول القائد محاصرته، انتقاما من انخراطه في الحزب الجديد، حذر عمال الزاوية، عدم الاشتغال في ورشه، لكن علاقته بزبائنه، كسرت هذا الحصار، عمال خارج الزاوية، ملتزمون بالعمل معه، القائد يطلق لسانه المعروف، لم يستطع التأثير عليهم، يهينهم، يطلق عليهم لقبه المعروف، احتقارا لهم وانتقاما منهم:
ـ "أيت موسى أغيول".
كان مولود يحلم، كجميع الثوار، يحلم كثيرا، مسألة الأرض تؤرقه، كانت زيارة صديقه، سي لحسن، للزاوية، شفاء لنكسته، فقد الأمل، بعد هرولة المندفعين، إلى أحضان السلطة، أصبح أحد أصدقائه عون القائد، تحلق جل السياسيين حول القائد، وجد في سي لحسن، ما يشفي غليله، مازال هناك من يحمل السلاح، من يؤمن بالثورة، أما الحزبيون، جلهم خونة قضية الأرض، قضية الوطن، في نظر مولود.
مولود، يجلس بدكانه، يشاهد ما يدور بدكان التاجر السياسي، دخول، خروج، من منزله، إلى منزله، منزله مفتوح ليل نهار، زواره من الحزبيين، التجار اليهود، تجار إسكتان، العدول، المستعبدون، المستعبدات، المتملقون، المتسولون، جميع أصناف الخونة، كل حسب مصلحته، تجمعهم شعار واحد : الاستقلال رجع السلطان.
نشر القائد جواسيسه بالزاوية، بجميع مناطق تالوين، غراف دقيق وكوز زيت، لكل واحد، من إعانات أمريكا، حتى النساء استخدمهن، الاستخبارات أساسية في السلطة.
يرى مولود هذه المشاهد، تدور أمامه، يرى فيها تمويها لقضيته، قضية الأرض، كل أحلامه قد تبخرت، يمر عليه زبائنه، لا يكثر معهم الكلام، البيع والشراء فقط، قليل من الكلام، جلهم خارج الزاوية، بعضهم يحتقرهم القائد، يطلق عليهم أوصاف شائنة، منذ كان قاضيا، كان يحتقرهم، يرى فيهم عونا لدكان مولود، لتجارته، لأفكاره، مبادئه، مواقفه، لا يجب أن يستمر ذلك العون، يريد عزله، يرى في دكانه خطرا على سياساته.
تحول الصراع لدى مولود، من قضية الأرض مع القاضي، إلى القضية السياسية مع القائد، نفس الشخص، من المحكمة إلى السلطة، زاره صديقة حماد السياسي، بعد لقائه مع التاجر السياسي، وجده يدعم القائد، هو مسئول عن الحزب، بالزاوية والمنطقة، أخبر مولود قال له:
ـ المقاومة تم تحريفها.
حذره من التاجر السياسي، أن لا يثق به، أن يتقي شره، أن لا يشعر عداءه للقائد، أن لا ينخرط في حزبه.
مر عليه سريعا، ودعه، مر بدواره، دوار باحمد، سهر مولود، رافق زوجته وابنه الوحيد، إلى الدار البيضاء، سياسي، حزبي، نقل الوثائق السياسية إلى الجنوب، أيام المقاومة، خبر القاضي، الزاوية، خبر علاقة القاضي بالحزب، في علاقته بالتاجر السياسي، خبر القادة السياسيين عن قرب بالدار البيضاء، اطلع على أسرار المقاومة والحزب، شارك في إخفاء المقاومين، طارده البوليس السياسي الفرنسي، نقل زوجته وابنه إلى قريته، رافقهما معه.
اليوم اكتملت اللعبة السياسية، استقر بالدار البيضاء، أوقف أنشطته الحزبية، اكتفى بعمله في جمعية الأعمال الاجتماعية لموظفي الجماعة.
رغم كل ذلك، مولود لم يستطع الابتعاد عن السياسة، جره الصراع مع القاضي، ثم القائد، إلى إشعار سيف السياسة ضد السلطة، عمل بنصائح حماد السياسي، لكن لم يتنازل عن الممارسة السياسية، وطد علاقته بصديقه العسكري، الذي يزوره يوميا، يمده ببعض أخبار الإدارة، التي يستقيها من المكالمات الهاتفية، حيث يشرف على الهاتف، مولود مستمر في تتبع الأحداث، العسكري من الأوائل الذين يملكون المذياع، يجلسان معا حول هذه الآلة العجيبة، يتابعان أخبار المقومة بالجزائر، فلسطين، الفيتنام، كوبا، يتابعان أخبار المقاومة، بالشمال والجنوب، انتفاضة الريف.
مولود ينخرط في الحزب، بعد انشقاقه حزب القائد، أصبح عضو ا.و.ق.ش، وجد فيه ضالته، موقع سياسي للصراع ضد السلطة، من أجل الحق في الأرض، زاره صاحبه سي لحسن، رجع من الصحراء لزيارة عائلته، انسحب من المقاومة، التحاقه بجيش السلطان، انسحب منه أيضا، يشتغل بالتجارة بالمدينة، انسحب من الحزب، التحق بالحزب الجديد، وجد مولود في كل هذه الأحداث، مؤشرا لنجاحه في قضية الأرض، في صراعه مع السلطة.
مولود السياسي، في صف المعارضة، رأى في حكومتها، مؤشرا آخر، اعتقد أن طريق الخلاص قد انفتح، الحديث عن "الإصلاح الزراعي"، مشروع الفلاحين، الحق في الأرض، لكن سرعان ما تبخر حلمه، لم يستمر كثيرا، بعد تصفية جيش التحرير بالجنوب، قمع انتفاضة الريف، زلزال أكادير العنيف، في علاقته بهذه الأحداث، بالحكومة الجديدة، بالمضاربات العقارية، الفساد الإداري والمالي، حل حكومة المعارضة.
مر جيش التحرير بالقصبة، الكلاوي يغادر تالوين، تحولت القصبة إلى فرع المعهد الإسلامي، كما سماه المختار السوسي، بعد اختلافه مع "علماء فاس"، قام بجولة حول المدارس العتيقة، بسوس، زار مدرسة الزاوية، تكركوست، زار مكتبتها، زار دار الكناش، خبر القاضي، العدول المتحلقين حوله، أعلن خوفه على مصير المكتبة، تحقق تخوفه، سرقت جميع الكتب.
أسس جمعية "علماء سوس"، في مواجهة "علماء فاس"، أسس المعهد الإسلامي بتارودانت، سعيا لتطوير المدارس العتيقة، بسوس، لا يثق برواد دار الكناش، القائد يزعجه فرع المعهد بالقصبة، لم يعارضه، لكنه يرى فيه خطرا على السلطة، منارة للتنوير، الفرع بالقصبة، له دلالة، سقوط رمز الإقطاع، بزوغ منارة العلم، دلالة تاريخية، سياسية، ثقافية، إعلان سقوط الزاوية، مدرستها، سلطة شيوخها، القائد والتاجر السياسي، في حيرة، عامل جديد، يضيء الطريق، يعرقل مشروعهما السياسي: سيطرة السلطة على السياسة والمجتمع.
القائد يكشر عن أنيابه، يراقب طلبة المعهد، يتابع الاتحادين، يعلن الحرب ضدهم، لم يبق أمام مولود إلا الصمود، النضال السياسي، المواجهة.
فرع المعهد بالقصبة، يتم تمويله، بتبرعات التجار والفلاحين، استقلالية مالية، عامل إيجابي، قد يتحول إلى ضده، القائد والتاجر السياسي، يتحكمان في التمويل، العدول طرف مهم في التمويل، موالون للقائد، تجار الزعفران، الفلاحون، موالون للتاجر السياسي، الحزب سند للسلطة، بين السياسة والسلطة، التحكم في الاقتصاد والثقافة، الضبط الاجتماعي، القائد يراقب الطلبة.
إلى جانب المعهد، تأتي المدرسة النظامية، أسسها الفرنسيون، استفاد منها تلاميذ الزاوية، يتنقلون بين تالوين وورزازات، معقل الكلاوي، جل الطلبة، اندمجوا في التعليم والصحة، مولود يرى في التعليم، خلاصا من الجهل، ارتقاء اجتماعي، يضعه أمام أعينه، التجارة أولا، تعليم أطفاله ثانيا، كان أبوه فقيها، حج، تعلق مولود بمسجد الزاوية، يرفع الآذان كل يوم، يهتم بالمسيد، يمر به أولاده قبل المدرسة، عرف تقليدي بالبوادي والمدن، أول أطفال مولود، يلج المدرسة، يرى في ذلك تحقيقا لأول أحلامه.
حاول القائد عرقلة ورش مولود، أثر على أحد الطلبة، بثانوية ورزازات، من الزاوية، أحد أقرباء السيدة، التي باعت له القطعة الأرضية، سجل الطالب، شكاية ضده، ينازعه في الملكية، الرجوع مرة ثانية إلى المحكمة، رغم ذلك، استمر في أشغال البناء، أول ما بناه، دكان يتسع لتجارته، ازدهرت تجارته، فتح الدكان الجديد.
ازداد غيض القائد، خرج بسيارته، لوندروفير، مع سائقه، توقف أمام الدكان، أمر مولود بإغلاق الدكان، أغلقه، اتصل بمحمد السياسي، كان غيض القائد قد فاض، لما علم أنه ربح القضية ابتدائيا بورزازات، وأن أطوارها استئنافيا بمراكش قد بدأت، كان لعلاقة محمد السياسي، مع محامي الحزب، دور كبير في ربح القضية، اتصل بالمحامي، استشاره حول تعسف القائد، أمره المحامي بالتصريح بالضريبة، مناسبة أخرى لزيارة مراكش، أصبحت تجارته قانونية، صرح بالضريبة، فتح دكانه، فاجأ القائد، لما قدم له وثائقه القانونية.
رجع من مراكش مطمئنا، أخبره المحامي، فرصة ربح القضية قوية، استكمل أشغال البناء، زاره صاحبه اليعقوبي، بورشه، لم يتقبل حجم أشغال الورش، يستهزئ من مولود قائلا:
ـ كنت أعتقد أنك ستبني "قبر الدنيا"، إذا بك تريد بناء قصر، أعتقد أنك قد عثر على كنز.
قصة افتراقهما، مازالت تؤرقه، اليعقوبي يعتقد أن تجارة مولود، لن تنجح بدونه، هكذا حال أهل الزاوية، يحبون استغلال الآخرين، يعتمدون على المستعبدين، يعتقدون أن الناس، جميعهم خدامهم، بشر من نوع آخر، رغم ذلك، مولود لا يكن له عداء، ليس من شيمه ذلك، يتخذ الموقف، دون حقد، صارم في مواقفه، لكن يعتبر العلاقة التجارية لا تدخل في المواقف، رغم موقفه من اليعقوبي، مازالا مستمران في علاقتهما التجارية، كما العلاقة السياسية، داخل الحزب الجديد، شكلا معا قطب سياسي، ضد قطب التاجر السياسي، الاتحاد ضد الاستقلال، أصبح دكانه، مقر لقاء منخرطي الحزب، مسرح آخر للصراع ضد القائد.
دخل إلى دكانه، سي عبد الله، المقاوم الفذ، يرتشف سيجارته، من نوع كازا، شاربه منفلوطي، وقف مولود، عانقه، ضحكا معا، الفلاح السياسي، صارم في علاقاته، اتحادي، سأله مولود، عن حال الرفاق، عن الحزب، عن سقوط الحكومة، عن الوضع، عن جيش التحرير بالجنوب، عن موت السلطان، عن الثورة الجزائرية، سي عبد الله، صديق آخر، خبر الاعتقال، المنفى، المقاومة، خبير سياسي، في كلمة واحدة، أعطى خلاصة الوضع السياسي:
ـ مؤامرة إيكس لبان، تم بيع القضية.
تمت تصفية جيش التحرير، نحن بحاجة إلى التحرير من جديد، تم حل الحكومة، تحكم القصر في الوضع السياسي، المناضلون مراقبون، حملة السلاح متابعون، تمت تصفية قائد جيش التحرير، عباس العسكري، لم يبق هناك من يقود الجيش، القائد محمد بن عبد الكريم، بالقاهرة، يتابع حرب التحرير الجزائرية، تصفية الاستعمار الفرنسي، بعد الطلقة الأولي، بجبال الأوراس، من طرف الكولونيل حدو، انطلقت الثورة، وصلت أوجها، الحكومة المؤقتة بتونس، الحرب تشتد أوزارها، تم فصل الجيشين، المغربي والجزائي، الكولونيا حدو بالريف، حمل رسالة القائد من القاهرة، تم اختطافه، إعدامه، كلها مؤشرات المؤامرة، يبقى الاتحاد في الواجهة، مات السلطان طلع.
السلطان الجديد أكثر شراسة، تعلم من سحق انتفاضة الريف، التي تعتبر الثانية، بعد معركة أنوال، سحقها بالحديد والنار، كما سحق انتفاضة قصر السوق، الاغتيالات، الاعتقالات، المحاكمات، الاعدامات، السجون، كل ذلك من أجل السلطة، الاستعمار مازال بقواعده جاثما، مخابراته تراقب الوضع، تدعم السلطان، لم يبق إلا بعض الثغور، بعض حملة السلاح، من المقاومة وجيش التحرير، السياسيون يرتعدون، جلهم ينتظر دوره، تنصيب حكومة السلطان، دليل على تحكم القصر في الوضع السياسي، قطع الطريق على دعم ثورة الجزائر، الحدود مشددة، حرب التحرير بالجارة تشتد، حرب المليون شهيد.
يتأكد مولود، يوما عن يوم، أن الثورة فشلت، أن النضال يجب أن يستمر، في اتجاه بناء أسرته، تربية أبنائه، محمد، حسون، ابراهيم، الأول بالمدرسة، الثاني مستمع، يرافق أخاه، دون سن الدراسة، المعلم الشمالي، صديق مولود، يزوره بدكانه، يستشيره، عن مستقبلهم، مستقبل حسون، ذي الخمس سنوات، خرج في اتجاه المدرسة، التقى رجلا يبكي، عزاء، إنه السلطان، مات السلطان، يشاهد القائد، بجلبابه، يمشي مسرعا، تقدم التلاميذ للسلام عليه، كما يفعلون لما يصادفونه في الطريق، لا يتوقف، في اتجاه القيادة.
يمشي في هيئة فقيه، القائد في هيئة قاضي، يسلم عليه حسون، كباقي التلاميذ، لا يعرف أن القائد، عدو مولود، لحسن حظه لم يشاهده يقبل يده، يد العدو، نزل خبر موت السلطان، بالزاوية، عم الخبر، الرجل يسير في الطريف، يبكي، يسأله المارة، يجيبهم :
ـ مات السلطان، مات السلطان.
سي حمد، المعتقل السياسي، يدخل إلى دكان مولود، يسأله مولود باستهزاء، عن الحدث، عن موت السلطان، يرد عليه قائلا:
ـ مات السلطان وصعد السلطان.
يضحك سي عبد الله، يرد عليه وهو يرتشف سيجارته :
ـ ما فات أهون مما هو آت، المقاومة يجب أن تستمر، ما دام الاستعمار مستمر.
مولود يتأكد من جديد، أن النضال مستمر، ما دام الظلم مستمر، الحرية بعيدة المنال، يرجع الطفلين من المدرس، يسلمان على مولود ورفاقه، يدخلان إلى المنزل، تستقبلهما عمتهما، للا فضمة، تحمل ابراهيم، أخوهما الصغير، ما زال رضيعا، تقدم لهما أمهما، فاطمة، طعاما، خبز، زيت، شاي وحريرة.
تحمل صينية، إلى الدكان، تضع الطابق، تدق الباب الخلفي للدكان، تسمع كلاما كثيرا، تطل بخفة، ترجع، بن حمو هناك، عون القائد، يتكلم عن موت السلطان، القائد غاضب، يريد إقامة صلات الغائب، مولود، سي حمد، سي عبد الله، يستهزئون، يضحكون، يرددون:
ـ إلا الموت، لا تعرف الفرز، تأتي كالصاعقة، مات الأنبياء، الطغاة، الفراعنة، القائد سيموت يوما، نحن كذلك، بن حمو قائلا:
ـ أنا لست مرتاحا لخدمة القائد، سأغادر هذا العمل.
مولود، يحمل الصينية، يضعها، يتناولون الشاي، يتذكر بن حمو أيام الدار البيضاء:
ـ مررنا بشارع الفداء، الجيش الفرنسي يحمل السلاح، سيارات البوليس بسفاراتها تمر.
يرد سي حمد المعتقل السياسي، على كلامه :
ـ اشرب الشاي يا بن حمو، لم ترى ما مر بظهري، بعنقي، لما أطلق سراحي، لم أستطع المشي، مولود يعرف هذه القصة، قضيتم أيامكم بالدار البيضاء، في الأكل والشراب، رجعتم لا تعرفون ماذا جرى.
سي عبد الله السياسي المقاوم يرد:
ـ المقاومون الحقيقيون تم اغتيالهم، السلطان صعد إلى عرشه، الأغبياء مثلكم يصيحون، "عاش الملييك"، أنت دخلت إلى حضن القائد، تبحث له عن أخبار الناس، لو تعلم يا بن حمو، ماذا ينتظر المناضلين، من بينهم مولود، أما أنا فلا أبالي.
سي حمد المعتقل السياسي يستطرد:
ـ سجنت من طرف المستعمر، تحديت المستعمر، أنت اليوم بمكتب القيادة، المكتب الذي عذبت فيه، خرج المستعمر، صعد المستعمر الجديد، القائد رمز استعمار جديد، لن نركع له، فعلناه مع الفرنسيين، نفعلها مع المغاربة.
ـ أنت يا بن حمو، مجرور وراء قافلة المجرمين، لا تتردد منذ اليوم:
ـ لوح لبابهم السوارت.
خرج بن حمو، في اتجاه المسجد، أخبر الفقيه، صلات الغائب على السلطان، هذا أمر القائد، سأله الفقيه، عن حال البلاد، عن الفقراء، عن القائد، عبر عن رغبته في ترك العمل بالقيادة.
ارتشف سي عبد الله السياسي المقاوم سيجارته، ارتشف الشاي، نفخ في الهواء دخانها، داعب رأسه، بيده اليمنى، ضرب بها ضربتين، تنهد، ضحك مولود، همهم كعادته، أنظر:
ـ هؤلاء التافهون، يتسارعون إلى مكتب القائد.
رد سي حمد المعتقل السياسي:
ـ نعم، هم مستعبدون فقط، لا يرجى منهم خيرا، يقبلون يد عبدو ابن شيخ الزاوية، فما بالك لما يناديهم القائد.
ـ رد سي عبد الله السياسي المقاوم:
ـ قهقه، نعم، ذلك المنافق بمكتبه، كبير المنافقين، يجمع عليه زمرة من التافهين، الوشاة، يزورونه كل صباح، ينقلون أخبار القبائل، ينطلقون إلى الدواوير، يتربصون بضحاياهم، يفتعلون النزاعات بين الفلاحين، يجرونهم إلى المحاكمة بمكتب القائد، ذلك التافه، يجلس على كرسيه، يتذكر أيام الكلاوي، يتصور نفسه وريثه في العرش، يدخل المتنازعان، المشتكون، يصغي إليهم، ينهرهم، يصرخ فيهم، يمثل نفسه واعظا، تمرس أيام القضاء، في نكتت معروفة، لدى عامة الناس هنا، وهو في مكتبه، بمنزله، مع متقاضيين، دخلت عليه الخادمة، قالت له :
ـ يا سيدي قالت لك سيدتي :
ـ إن الكبش قد كسر قنينة الزيت.
هكذا يتم قلب الحكم، اليوم يقوم الوشاة، الشيوخ الذين نصبهم، على القبائل، بدور الخادمة، بمكتبه.
مر عبدو، أمام الدكان، كعادته، بسيارته، يزور القائد صباح مساء، لكن اليوم يزوره، ليس ككل الزيارات العادية، في زيارة خاصة، لتقديم العزاء، عزاء السلطان، يخرج من منزله، تفتح الخادمة باب الكراج، يدخل، تهمهم، نعم سيدي، تقبل يده، يمد يده لكل من حاول السلام عليه، يشعل محرك السيارة، يخرج في اتجاه مكتب القائد، كعادته، يدخل، يتظاهر بالبكاء، يستهزئ به القائد، يعرفه يتصنع، يمثل، قال له :
ـ يا عبدو، أنت دائما تتصرف، كأنك طفل صغير، تعلمت الكسل في الزاوية، فقدت الشعور، لم تستطع التعبير عن الحزن، حتى أنك اليوم، تتصنع البكاء أمامي، فقدت شعور البكاء.
يدخل بن حمو، نعم سي القايد، الفقيه يصل بعد قليل، يريد توجيهاتك، يدخل أصحاب العزاء، واحدا واحدا، أغلبهم من المستعبدين بالزاوية، يحاولون تقبيل يد القائد، يقدمون العزاء، يخرجون، يستهزئ القائد بعبدو، يقول له:
ـ أتنتظر أن يقبلوا يدك بمكتبي ؟
أنا لا أسمح بتقبيل اليد، فقط يد السلطات، أنا قبلتها مرة، عند تعييني بالرباط، لما قدمنا الولاء، اليوم فقدنا السلطان، طلع سلطان جديد، نقبل يده من جديد.
دخل التاجر السياسي، كبير المنافقين، بصوت مرتفع، يقول:
ـ ما شاء الله، إن لله وإنا إليه راجعون، ماذا جرى، عزاؤنا واحد، جلس، يهمهم.
رد عليه القائد، قائلا:
ـ باركا من التصنع، أنت دائما هكذا، تتظاهر بالعظمة، لكن في المواقف، تبقى خائفا، لم أر يوما خائفا مثلك، جهز نفسك للسفر، لابد لنا من حضور الولاء، هذا المساء، بعد الظهر، نقيم صلات الغائب، موازاة مع الرباط، حلت بنا الفاجعة.
دخل سي محمد، الفقيه، مع رفيقه، سي حماد العدل، يقدمان العزاء، التحق باقي العدول بالمكتب، رفع الفقيه الدعاء، اجتمعوا، هنا، بالمكتب، يتذكرون، اجتماعاتهم بدار الكناش، بالزاوية، أيام كانوا يخططون، يكتبون كل العقود، خاصة عقود تمليك الكلاوي، للقصبة والجنان، وتشريع الاستغلال، استغلال المستعبدين بالزاوية، هم زمرة من المنافقين، اليوم يجمعهم القائد، بمكتبه، يخاطبهم، يسألهم، عن أحوال القصبة، قصبة الكلاوي، تحولت إلى فرع المعهد الإسلامي بتارودانت، عن الطلبة، القادمين من المدارس العتيقة، بالجبال، ليس من أجل تفقد أحوالهم، بل لإشراكهم في صلات الغائب، حملة الكتاب، مجتمعون، يتفننون في حبك القضايا، الشكايات، في الفقه، في التوحيد، كانوا يتربصون بمكتبة الزاوية، اختطفوا كل كتبها، اليوم يجتمعون على مائدة اللئام.
مر أصحاب العزاء، أمام دكان مولود، مستعبدو الزاوية، همهم سي حمد المعتقل السياسي، أشار إليهم، قائلا:
ـ مساكين، آباؤهم، كانوا يحملون العتاد، من حمير ومعاول، أدوات البناء، في اتجاه تالوين، في الأعمال الشاقة، في بناء القصبة، في مزارع الكلاوي، جاء الطاعون، عصف بآبائهم، تلك الجائحة، تفتك بالرجال، يتم عزل المصابين، حجرهم في البيوت، من مات منهم، يتم رشه بالجير، تم بناء منطقة خارج الزاوية، محجر للمرضى، الذين يفتك بهم المرض.
رد سي عبد الله السياسي المقاوم، السياسي الحكيم:
ـ تم استغلالهم بالزاوية، تم تدجينهم، اليوم يتم استغلالهم، استغلال مزدوج، نشر القائد في صفوفهم، جواسيس، حتى النساء منهم، في الزاوية عدة مدارس، المدرسة العتيقة، مدرسة المنافقين، ومدارس التجسس، هي مدارس متعددة، يتم تسخيرها، تسخير بعض العائلات منهم، من أجل جمع الأخبار، القائد عارف بما يجري، في السياسة، أيام المقاومة، الآن هناك صراع، بين الحزبين، بعد حل الحكومة، السيطرة المباشرة للقصر، على السلطة والمال، القائد يراقب كل شيء.
مرت سيارة عبدو، حاملة مجموعته، وقفت أمام الكراج، نزل منها بن حمو، رجع إلى الدكان، المجموعة مازالت هناك، دخل، قص عليهم قصة مكتب القائد، بطريقته المعهودة، الفكاهة والتنكيت، ضحكوا، رد عليه سي حمد المعتقل السياسي:
ـ ذلك المكان لا يليق بك، لوح لهم السوارت.
طلب السكر والشاي، دفع الثمن، انصرف، انطلق سي عبد الله السياسي المقاومة إلى دواره، دخل مولود إلى المنزل، معه صديقه سي حمد، جلس الاثنين ببيت الضيافة، قدم لهم حسون، ابنه الثاني، ماء الغسيل، لم يذهب إلى المسيد اليوم، شاهد أحد الرجال، يمشي باكيا، ينوح، سأل أباه مولود:
ـ لماذا يبكي ذلك المسكين الرجل؟
ضحك الأب، لم يجبه، جلسا حول مائدة الطعام، طاجين مزعفرن، خبز من تنور، من طهي للا فضمة، المقراج يفور، الصينية مجهزة، أقام سي حمد الشاي، المنعنع، يرتشفون، كؤوس الشاي، بعد آذان الظهر، أقاما الصلاة معا، بالمنزل، استرخيا في قيلولة خفيفة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الفنانة نادية مصطفى تكشف أخر تفاصيل قرار استقالة الفنان هاني


.. كلمة أخيرة - مجلس إدارة نقابة المهن الموسيقية يرفض استقالة ا


.. فنان ليبي يرسم بيديه وقدميه في نفس الوقت.. وبأصابع يديه العش




.. دبوس إيه اللي بيخدر في ثواني.. لميس الحديدي تعلق على فيديو ا


.. المخرج عم يتّهم الست سعاد انها سرقت الكاميرا ??????????